الحكم والكتاب والتوراة والإنجيل





 الكتاب

والتوراة والإنجيل

والحكم بما أنزل الله فيها






هذا مقتطف من سلسلة: خصوصية البيان القرآني، الفصل المتعلق ببيان خصوصية كلمة "ناس". 

شرحت فيه آيات متعلقة بأهل الكتاب، والتوراة والإنجيل، والحكم بما أنزل الله فيها.

هذه الآيات هي 41-50 من سورة 5 والمسماة بسورة "المائدة"، فنتج عن ذلك بيان في غاية الأهمية:




يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡ:

هؤلاء منافقون. 



وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ: 

من أهل الكتاب.



سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ: 

من الأميين.



لَمۡ يَأۡتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ: 

كلام الله. 



مِن بَعۡدِ مَوَاضِعِهِ:

هؤلاء الذين هادوا سمّاعون للكذب الذي يأتي به قوم آخرون لم يأتوا النبي من الأساس، فكيف يقبلون شهادتهم، ويسمعون لقولهم؟! وفوق ذلك يحرفون الكلم من بعد مواضعه. 

والكلم هو آيات القرآن التي تتنزل على النبي ويتلوها عليهم، يحرفونه من بعد أن وضعه الله في مواضعه التي لا ينبغي إلا لها، فيغيرون هذه المواضع لأجل تغيير المعاني، وذلك بتقديم أو تأخير كلمات عن مواضعها لتغيير المعنى الكلّي للآية المُستَهدفة.



يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْ: 

يقولون للقوم الآخرين الكذابين -الذين سوف يتوجهون الآن للقاء النبي-: إن آتاكم الشيء الفلاني فخذوه فهو من عند الله، وإن آتاكم غيره فاحذروا فإنه من عنده هو، وليس من عند الله!. 

على أساس أن الحق الذي من عند الله هو فقط لديهم، وليس لدى محمد خاتم النبيين، وعلى أساس أنهم أمناء في تبليغه!.



وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا: 

من يريد الله فتنته من هؤلاء الأميين الكذابين، الذين يلقون السمع لهؤلاء الذين كفروا من الذين هادوا، فيحرفون لهم كلام الله عن مواضعه التي وضعها الله فيها، ويغيرون كل المعاني، ويلزمونهم بنوع من الحق دون غيره، أو يُلبسون عليهم الباطل بلباس الحق، إلى آخر ما يقوم به هؤلاء المغضوب عليهم من الذين هادوا في حق أولئك الأميين الضالّين. 

فمن أراد الله فتنته بذلك، فلن تستطيع أنت هدايته. فدعك منهم.



أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡ: 

لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الشرك، فلا يزالون يستمعون للبشر فيما يأتونهم به من الباطل، ويتركون حكم الله في كتابه، فيعيشون في نجس الشرك ويموتون فيه!. 

لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴿٤١﴾ 



سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِ: 

وهنا الحديث أيضاً عن الذين هادوا، فهم فوق سماعهم للكذب، يأكلون السحت الذي يأتيهم من التلاعب بالكلم لإرضاء البشر.



فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ: 

فهم قد يأتون النبي ليحكم ويفصل بينهم فيما يعترض لهم من حوادث تحتاج إلى من يقضي فيها. 

وبما أنهم كفار غير مسلمين حنفاء، فليس لهم حق على النبي أن يتعرض لهم، بل هم مفسدون في جميع حركاتهم وسكناتهم، مفسدون بمجيئهم إلى النبي ليحكم بينهم، ومفسدون عند توليهم عنه واختلاطهم بالأميين. 

فهؤلاء يجعل الله رسوله حلٍّ من وجوب الحكم بينهم، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم.



وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗا: 

تطمين له من احتمالية كيدهم له. 

ففي حال اختار الإعراض عنهم، فهم لن يضروه شيئاً. 

وسوف يأتي لاحقاً بيان عصمة الله له منهم (والله يعصمك من الناس).



وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ: 

لكنه يُلزمه إذا حكم بينهم أن يحكم بالقسط الذي بَيّنه له في كتابه الذي أنزله عليه، ولا يُداهن أحداً منهم على حساب الآخر، ولا يركن لهم في شيء.

 إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ﴿٤٢﴾ 



وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّـهِ: 

إخبار عن حقيقة سرائرهم. 

فهم لا يريدون الخير بمجيئهم للنبي ليحكم بينهم، لأنهم أصلاً عندهم التوراة التي فيها حكم الله!، فلماذا لا يتحاكمون إلى كتاب الله الذي عندهم؟!. 

وبالتالي فإنهم عندما يأتونك لتحكم بينهم فإنهم لا يبتغون حكم الله الذي يعرفونه جيداً، وإنما يأتونك لعلك تَضِل عن حكم الله، فتحكم بهوى هؤلاء أو هؤلاء -أحد الفريقين المتخاصمين منهم- فيأخذوا الحكم عنك، ويجعلوك أنت المسؤول أمام الله عن ذلك، ولكن هيهات!. 

إذ كيف سَيَضِل النبي عن حكم الله، والآيات تتنزل عليه متفرقة لتثبته وتقوّمه وتبين له حكم الله؟! بل ولتحذره -في كثير من المواضع- من أن يتغافل عنها، أو يركن إلى الكافرين ولو شيئاً قليلاً، أو أن يحكم بشيء من عنده!. 

فإن كان هذا هو الذي عليه العمل في كتاب محمد -تفريقه وتنزيل آياته لتلامس كل آية منه الحدث أو الواقعة التي صيغت لأجلها-، فأنّى لهم تحقيق مآربهم من أن يحكم النبي بينهم بأهوائهم بغير حكم الله؟!.



ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ: 

يتولون من بعد حكم الله الذي عندهم في التوراة، والذي سبق وحُكِم لهم به، ثم تولوا عنه وتوجهوا إلى النبي لعلّه يحكم بينهم بغيره!. 

وَمَا أُولَـٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٣﴾ 



إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ: 

التوراة هي زبور داوود الذي أوتيه من بعد موسى.



يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا: 

وهم داوود وسليمان ويحيى. 

أما وزكريا فإنه بلغه الكبر في تلك الحقبة. 

وهنا يذكر إسلامهم لنفي اليهودية والنصرانية عنهم، وإلا فكل النبيين مسلمون!.



لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ: 

أيضا يحكم بها الربانيون والأحبار الذين يدرسونها ويتمسكون بها، وهم أتباع هؤلاء النبيين الأربعة، ولا يوجد مطلقاً أنبياء غير المذكورين في القرآن، سواء الأنبياء في القرون الأولى قبل موسى، أو الأنبياء في بني إسرائيل بعدها. 

ثم أوتي عيسى ابن مريم الإنجيل، وأحَل لهم فيه ما حُرم عليهم في التوراة بظلمهم من الطيبات، سواء كل ذي ظفر، أو شحوم الأنعام. 

ثم جاء إلياس ابن عيسى، ثم بعدها فترت النبوة مدة قليلة من الزمن، ثم بعدها جاء محمد نبي الأميين، وخاتم أولئك النبيين، وهو الذي أخذ الله ميثاق النبيين -بعد موسى- بالإيمان به ونصرته: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَـٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ إِصۡرِی قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَا قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ﴾ [آل عمران ٨١]. وهذا الميثاق المأخوذ على أولئك النبيين -في كتابيهم التوراة والإنجيل- هو في الأساس مأخوذ على أتباعهم!.

أَخَذَه على النبيين بمجرد إنزال التوراة والإنجيل عليهم، ثم تصديقهم وإقرارهم به، ليكون -بصورة تلقائية- ميثاقاً مأخوذاً على أتباعهم، ومن يزعمون الإيمان بهم!، وهذا هو مُراد الآية. 

وإلا فإن النبوّة فترت بعد إلياس ابن عيسى، ولم يكن وجود لأولئك النبيين!.



بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ: 

كتاب موسى، وهو -ككتاب محمد- الفرقان والذكر: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِیَاۤءࣰ وَذِكۡرࣰا لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ [الأنبياء ٤٨]. 



وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ: 

فهؤلاء النبيون والربانيون والأحبار هم مستحفَظون على الكتاب، كتاب الله الذي أنزله على موسى وهارون، ثم آتى داوود التوراةَ المختصة بالذين هادوا، والتي تُفَصّل لهم حكم الكتاب -كتاب موسى- في أمور متعلقة بطائفتهم وزمانهم، وحُرّم عليهم فيها ما حرم بسبب ظلمهم. 

ثم أوتي عيسى ابن مريم الإنجيل تخفيفاً عليهم ورحمة بهم، واختصاصاً بأمور من الكتاب -كتاب موسى- يُفصّلها لهم بما يناسب زمانهم، فآمن به من آمن منهم، وهم الذين قالوا إنا نصارى، أي أنصار عيسى على من كفر ومكر به من بني إسرائيل، ثم ليتميزوا بالإنجيل عن الذين هادوا، ثم ليغْلوا في دينهم وليعبدوا عيسى ابن مريم، ويزعموا أنه الله أو ابنه أو ثالث ثلاثة!.



فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ: 

هذا أمر لبني إسرائيل زمان محمد، والذين -إضافة للأميين- نزل عليهم هذا القرآن. 

هو أمر في صورة خطاب مباشر من الله لهم (فلا تخشوا الناس واخشونِ!)، وهو كمثل: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِي أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١﴾ «البقرة»

والناس هنا هم الأميون الضالّون، أهل القرى والسواد الأعظم، الذين من الممكن أن تحملهم خشيتهم على التولي عن النبي الأميّ وعن نصرته، أو تَحمِلهم على معاداته ومداهنة أعدائه الأميين. 



وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي: 

التي عندكم في الكتاب -كتاب موسى- أو كتابي التوراة والإنجيل.



ثَمَنًا قَلِيلًا: 

بمظاهرة أعداء النبي الأمي عليه، بدلاً من الإيمان به ونصرته.

الأمر الذي أُخِذ عليكم الميثاق به!.



وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ﴿٤٤﴾: 

ولا شك أن هذا الأمر يتعداهم، ليكون عبرة وموعظة للناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، والنتائج التي تترتب عليه تترتب عليهم، لكن بميزان مختلف عن ميزان أولئك، فهم نزل عليهم القرآن وفهموا بيانه، ورأوا رسول الله بأم أعينهم، ثم حاربوه أو ناصروه.



وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ: 

على الذين هادوا المذكورين آنفاً. والذين هم الطائفة والملأ من بني إسرائيل، استمر فيهم موسى بعد أن أنزل عليه الكتاب، ثم صاروا ملوكاً برهة من الزمن، ثم ظلموا أنفسهم بعدم الاستجابة له بدخول القرية -الأرض المقدسة- التي أجلاهم منها جالوت -قبل توجههم لمصر أرض فرعون-، ثم قتلوا موسى وهارون، ثم بعث فيهم داوود الذي دخل بهم أرضهم تلك، ثم آتاه الله التوراة ليحكم بها فيهم.



أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞ: 

وهي أوامر متعلقة بالقضية التي جاءوا يحكمون النبي فيها. 

وقد سبق وأن أمر الله نبيه بالقصاص في مثل هذه الأمور المتعلقة بالقتل أو بالجروح: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩﴾ [البقرة].

وهذا هو حكم النبي الذي حكم به لهم عندما جاءوا إليه يحكمونه في هذه الأمور، ونزلت هذه الآيات لتؤيّده وتثبته، بل ولتجعله أيضاً في حلًّ من الحكم بينهم، في حال أراد الإعراض عنهم. 

ثم تؤكد عليه بأن يحكم بالقسط في حال اختار الحكم والقضاء بينهم. 



فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ: 

بالاعتداء الذي وقع عليه.

فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴿٤٥﴾. 



وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم: 

على آثار أولئك النبيين الذين يحكمون بالتوراة في الذين هادوا.



بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ: 

فهو ابن مريم، وليس له أب مطلقاً، هو ابن مريم وليس ابن أحد غيرها أياً كان.

وأمُّه لم يمسها بشر، والمَلَك الروح الذي أتاها قد تمثل لها بشراً سوياً، فأنّى له أن يمسها بعد هذا البيان الصريح؟!.

بل إنه نفخ فيها كلمة الله "كن"، فكان المسيح عيسى ابن مريم، الذي هو كلمة الله "كن" التي ألقاها إلى مريم عن طريق ذلك الروح الذي تمثل بشراً، ليتمكن من قول تلك الكلمة وإلقائها إلى بشر -مريم-!.

﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِیحُ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلۡقَاهَاۤ إِلَىٰ مَرۡیَمَ وَرُوحࣱ مِّنۡهُ﴾ [النساء ١٧١].

فهو كلمة من الله "كن" أُلقِيت إلى أُمّه، وهو روح -قضاء- من الله نُفِخ فيها، بعد أن ألقى الروحُ الملَك تلك الكلمة إليها. 

فكلمة "روح" تستخدم لتشير إلى قضاء الله تارةً، وإلى الملَك المختص بحمل كلمة "كن" -التي من خلالها يتحقق قضاؤه- تارةً أخرى. 

ولا اختصاص لعيسى ابن مريم بهذه العبارة -كلمة الله-، بل كل خلق الله هو كلمات الله، والواحد من الخلق هو كلمة الله، وكلماته لا تنفد مطلقاً!.



مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ: 

الإنجيل الذي فيه هدى ونور، هو أيضاً مصدق لما بين يديه من التوراة. 

ف "الكتاب" كتاب الله، هو واحد، وإن تعددت الصيغ التي ينزله بها على الأقوام في أهل القرى في القرون الأولى قبل موسى.

والكتابان الثانويان -التوراة والإنجيل- أيضاً لا يخالفان كتاب الله الذي آتاه لموسى -والمُستَحفظ عندهم-، أو الذي أنزله بعد ذلك على محمد -القرآن-، فالحق واحد، والملّة واحدة، والإسلام هو دين الله. 

ثم تم اختزال هذا الاسم "الإسلام" في الدين الوضعي الذي اخترعه كُهان المسلمين بعد حقبة خاتم النبيين، وهو الدين المستمر إلى هذا اليوم. 

وهو تماماً كدين اليهود الذي اخترعوه بعد داوود وسليمان، وكدين النصارى الذي اخترعوه بعد عيسى. 

لكن تم بعد محمد تغيير اللسان واللغة المتعلقة بأولئك اليهود والنصارى، ونسبة أديانهم إلى لغات أخرى غير لغة هذا الكتاب، والتي هي في الحقيقة لسان ولغة كل النبيين وأقوامهم. 

الأمر الذي لم يتحقق مع الذين اخترعوا الدين المنسوب لمحمد، إذ لم يستطيعوا نسبته للسانٍ مختلف عن لسان الكتاب المحفوظ لديهم -القرآن-، فبقيت الأسماء والكلمات كما هي، لكن تم تحريف كل المعاني والمقاصد التي وراءها!. 

وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٤٦﴾. 



وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ: 

أهل الإنجيل زمان محمد، وهم النصارى، وهم في عداءٍ مع اليهود، أو الذين هادوا، الذين هم أهل التوراة: 

﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ [كتاب الله المشترك بينهم، والذي هو كتاب الفرقان، كتاب موسى] كَذَ ٰ⁠لِكَ قَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ [الأمّيون] مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡ [أي أن الأميين أيضاً يظنون أنهم على الحق دون غيرهم، فيقولون: أهل الكتاب بطائفتيهم اليهود والنصارى ليسوا على شيء!] فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ [بينهم جميعاً. اليهود والنصارى المغضوب عليهم من جهة، والأميون الضالّون من جهة أخرى] یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣].

بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴿٤٧﴾. 



وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ: 

القرآن العظيم. 

فهو الكتاب وهو تفصيله في آن واحد. 

بخلاف كتاب موسى الذي جاء تفصيله -توجيه بيانه نحو قوم بعينهم- في التوراة لطائفة، وفي الإنجيل لطائفة أخرى. 



مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ: 

كتاب موسى.



وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ: 

بالذكر الجديد المتعلق بما جاء بعد موسى، وانتهاءً بذكر قوم محمد: 

﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكُمۡ [يا قوم محمد] كِتَـٰبࣰا فِیهِ ذِكۡرُكُمۡ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ [؟!]﴾ [الأنبياء ١٠].



فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ: 

عليك في كتابك. 

والموافق سلفاً لما لديهم في كتاب موسى، أو في التوراة والإنجيل.



وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ: 

الحق واحد، ويعرفونه، لكنهم يضلون عنه بأهوائهم.



لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗا: 

هذه العبارة تشكل بياناً منفصلاً عن العبارة التي قبلها: "ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق". 

بل اختلاف الشرائع والمناهج التي جُعِلت للناس في التوراة والإنجيل والقرآن، هو حق من عند الله، ولا علاقة لهذا باتباعهم لأهوائهم التي ينهى الله نبيه عنها. 

فمثلاً التوراة التي لدى اليهود حُرّم عليهم فيها ما حرم من الطيبات، والإنجيل الذي لدى النصارى أُحِل لهم فيه تلك الطيبات، وَوُضع عنهم فيه الإصر والأغلال التي كانت مكتوبة عليهم في التوراة بسبب ظلمهم. 

فهؤلاء إن استمروا على ما لديهم في التوراة؛ فهو حق، فهي أمورٌ حرمت، وإصرٌ وأغلالٌ وضعت على آبائهم، فإن تعصبوا لها وأحبوا الاستمرار عليها فلهم ذلك -وهو كالطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه فله ذلك-، وأولئك -أهل الإنجيل- لا يلتزمون تلك الحرمات، ويتحررون من تلك الآصار والأغلال التي كُتبت على آبائهم، وينتهجون منهاج الإنجيل الذي خفف عنهم تلك الأمور، وهذا أيضاً حق، بل هو الأوْلى، وهذا هو المقصود من عبارة: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً). 

وإلا فالحق واحد، وأمر الله ونهيه ووصاياه لا تتغير، وهو لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، ولا ينهى إلا عن الفحشاء والمنكر والبغي. 

فالشرائع والمناهج المتنوعة التي جُعِلت لهم، هي ما اختاروه هم لأنفسهم، بعد أن خُفِّفَ عنهم الوزرُ الذي كُتب عليهم، بسبب بغي الذين جاءوا من قبلهم. 



وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ: 

لو شاء لجعلكم أمة واحدة بكتاب واحد، لا تنقسمون على أساسه إلى طوائف بعضها يُحِل شيئاً والآخر يُحرمه. 

فلو شاء ذلك لأنزل "الكتاب" مرة أخرى على داوود، ثم على عيسى ابن مريم، وكلكم تنضوون تحته، من غير أن تتفرقوا وتختلفوا فيه، كاختلاف الذين ورثوه بعد موسى، وتفرقهم فيما بعد إلى طوائف اليهود والنصارى. 

لكنه لم يفعل ذلك، وإنما استحفظ بني إسرائيل على الكتاب بعد موسى، ولم ينزله مرة أخرى إلا على محمد، وجعل ما بينهما من الكتب تختص بطوائف؛ فالذين هادوا أنزل إليهم فيما بعدُ التوراة على داوود، وبَقِيّةُ بني إسرائيل لم تكن لديهم هذه التوراة، ثم ليأتي عيسى بن مريم بالإنجيل، ويتوجه به لكل بني إسرائيل: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ یَـٰبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَیۡكُم مُّصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِن بَعۡدِی ٱسۡمُهُ أَحۡمَدُ﴾ [الصف ٦]، فيؤمن به من هؤلاء -الذين هادوا أصحاب التوراة-، ومن هؤلاء -بقية بني إسرائيل-، فيكونون بذلك قد تقسموا إلى أمم؛ هؤلاء معهم كتاب موسى فقط، وهؤلاء معهم التوراة، وآخرون تمسكوا بالإنجيل بعد أن نصروا عيسى وآمنوا به. 

مع التنويه على أن اختلاف الأمم -بعد موسى- في الشرعة والمنهاج الذي جعله الله لهم ليبلوهم فيه، ليس هو نفسه الاختلاف الذي حصل بعد أن كانوا أمة واحدة على الإسلام، فاختلفوا بين الإسلام والكفر -فبعث إليهم النبيين ابتداءً من نوح-، بل هي أمم كلها تنضوي تحت الإسلام، لكنها أمم متنوعة في الشرعة والمنهاج. 

أما تحوّلهم إلى يهود ونصارى كافرين مشركين غير حنفاء، فهذا من عندهم وليس من عند الله في شيء، وليس هو المراد من اختلاف الشرعة والمنهاج!. 



وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَاكُمۡ: 

فالعلّة من وراء جعل الكتب والشرائع والمناهج، هي ابتلاء كل طائفة فيما آتاها من منهاج وشرعة ومنسَك، فينظر كيف ستصنع بما آتاها!. 

هذا على الرغم من أن الأمر والنهي والوصايا في كل تلك الكتب واحد لا يتغير بتغير المنهاج. 



فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِ: 

أينما وجدتموها فسارعوا إليها. 

وهي الآن مع محمد النبي الأمّيّ رسول الله، فسارعوا لتكونوا من الذين آمنوا معه، وعزروه ونصروه.

 إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾. 



وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ: 

تأكيد. 


وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ: 

لا تتبع أهواءهم في كفرهم، فهي ليست من تنوع الشرعة والمنهاج. 



وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ: 

تثبيت له من جهة، وتحذير له من جهة أخرى. 

فيما يُفهم منه مراودتهم له ليوافقهم على شيء من أهوائهم.



فَإِن تَوَلَّوْا: 

عن حكمك.


فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ: 

فالله يُضِل الظالمين بما يجترحون من ظلم وفساد، ولو كانوا مصلحين لهداهم إلى الحق.



وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ ﴿٤٩﴾: 

كثير من الناس من أهل الكتاب بطائفتيهم اليهود والنصارى -الذين تتحدث عنهم هذه الآيات ضمن سياقها السابق- فاسقون. 

ولا شك أن كثيراً من الناس من الأميين -الذين منهم قوم محمد- فاسقون. 

ولا شك أيضاً أن كثيراً من الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد فاسقون، لكن مراد الآيات محصور بأولئك، فالقرآن بيان خاص بالذين نزل فيهم من أميين وأهل كتاب، والمقصودون هنا هم أهل الكتاب من أولئك الناس.



أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ:

حكمهم المتعارض مع حكم الله -في الكتب التي لديهم وفي القرآن- هو حكم الجاهلية، وليس حكماً بالعلم الذي يعلّمهم الله إياه في آياته البينات. 

وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٥٠﴾.