ما هي القبلة ؟
ما
هي
القِبلة
!
هذا مقتطف من سلسلة دراسات بعنوان: خصوصية البيان القرآني، الفصل المتعلق ببيان معنى كلمة "الناس" في القرآن.
ومن خلال الفصل يتبين لك أن مُراد القرآن بكلمة "ناس" في الغالبية العظمى من المواضع هو: الأمّيّون الذين منهم قوم محمد، وهم الذين يقابلون أهل الكتاب، بكونهم ضالّين عن الكتاب ولا يعلمونه، بخلاف أهل الكتاب المُستَحفَظين عليه.
سوف أضع لك الآيات من: 142 إلى: 177 من سورة رقم: 2 والمسماة سورة "البقرة".
وأبين لك من خلالها ما هي القبلة، وما معنى هذه الكلمة، وأُبرهن على أنها هي:
المكان أو المسجد الذي يجتمع فيه المؤمنون لإقامة الصلاة.
وإليك البيان التفصيلي لذلك:
ملاحظة قبل البدء:
قمتُ بالتوسع في الشرح، وبرهنتُ على كل صغيرة وكبيرة، وظهرت فوائد كثيرة تتعدى موضوع هذه الدراسة، فقم بقراءتها بتأنٍ.
سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ:
الناس هم الأميون الذين منهم قوم محمد، والسفهاء هم الذين كفروا منهم: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ ءَامِنُوا۟ كَمَاۤ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤا۟ أَنُؤۡمِنُ كَمَاۤ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَاۤءُ أَلَاۤ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَاۤءُ وَلَـٰكِن لَّا یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣]
مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ:
المسجد الذي كانوا يجتمعون فيه لإقامة الصلاة -إقامة الحق الذي ينزله عليهم في هذا القرآن-، قبل أن يأمرهم فيما بعد باتخاذ المسجد الحرام قبلة للاجتماع وإقامة الصلاة.
﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِیهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُیُوتࣰا [مساجد] وَٱجۡعَلُوا۟ بُیُوتَكُمۡ قِبۡلَةࣰ [تَخَيَّرا لقومكما بيوتاً تجعلانها قبلة لهم يأتونها للاجتماع فيها، تحضيراً للخروج من مصر والتحرر من عبودية فرعون، والتي هي أحد أسباب إرسال موسى إليه: ﴿فَأۡتِیَاهُ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡ قَدۡ جِئۡنَـٰكَ بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰۤ﴾ [طه ٤٧].] وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ [أقيموا الصلاة في تلك البيوت، بالتشاور والبحث في كيفية تنفيذ خطة الهروب] وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس ٨٧].
ثم ليوحي الله لموسى ببدء التنفيذ:
﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢ فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ [شرذمة من المؤمنين مع موسى، اجتمعوا في تلك البيوت التي جعلها لهم قبلة، ثم ها هم الآن يبدأون بالتحرك للخروج، فتصل أخبارهم مباشرة إلى فرعون، فيبدأ بملاحقتهم] ٥٤ وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦﴾ [الشعراء].
الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا:
إذ إنهم جاءهم الأمر من الله في وقت سابق بإقامة الصلاة: ﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البقرة ١١٠].
فصاروا يتخذون مساجد الله -الموجودة سلفاً في أرض النبيين حول المسجد الحرام- قبلة يجتمعون فيها طرفي النهار وزلفاً من الليل لإقامة الصلاة -إقامة القرآن كتاب نبيهم المنزل إليهم-.
قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿١٤٢﴾:
جواب من الله إلى نبيه ليقوله لهم، عندما يحتجون عليه بحجة تغيير القبلة -تغيير مكان الاجتماع الخاص به هو والذين آمنوا معه-.
والمشرق والمغرب هما مشرق ومغرب الشمس على أرضهم أرض النبيين، ومُراد ذلك هو الإخبار عن أن أرضهم بحدودها الشرقية والغربية هي كلها لله، ولا يهم المكان -في الوقت الحالي قبل التحوّل إلى المسجد الحرام- بقدر ما يهم تنفيذ أمر إقامة الصلاة -الاجتماع بالعشي والإبكار لإقامة ما يأمرهم به في الكتاب-.
وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ:
أيها الذين آمنوا مع محمد.
أُمَّةً وَسَطًا:
فأنتم آمنتم بالله واتبعتم رسوله، على الرغم من أنكم -في الأساس- من الأميين الضالّين عن الحق من كتاب الله، ولستم -في نفس الوقت- من أهل الكتاب، الذين لديهم الحق من كتاب الله الذي عندهم، لكنهم كفروا به فغضب الله عليهم!.
فأنتم وسط بين الأميين الضالّين، وأهل الكتاب المغضوب عليهم.
لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ:
على الأميين -الذين منهم قوم محمد-، والذين يتنزل عليهم هذا القرآن. فأنتم أيها الذين آمنوا مع محمد، شهداء على الذين كفروا من قومكم الأميين عند الله يوم القيامة، تشهدون أن الله لم يتركهم ضالّين عن كتابه، بل أرسل إليهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، لكنهم كفروا به وكذبوه، فتدحَضُ بذلك حجة عدم إرسال رسول إليهم بالكتاب.
وهؤلاء هم الشهداء، وقد قام كهان المسلمين بأخذ هذه الكلمة -شهداء- وتحريف معناها بجعلها تُطلق على من يُقتَل في معركة!.
أما بالنسبة للآية: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١﴾ [آل عمران].
فالقرح الذي أصابكم أيها الذين آمنوا مع محمد، هو لأجل أن يعلم الله المؤمنين حقاً والصابرين، ولأجل أن يتخذ منكم شهداء يشهدون على الناس أن النبي بلغهم لكنهم قابلوه بالعداء وبالحرب والقتل.
فأنتم أيها الذين آمنوا كلّكم شهداء على الناس، سواء أقُتلتم في سبيل الله أم لم تقتلوا.
وهذا هو مراد الآيات، ولا علاقة لشعوذات كهان المسلمين بالقرآن لا من قريب ولا من بعيد.
وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا:
فكما أنتم -أيها الذين آمنوا- تشهدون على الناس من قومكم بأن الله أرسل إليهم رسولاً، وأنزل إليهم كتاباً؛ فكذلك سوف يكون الرسول شهيداً عليكم أنتم أيضاً، بأنه بلغكم ما أوحي إليه من ذلك الكتاب -القرآن-، ولن يكون لكم عذر عند الله في حال عدتم فكفرتم به -فَرَضاً-، أو في حال تركتم الاستجابة لبعض ما أمركم الله به في ذلك الكتاب.
وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا:
مكان الاجتماع السابق قبل الأمر بالانتقال إلى المسجد الحرام.
وقد كان الله أقرّهم على ما كانوا يتوجهون للاجتماع فيه من مساجد الله في شرق أرضهم وغربها حول المسجد الحرام:
﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ [منع المؤمنين من الاجتماع في مساجد الله -الموجودة سلفاً- في شرق الأرض وغربها حول المسجد الحرام، لإقامة الصلاة -إقامة القرآن-] وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ [بتعطيلها عن غايتها التي وجدت لأجلها، وهي إقامة الصلاة] أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ [بعد أن ينصر الله المؤمنين عليهم، فلا يدخلون مساجد الله -في حال دخلوها- إلا خائفين] لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤ وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِ [وهنا كان قد أقرّهم على المسجد أو المساجد التي كانوا يجعلونها قبلة ليجتمعوا فيها لإقامة الصلاة] إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥﴾ [البقرة].
ثم بعد ذلك أمرهم بأن يتخذوا من مقام إبراهيم -الكعبة في المسجد الحرام- مُصلّى، في توطئة وتمهيد لتغيير القبلة بشكل كلّي!.
﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ [مثابةً وأمناً للأميين أهل ذلك البيت ومن حوله زمان محمد] وَأَمۡنࣰا وَٱتَّخِذُوا۟ [أيها الذين آمنوا مع محمد] مِن مَّقَامِ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ مُصَلࣰّى وَعَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰهِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ أَن طَهِّرَا بَیۡتِیَ لِلطَّاۤئفِینَ وَٱلۡعَـٰكِفِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥].
وهذه الآية هي بمثابة بيان "معترض" يأمر الذين آمنوا مع محمد باتخاذ مقام إبراهيم مصلى -تمهيداً لتحويل القبلة إليه-، على الرغم من أن السياق الذي يحوي هذه الآية هو سياق قصصي يتحدث عن إبراهيم. وقد قمت بشرحها ضمن سلسلة: جمل اعتراضية.
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ:
فأصبح تغيير القبلة من الأمور التي يُبتلى بها الذين آمنوا، ليعلم الله المؤمنين حقاً، من الذين يزعمون الإيمان كذباً فينقلبون على أعقابهم كافرين، ويظنون أن الرسول يأتي بالأوامر من عنده، ويغيرها متى شاء!.
وهنا سوف يعلم الله -علم واقع وعلم شهادة- مَن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، على الرغم من كونه يعلم ذلك سلفاً علم غيب!، لكنه لا يحاسب الناس على ما علمه منهم بالغيب، بل يحاسبهم على ما ظهر من حالهم، وعلى ما شَاهَدَه منهم.
وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ:
لم يكن تغيير القبلة بالأمر الهَيّن، بل كان شديداً إلا على الذين هدى الله، وهم المؤمنون حقاً الذين استجابوا مباشرة لهذا الأمر الجديد.
وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ:
ما كان ليضيع إيمانكم السابق، حيث كنتم تتخذون من المساجد في شرق أرضكم وغربها قبلة تجتمعون فيها لإقامة الصلاة.
إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾:
الناس هم نفسهم هؤلاء الذين آمنوا مع محمد من الأميين، والذين غيروا مكان إقامة الصلاة -القبلة- وتوجهوا إلى المسجد الحرام.
ولا شك أن الله رؤوف رحيم بالمؤمنين من الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، لكن ليس هذا هو المراد هنا بكلمة الناس، بل هي مختصة بهم هم.
قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا:
فبعد أن أمرهم الله بأن يتخذوا من مقام إبراهيم في المسجد الحرام مصلى، أصبح النبي يقلب وجهه في السماء، يرجو الله أن يأمرهم باتخاذ المسجد الحرام قبلتهم الدائمة، فيترك الذين آمنوا -أينما وُجِدوا- كل المساجد، ويتوجهوا حصراً إلى المسجد الحرام.
وهذا ما سوف يترتب عليه الأمر بالهجرة، والتوجه للمدينة للالتحاق بالنبي في المسجد الحرام.
وقد كان المؤمنون متفرقين يُصَلّون في كل المساجد في شرق الأرض وغربها حول المسجد الحرام، وكان الله قد أقرهم على ذلك:
﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا﴾ [الجن ١٨].
﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِ وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف ٢٩].
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧ [النور].
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:
وهنا جاء الأمر لكل المؤمنين بترك الإقامة في مشارق أرضهم ومغاربها، والتوجه إلى المسجد الحرام، للالتحاق بالنبي وإقامة الصلاة معه فيه.
وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ:
الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذا الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام هو الحق من ربهم، ولم يأتِ به النبي من عنده كما زعم ذلك السفهاء من الأميين.
وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ ﴿١٤٤﴾:
إذ إن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب لا يستجيبون لهذا الحق الذي يأمرهم به ربهم في الكتاب الذي ينزله على النبي الأمي، والذي هو -في الأساس- مصدق للحق الذي معهم في كتاب موسى:
﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِیقࣱ مِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ [الذي عندهم والذي يأمرهم بالإيمان بالنبي الأميّ] وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠١].
بدلاً من أن يؤمنوا به:
﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَمَثُوبَةࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ لَّوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠٣].
وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ:
لو أتيتهم بكل آية من آيات هذا القرآن، ما توجهوا معك إلى المسجد الحرام، وَلَمَا التحقوا ولا آمنوا بك. إذ إنهم قد نَبَذوا كتاب الله الذي معهم وراء ظهورهم، فكيف سيؤمنون لك؟!.
وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ:
بالصلاة في مساجدهم. لا ينبغي لك ذلك بعد أن جاءك الحق من ربك، وهو الحق الموافق لما عندهم. فهم أيضاً مأمورون في كتابهم بالتوجه إلى المسجد الحرام لإقامة الصلاة فيه، لكنهم لم يستجيبوا لذلك الحق، بل ولم يستجيبوا له بعد أن نزل القرآن يؤكد عليه!.
وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ:
إذ إن الذين أوتوا الكتاب، منهم اليهود والنصارى، الذين -هم بدورهم- يكفرون ببعضهم البعض:
﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ﴾ [البقرة ١١٣].
ويتبعون وحي الشياطين:
﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَـٰنَ﴾ [البقرة ١٠٢].
ويتخذ كل فريق منهم قبلة يجتمعون فيها، لا ليقيموا الصلاة بإقامة كتاب الله، بل ليقيموا ما اتبعوه من وحي الشياطين وطقوسهم!:
﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ [القرآن] لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ [مؤمنة مقتصدة، لكن ليست مؤمنة سابقة بالخيرات] وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ [كثير منهم كافرون]﴾ [المائدة ٦٦].
وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم:
فيما يأمرونك به من جواز الصلاة في مساجدهم، أو من مراعاتهم والتجاوز عنهم في تركهم اتباعك بالتوجه للمسجد الحرام.
مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ:
العلم المتعلق بتغيير القبلة، وهو الآية السابقة الصريحة في ذلك: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).
إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٥﴾:
فلو اتبع النبي هوى أحد من البشر فيما يخالف ما يوحى إليه من القرآن لكان من الظالمين "الكافرين".
الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ:
وهم الطائفة المؤمنة من بني إسرائيل:
﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَتۡلُونَهُ [يتلون كتابهم، كتاب موسى] حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُو۟لَـٰۤئكَ یُؤۡمِنُونَ بِهِ [بهذا القرآن] وَمَن یَكۡفُرۡ بِهِ [بالقرآن، من أهل الكتاب] فَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة ١٢١].
فالذين "آتيناهم الكتاب"، هم غير الذين "أوتوا الكتاب".
يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ:
يعرفون هذا الحق المتعلق بوجوب التوجه للمسجد الحرام واتخاذه قبلة، والهجرة إليه وإقامة الصلاة فيه تمهيداً للسيطرة عليه، وإقامة القسط في الأرض.
وهذا هو الذي يُؤمر به النبيون في أرضهم، إذ إن الله يرسلهم لإقامة القسط بين الناس:
﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ [ولأجل ذلك أمرهم بالقتال وذكر إنزال "تمكينهم من:" الحديد، لتحقيق تلك الغاية:] وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلۡغَیۡبِ [بالقتال في سبيله لأجل إقامة القسط في تلك الأرض "أرض النبيين" ولأجل تخليص المسجد الحرام من المفسدين] إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ﴾ [الحديد ٢٥].
ولا يتم ذلك إلا بوضع اليد على المسجد الحرام الذي فيه الكعبة البيت الحرام، التي هي قوام حياتهم:
﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة ٩٧].
وإليه تأتي السيارة من كل فج عميق من قرى أرض النبيين:
﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِلسَّیَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَیۡكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمࣰا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المائدة ٩٦].
وفيه كان داوود يحكم بين الناس:
﴿یَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِیفَةࣰ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَضِلُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدُ بِمَا نَسُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص ٢٦].
وكذلك محمد نبي هذا القرآن:
﴿فَلِذَ ٰلِكَ فَٱدۡعُ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبࣲ [فأمْر الله في الكتاب واحد، سواء كتاب موسى أم كتاب محمد، والمؤمنون منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، والكافرون يكتمونه]﴾ [الشورى ١٥].
ثم بعد ذلك أُمِر النبي بإخراج المشركين من الأميين من هذا المسجد الحرام:
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ فَلَا یَقۡرَبُوا۟ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَـٰذَا﴾ [التوبة ٢٨].
والذي هو قيام حياتهم، ووجود المشركين فيه يتعارض وهذه الغاية. وهو "عاصمة" أرض النبيين، والفساد فيه يتعدى ويؤثر على كل القرى والمدائن.
وأيضاً أمر بإخضاع الكافرين من الذين أوتوا الكتاب:
﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا یَدِینُونَ دِینَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ حَتَّىٰ یُعۡطُوا۟ ٱلۡجِزۡیَةَ عَن یَدࣲ وَهُمۡ صَـٰغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]. الموالين والمظاهرين للأميين المشركين.
وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ:
من أهل الكتاب.
لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾:
الحق المتعلق بالهجرة إلى المسجد الحرام واتخاذه قبلة.
الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ:
في كتابهم وكتابك.
فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴿١٤٧﴾:
بهذا الحق.
وَلِكُلٍّ:
من الذين آمنوا مع النبي، والمؤمنون سلفاً من بني إسرائيل، وهم طائفة: "الذين آتيناهم الكتاب". وما يقابلهم من اليهود والنصارى.
وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا:
فاليهود لهم وجهة "قبلة" يتجهون إليها، وكذلك النصارى، وهي أماكن في المشرق والمغرب حول المسجد الحرام، وقد سبق بيان أنهم مختلفون في القبلة، ولا يتبعون قبلة بعض.
والمؤمنون -من الأميين ومن بني إسرائيل- لهم وجهتهم الأم، وهي المسجد الحرام.
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ:
استبقوا -أيها الذين آمنوا- الخيرات بالإسراع بالامتثال لأمر الله، والتوجه والهجرة إلى المسجد الحرام.
أَيْنَ مَا تَكُونُوا:
في قرى أرض النبيين حول المدينة.
يَأْتِ بِكُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٤٨﴾:
إلى المسجد الحرام في المدينة.
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ:
من قريتك التي أُخرِجتَ منها:
﴿وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ هِیَ أَشَدُّ قُوَّةࣰ مِّن قَرۡیَتِكَ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَـٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ [محمد ١٣].
فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
توجه إليه للإقامة فيه واتخاذه قبلة.
فهذا الأمر بتغيير القبلة من المسجد القديم في قريته التي أُخرج منها إلى المسجد الحرام -قلب المدينة-، كان متزامناً مع إخراجه من قريته.
ثم توجه إلى المدينة، والتي في قلبها المسجد الحرام: ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ [قرية المسجد الحرام] وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِ﴾ [التوبة ١٢٠].
﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَـٰفِقُونَ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ [فهم أهل المدينة، وفيها منافقون، وحولهم أيضاً منافقون من الأعراب خارج المدينة] مَرَدُوا۟ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَیۡنِ ثُمَّ یُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِیمࣲ﴾ [التوبة ١٠١].
وإليها تأتي السيارة للحج والتبادل التجاري:
﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِلسَّیَّارَةِ [القادمة إليكم] وَحُرِّمَ عَلَیۡكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمࣰا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المائدة ٩٦].
كما كانت تأتيها على عهد يوسف:
﴿وَجَاۤءَتۡ سَیَّارَةࣱ فَأَرۡسَلُوا۟ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُ قَالَ یَـٰبُشۡرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمࣱ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةࣰ وَٱللَّهُ عَلِیمُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ﴾ [يوسف ١٩].
وفيها كان النسوة اللائي راوَدْن يوسف عن نفسه:
﴿وَقَالَ نِسۡوَةࣱ فِی ٱلۡمَدِینَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِیزِ تُرَ ٰوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفۡسِهِ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینࣲ﴾ [يوسف ٣٠].
والتي اسمها مصر:
﴿وَقَالَ ٱلَّذِی ٱشۡتَرَاهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِ أَكۡرِمِی مَثۡوَاهُ عَسَىٰۤ أَن یَنفَعَنَاۤ أَوۡ نَتَّخِذَهُ وَلَدࣰا﴾ [يوسف ٢١].
﴿فَلَمَّا دَخَلُوا۟ عَلَىٰ یُوسُفَ ءَاوَىٰۤ إِلَیۡهِ أَبَوَیۡهِ وَقَالَ ٱدۡخُلُوا۟ مِصۡرَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ﴾ [يوسف ٩٩].
وهي نفسها مدينة فرعون:
﴿وَنَادَىٰ فِرۡعَوۡنُ فِی قَوۡمِهِ قَالَ یَـٰقَوۡمِ أَلَیۡسَ لِی مُلۡكُ مِصۡرَ وَهَـٰذِهِ ٱلۡأَنۡهَـٰرُ تَجۡرِی مِن تَحۡتِیۤ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾ [الزخرف ٥١].
هذا مع الأخذ بعين الاعتبار عدم صحة إسقاط هذه الأسماء على ما هو موجود اليوم.
وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٩﴾:
فلا تتردد، ولا تتمارى، وتوكل على الله. ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِینِ﴾ [النمل ٧٩].
وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ:
تأكيد.
وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ:
أيها المؤمنون، في قرى أرض النبيين حول المدينة.
فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ:
وهاجروا إليه.
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ:
للأميين، ممن هم في المدينة -في المسجد الحرام- أو خارجها.
عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ:
فأنتم حنفاء على ملّة إبراهيم! أفلا تتخذون مقامه، والمسجد الذي فيه البيت -الذي رفع هو قواعده- قبلة؟!.
والناس من الأميين يعلمون هذه الحقيقة، ويحجون إلى البيت في الأشهر الحرم، لكن بالشرك، وممارسة النسيء في الشهور الحرم، والاعتداء فيها، والإفساد في الأرض، والصد عن سبيل الله، والكفر باليوم الآخر، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وجعل الملائكة بناتٍ لله، وعبادتهم واتخاذهم شفعاء لجلب منافع دنيوية أو دفع ضرر… فهؤلاء سوف يكون لهم حجة على المؤمنين المتبعين لملة إبراهيم في حال لم يتخذوا المسجد الحرام قبلة!.
ولا تنسَ أن الله أمر المؤمنين بأن يُفيضوا في الحج من حيث أفاض الناس من الأميين:
﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة ١٩٩].
لأن الناس -الأميين- يحجون البيت منذ أول يوم!، والحج والأشهر الحرم والهدي والقلائد هي أمور لا تقوم حياتهم إلا بها شاؤوا ذلك أم أبَوَا:
﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ [للأميين] وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤئدَ﴾ [المائدة ٩٧].
﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ ١ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ [رحلة الربيع، رحلة الحج من قرى أرض النبيين إلى المسجد الحرام] ٢ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٣ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ [لأنه يُجبى إليهم ثمرات و"موارد" كل شيء في الحج] وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ [لأنه فيه البيت] ٤﴾ [قريش].
إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ:
فالذين كفروا منهم يتم دحض حجتهم بالتوجه إلى المسجد الحرام واتخاذه قبلة، فلا يبقى لهم حجة، ولا خيار أمامهم بعد ذلك إلا الإيمان.
أما الذين ظلموا منهم، فهم -رغم كفرهم- يظلمون الناس ويبغون في الأرض، ويستخدمون المسجد الحرام والحج لتحقيق أمجاد ومكاسب شخصية، بالصد عن سبيل الله وإضلال واستغلال الأمم في قرى أرض النبيين. فهؤلاء -من الأساس- لا يُجدي معهم الاحتجاج!
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِیقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰا وَكَانَ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا ١٦٩﴾ [النساء].
فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٠﴾:
بإتمام الحق في الكتاب المنزل إليكم.
فها أنتم الآن توجهتم إلى المسجد الحرام، وسوف يكون هذا المسجد خالصاً للمؤمنين، وسوف يظهر دينكم على كل الدين، وسوف أُمَكّنُ لكم في أرضكم أرض النبيين. وقد تم بالفعل كل ذلك.
كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ:
بشراً مثلكم:
﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ [آل عمران ١٦٤].
يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿١٥١﴾ فَاذْكُرُونِي:
تذكروني دائماً، واعرفوا نعمتي وفضلي عليكم، بهذا الكتاب الذي أنزلته إليكم بعد أن كنتم ضالّين عنه.
أَذْكُرْكُمْ:
وأزيدكم من فضلي. ولا أنساكم كما أنسى من ينساني:
﴿ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضࣲ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَقۡبِضُونَ أَیۡدِیَهُمۡ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِیَهُمۡ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧].
وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾:
بدوام الاستجابة لما آمركم به في الآيات التي أنزلها عليكم، والبذل والتضحية في سبيل تحقيقها.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ:
بالصبر على ما أصابكم من القتل في سبيل الله.
في إشارة إلى الموقعة التي أصابهم فيها القرح -يوم التقى الجمعان- ثم صبروا وثبتوا وانتصروا.
وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾:
فالصلاة هي "التطبيق العملي" لما يأمرهم به في الآيات التي تتنزل عليهم.
وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ:
يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، يوم أن أصابتهم مصيبة كانوا قد أصابوا مثليها من قبل، ثم بعد ذلك نصر الله المؤمنين بالريح وبالجنود من الملائكة، وكفاهم إكمال القتال.
أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ ﴿١٥٤﴾:
﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَا بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ [لم يموتوا، بل انتقلوا من حياة الدنيا إلى حياة أعلى منها عند ربهم. وهم تماماً كعيسى ابن مريم الذي كفاه الله القتل على أيدي الكافرين من بني إسرائيل، ثم توفاه وفاة عادية، ورفعه إليه ليحيا حياة كحياة هؤلاء الذين قتلوا في سبيله. وكذلك إدريس الذي رفعه مكاناً علياً] ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢﴾ [آل عمران].
وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ:
القتل في سبيل الله في ذلك الموطن.
قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿١٥٦﴾:
﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ [بعودة الدائرة لهم بأن نصرهم الله] لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ [إذ قد كفاهم القتال بعد أن صبروا وبايعوا النبي تحت الشجرة، وكف الله أيدي الناس عنهم من غير جهد منهم] وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤﴾ [آل عمران].
أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾:
بالآيات الجديدة التي تتنزل عليهم، يبشرهم فيها بثوابه وبالنصر، ويخبرهم بحياة من قتل منهم عند الله.
إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ:
أماكن يعرفونها، متعلقة بالبيت والمسجد الحرام.
مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ:
فكل شيء متعلق بالحج -الذي هو قوام حياتهم- هو شعار من شعائر الله التي جعلها لهم.
فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ:
منكم أيها الذين آمنوا مع النبي.
أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا:
لا جناح عليه أن يَمُرّ عليهما. وهما كالتطواف والمرور بالبيت العتيق، إذ إن كل تلك الأماكن هي شعائر جعلها الله لهم ليذكروه -يتذكروه- كثيراً، ويعرفوا نعمته وفضله عليهم بجعل البيت قواماً لحياتهم، وليتذكروا أباهم إبراهيم الأسوة للمسلمين الحنفاء من بعده.
وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا:
بالمرور بهما وذكر الله -استشعار ومعرفة فضله- عندهما.
فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ ﴿١٥٨﴾:
وكما أخبرتك سابقاً، فإن المسجد الحرام والحج وما يتعلق به من أماكن وشعائر كالصفا والمروة، كان الناس من الأميين يعرفونها، ويحجون البيت، لكن يشركون ويصدون عن سبيل الله، ويأكلون أموال الناس بالباطل، في تحريفٍ وقلبٍ للغاية والمقصد الذي من أجله جعل الله لهم هذا البيت وهذا الحج.
إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ:
من أهل الكتاب، كتاب موسى.
مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ:
في كتابهم، والمتعلقة بالحج والمسجد الحرام، واتخاذه قبلة لإقامة الصلاة فيه.
مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ:
للأميين الضالّين عن هذه البيّنات، وهذا الهدى.
فِي الْكِتَابِ:
كتاب محمد، القرآن.
أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ ﴿١٥٩﴾:
يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون من الملائكة والمؤمنين.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾:
بينوا هذا الهدى من بعد كتمانه، وشهدوا للنبي الأمي وأيّدوه.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا:
الذين كفروا من الأميين الضالّين، كفروا بهذا القرآن المنزل إليهم.
وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّـهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ﴿١٦١﴾:
كل الناس من حولهم في ذلك الزمان، من مؤمنين وكافرين. فحتى الكافرون يلعنون بعضهم البعض:
﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨﴾ [الأحزاب].
ولاحظ أن الذين كفروا من الأميين، هم في زمرة الملعونين من الكافرين من أهل الكتاب، الذين يكتمون الآيات البينات التي عندهم في كتاب موسى كما في الآيات السابقة.
فالكافرون ملعونون سواء أكانوا أميين أم أهل الكتاب -طبعاً في تلك الحقبة من الزمان، فالقرآن بيان خاص بهم-.
خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿١٦٢﴾:
وليس أياماً معدودة كما زعم الكافرون من أهل الكتاب:
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُدۡعَوۡنَ إِلَىٰ كِتَٰبِ ٱللَّهِ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۡ وَهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّآ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖ وَغَرَّهُمۡ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢٤﴾ [آل عمران].
وَإِلَـٰهُكُمْ:
أيها المؤمنون -من الأميين وبني إسرائيل-.
إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾:
ودينه واحد:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًا إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ [مجتمعة على الإسلام] وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢﴾ [المؤمنون].
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ:
بما ينفع الأميين في أرض النبيين:
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰتِ رِزۡقࣰا لَّكُمۡ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِیَ فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرَ [وهكذا معظم القرآن يتوجه بالبيان إلى الناس من الأميين، والذين منهم قوم محمد]﴾ [إبراهيم ٣٢].
وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا:
أحيا به أرضكم أيها الأميون.
وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ:
منكم.
يَعْقِلُونَ ﴿١٦٤﴾:
فيؤمنون.
وَمِنَ النَّاسِ:
من الأميين. وهم الذين يتوجه إليهم هذا القرآن، ويخاطبهم ويصفهم ويتحدث عنهم.
مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا:
فهم مشركون، وهم أكثر الناس من الأميين:
﴿وَمَا یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ [أكثر الناس من الأميين زمان نزول القرآن لا يؤمنون بالله -إذ إنهم من الأساس لا ينكرون الله- إلا ويشركون به!]﴾ [يوسف ١٠٦].
يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا:
منهم. وهؤلاء لم يكتفوا بالكفر، بل زادوا عليه ظلم المؤمنين مع النبي.
إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا:
الذين أشركوا مع الله متبوعيهم وسادَتهم وكبراءَهم، وأطاعوهم في الحلال والحرام والكفر، وظلم الذين آمنوا مع النبي، وإخراجهم من أرضهم.
لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿١٦٧﴾
فمن يدخلها لا يخرج منها، وكذلك الجنة.
يَا أَيُّهَا النَّاسُ:
الناس من الأميين زمان محمد. والذين نزل هذا القرآن بياناً خاصاً مُتَعلِّقاً بهم.
كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا:
إذ إن الأميين لهم شركاء يحرمون عليهم الطيبات!.
وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿١٦٨﴾:
في تحريم ما أحله الله لكم:
﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠… قُل لَّاۤ أَجِدُ فِی مَاۤ أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمࣲ یَطۡعَمُهُ إِلَّاۤ أَن یَكُونَ مَیۡتَةً أَوۡ دَمࣰا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِیرࣲ فَإِنَّهُ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ بِهِ.. ١٤٥﴾ [الأنعام].
إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴿١٦٩﴾:
﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦﴾ [النحل].
فتحريمهم للطيبات هو من قولهم على الله ما لا يعلمون، وما لم ينزل به سلطاناً في كتابٍ يتلى عليهم.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ:
ما أنزل الله عليكم في هذا القرآن. وقد كنتم ضالّين عنه.
قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴿١٧٠﴾:
فآباؤهم هم أيضاً أمّيون ضالّون عن هدى الله.
لكن هذا بخلاف آبائهم الأولين الذين أرسل إليهم يوسف وموسى.
أما بعد موسى فقد فَتَرَ عنهم الرسل إلى أن أُرسِل فيهم رسول منهم -محمد- بالقرآن:
﴿أَفَلَمۡ یَدَّبَّرُوا۟ ٱلۡقَوۡلَ [القرآن] أَمۡ جَاۤءَهُم مَّا لَمۡ یَأۡتِ ءَابَاۤءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ [؟!] ٦٨ أَمۡ لَمۡ یَعۡرِفُوا۟ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُ مُنكِرُونَ [؟! بل لقد لبث فيهم عمراً من قبل أن يرسله الله إليهم، وهم يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون عقله وصدقه] ٦٩ [المؤمنون].
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا:
من هؤلاء الأميين الضالّين.
كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً:
كمثل الذي ينعق بما لا يُسْمِع -بالضم وليس بالفتح، وانظر بيانها في سلسلة أخطاء القراء- إلا دعاءً ونداءً.
فهو ينعِق بصوت لا يُفهم منه شيء!.
لا يُسْمِعُ الناسَ إلا دعاءً ونداءً!.
لا يَسمَعُ الناسُ منه إلا نعيقاً غير مفهومٍ مُرادُه منه!.
فعندما يُقال لهم: اتبعوا ما أنزل الله -من الحق في هذه الآيات البينات-، لا يكون جوابهم إلا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا!.
بالله أهذا جواب؟!.
هل الحق أحقّ أن يُتَّبع أم شعوذات الآباء؟!.
وأين الضرر في مخالفة ما عليه الآباء في حال كانوا هم أيضاً ضالّين لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟!.
وهكذا الذين كفروا بالقرآن من الأميين، مَثَلُهم إذا تكلموا، كالذي يَنعِق بصوت لا يُفهَمُ منه بيانٌ عقلانيٌّ، غير أن هناك شخصاً يُصدِر ضجيجاً!.
صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴿١٧١﴾:
فهم صم لا يسمعون، وبُكم لا يصدر عنهم بيان مفهوم، وعُميّ لا يرون الحقيقة. ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠ فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١﴾ [الملك].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ:
ولا تلتفتوا لكذب المشركين من تحريم ما أحله الله -الطيبات-:
﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ [فإن كل شيء خارج الأصناف الأربعة المحرمة هو مما ذُكر اسم الله عليه، وهو من الطيبات] وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِ﴾ [الأنعام ١١٩].
وَاشْكُرُوا لِلَّـهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧٢﴾:
بمعرفة فضله عليكم ورحمته بكم. وبرهان ذلك هو الاستجابة، وترك ما عليه قومكم من الأميين الضالين.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّـهِ:
فما كان ضمن هذه الأصناف الأربعة فهو من الخبائث المحرمة، وهو مما لم يُذكر اسم الله عليه:
﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ [وهو أي طعام يندرج تحت أحد هذه الأصناف الأربعة. والميتة هي الفاسد عكس الخالص، سواء أكان لحماً أم نباتاً] وَإِنَّهُ لَفِسۡقࣱ وَإِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئهِمۡ لِیُجَـٰدِلُوكُمۡ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١].
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٧٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ الْكِتَابِ:
وهم الذين أوتوا الكتاب من أهل الكتاب، يكتمون الحق الذي في كتابهم، والموافق للحق الذي يأتيهم به القرآن:
﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَبِئۡسَ مَا یَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧].
وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا:
ينسبون للكتاب ما ليس فيه، للتلبيس على قومهم وعلى الأميين، ولتحقيق مكاسب مادية عن طريق التقرب منهم، وموافقتهم على كفرهم، والتبرير لهم، ونسبة كل ذلك لله!.
﴿فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَـٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة ٧٩].
أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٤﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿١٧٥﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦﴾:
الذين اختلفوا في الكتاب هم الذين أوتوه وراثة:
﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةࣰ وَ ٰحِدَةࣰ [أمة واحدة على الإسلام. فاختلفوا بين الإسلام والشرك، وابتدأ ذلك بقوم نوح] فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِیِّـۧنَ مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ فِیمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ [فيما اختلفوا فيه بين الإسلام والشرك، وبين الحق والباطل] وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِیهِ [في ذلك الكتاب الذي ينزله مع النبيين] إِلَّا ٱلَّذِینَ أُوتُوهُ [من بني إسرائيل بعد موسى، إذ إنهم ورثوه وراثة، ولم يأتهم به نبي بعد موسى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ﴾ [الأعراف ١٦٩].] مِن بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُ [بينات ذلك الكتاب] بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡ [حسداً واختلافاً، ومسارعة في تحقيق المكاسب والحظوة، واستغلاله للاستعلاء في الأرض، وكتمان الحق الذي يخالف ما يذهبون إليه] فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ [مع محمد، هداهم بالقرآن] لِمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ [هداهم لما اختلف فيه الذين أوتوا الكتاب] مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِ [فعلموه وعملوا به] وَٱللَّهُ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰطࣲ مُّسۡتَقِیمٍ﴾ [البقرة ٢١٣].
لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ:
أيها الذين أوتوا الكتاب.
قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ:
إذ لكل طائفة منهم وجهة هو موليها، فبعضهم في المشرق، وبعضهم في المغرب، ولا يتبعون قبلة بعض.
وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ:
فهم يكفرون به ويجعلون له الولد:
﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ عُزَیۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلۡمَسِیحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠].
وَالْيَوْمِ الْآخِرِ:
فهم لا يؤمنون باليوم الآخر:
﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا یَدِینُونَ دِینَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ حَتَّىٰ یُعۡطُوا۟ ٱلۡجِزۡیَةَ عَن یَدࣲ وَهُمۡ صَـٰغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩].
وهم حريصون على الحياة الدنيا، ولا يرجون الدار الآخرة ولقاء الله:
﴿وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَیَوٰةࣲ وَمِنَ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ یَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ یُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةࣲ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن یُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة ٩٦].
وَالْمَلَائِكَةِ:
فهم يكفرون ببعضهم ويُعادونهم:
﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوࣰّا لِّجِبۡرِیلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَهُدࣰى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة ٩٧].
وَالْكِتَابِ:
فهم يكفرون بالقرآن كتاب محمد، على الرغم أنه مصدق لما معهم من الكتاب:
﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ ءَامِنُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ [القرآن] قَالُوا۟ نُؤۡمِنُ بِمَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا [كتاب موسى] وَیَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَاۤءَهُ [كتاب محمد] وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَهُمۡ [من كتاب موسى] قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِیَاۤءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ [فكتابكم يحرم عليكم القتل بغير حق، فكيف تقتلون الأنبياء إن كنتم حقاً تؤمنون بما أنزل إليكم كما تزعمون]﴾ [البقرة ٩١].
وَالنَّبِيِّينَ:
فهم يكفرون بمحمد النبي الأميّ:
﴿ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَیۡنَاۤ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ یَأۡتِیَنَا بِقُرۡبَانࣲ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلۡ قَدۡ جَاۤءَكُمۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِی بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِی قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾ [آل عمران ١٨٣].
وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ:
بأن يكون محباً له ومحتاجاً إليه.
ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ:
[فهم لا ينفقون مما رزقهم الله، بل ويأكلون أموال الناس بالباطل: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ﴾ [التوبة ٣٤].
﴿أَمۡ لَهُمۡ نَصِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذࣰا لَّا یُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِیرًا﴾ [النساء ٥٣].
وَأَقَامَ الصَّلَاةَ:
فهم لا يقيمونها:
﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ [القرآن] لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٦].
وَآتَى الزَّكَاةَ:
فهم لا يؤتون الزكاة:
﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَ ٰلِدَیۡنِ إِحۡسَانࣰا وَذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّیۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [البقرة ٨٣].
وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا:
فهم ينبذون العهود ولا يوفون بها:
﴿أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهۡدࣰا نَّبَذَهُ فَرِیقࣱ مِّنۡهُم بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة ١٠٠].
وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾:
والذين أوتوا الكتاب ليسوا من المتقين الأبرار في شيء!.
﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ [الأميين] بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤]
أخيراً..
هذه هي القبلة.
وهذا هو معنى الأمر بتولية الوجه شطر المسجد الحرام.
وَلَك الآن أن تُقارن بين هذا الحق الذي يتحدث عنه القرآن -والمختص حصراً بالناس الذين نزل فيهم-، وبين الطقوس والشعوذات والسّخافات التي اخترعها لك كهّان المسلمين، ونسبوها لهذا الكتاب ولذلك النبي، ثم ألزموك بها!.