من الذين يستحقون القتل والصّلب والتقطيع؟!





من الذين يستحقون 

القتل والصّلب 

والتقطيع من خلاف

؟!





هذا مقتطف من سلسلة: خصوصية البيان القرآني، الفصل المتعلق ببيان خصوصية كلمة "ناس". 

شرحت فيه آيات متعلقة بالعذاب والعقوبات، التي أمر الله النبي والذين آمنوا معه بإنزالها في الذين كفروا به وبكتابه ثم حاربوه. 

بينتُ ذلك من خلال شرح الآيات من 27-40 من سورة 5 والمسماة بسورة "المائدة"، وهي سياق متصل يبدأ بذكر نبأ ابني آدم، وينتهي بالحديث عن السارق والسارقة.

فنتج عن ذلك بيان في غاية الأهمية.

وهو كالآتي:




وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا: 

هو إنفاق من المال.


فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا: 

لأنه ابتغى بنفقته القربى عند الله: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَیَتَّخِذُ مَا یُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَ ٰ⁠تِ ٱلرَّسُولِ أَلَاۤ إِنَّهَا قُرۡبَةࣱ لَّهُمۡ سَیُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة ٩٩].


وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ: 

لأنه اتخذ ما ينفق مغرماً: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن یَتَّخِذُ مَا یُنفِقُ مَغۡرَمࣰا وَیَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَاۤئرَ عَلَیۡهِمۡ دَاۤئرَةُ ٱلسَّوۡءِ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [التوبة ٩٨]. 

أو رياءً: ﴿وَٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ رِئَاۤءَ ٱلنَّاسِ وَلَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَمَن یَكُنِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَهُ قَرِینࣰا فَسَاۤءَ قَرِینࣰا﴾ [النساء ٣٨].


قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ: 

غيظاً وحسداً. وهذا تهديد صريح مع عزم على التنفيذ.


قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴿٢٧﴾:

وقد علما بتقبُّل الله لقُرُباتهما من عدمه، من خلال قرائن وعلامات أكدت لهما ذلك. 


لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي: 

في حال طوّعت لك نفسُك التنفيذ.


مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ: 

بيانٌ صريحٌ مفاده أنه لن يبدأه بالاعتداء والقتل لدفع ما توعّده به، وفي نفس الوقت لن يظل مُتأهّباً للدفاع عن النفس، ولن يسمح للشيطان بالتدخل ليجعله يعيش حالة من الخشية أو الترقّب. بل سوف يمضي قُدُماً كأن شيئاً لم يكن!.


إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ﴿٢٨﴾: 

فلا ينبغي لي المباشرة بقتلك، حتى وإن ظهر منك العزم على قتلي -وذلك لاحتمال فتوره عن التنفيذ حتى ولو في آخر لحظة-.


إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ: 

نعم. فأنت تريد قتلي، ولا ينبغي ولا يحل لي قتلك، فأنت بذلك تريد مني العيش في دوّامة من الرعب والترقّب، لكن هيهات!. 

بل سوف أمضي غير آبهٍ بك، وبإمكانك قتلي في أي وقت، وأرجو أن يخلّصني الله من إثمي ويتوب عليّ -بهذه النّيّة-، وأرجو أن تبوء به أنت فوق إثمك.


فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ: 

لأنك أنت من بدأت كل هذا، فسحقاً لك في أصحاب النار!. 


وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٣٠﴾:

إذ إنه اختار نار جهنم. 

لكنه -حتى هذه اللحظة وما بعدها- لم يندم على فعلته!.


فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ: 

ينكت في الأرض باحثاً عن طعام أو ما شابه. 


لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ: 

ليوحي إليه بالحفر ودفن جثة -سوأة- أخيه التي أخذت تتحلل وتتعفن.


قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي:

يتحسر على ضعف عقله، عندما لم يعرف كيف يعالج أمر الجثة، مقارنة بالغراب الذي لا يملك ما يملك هو من قدرة على نفس فعل الحفر وإثارة الأرض.


فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ ﴿٣١﴾: 

ندم على كل شيء فعله، بداية من قتله لأخيه، وانتهاء بتبعات ذلك القتل من اضطراره لتحمل انكشاف سوْأة أخية مدة من الزمن، دون أن يعلم أن معالجة تلك السّوْأة -الجثة- هي أمر في غاية البساطة -الدفن-. 


مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ: 

بسبب قتلهم لموسى وهارون، الرجلان المؤمنان الوحيدان، بعد أن كفروا وارتدوا عن دخول القرية، وهو السياق السابق لقصة ابني آدم هذه. 

وهناك دراسة مستقلة تحدد من هم الأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل.


كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ:

في التوراة بعد موسى.


أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ: 

القصاص، وهو القتل بالحق بين المؤمنين. 

أما موسى وهارون قُتلا بغير حق: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ… [المائدة ٤٥].


أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ: 

كقتل موسى وهارون، الرجلين المؤمنين الوحيدين بين قوم فاسقين. 


فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا: 

لأنه ما الفائدة من بقاء المفسدين بعد قتل المؤمنين المصلحين؟!


وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا:

بالمقابل فإن من أحيا النفس المؤمنة المعرضة للقتل، فكأنما أحيا كل المؤمنين المصلحين، إذ ما الفائدة من حياة الفاسقين المفسدين؟!


وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ:

هذه البينات التي جاءت بني إسرائيل هي نفسها البينات والكتاب الذي ينزله الله مع الرسل في القرون الأولى قبل موسى الذي كان كتابه مُستَحفظاً عند هؤلاء. 

وما كتبه عليهم بخصوص القتل المذكور آنفاً، هو في الحقيقة ما كتبه على كل الأقوام الذين أرسلت إليهم الرسل في قرى أرض النبيين قبل موسى. 

وإنما تم ربط نتيجة قصة ابني آدم ببني إسرائيل بسبب قتلهم لأنبيائهم موسى وهارون، وتمهيداً لما سيتم ذكره في الآية التالية من جزاء الذين يحاربون الله ورسوله من المجرمين من بني إسرائيل أو الأميين في زمان محمد.


ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ ﴿٣٢﴾:

التزموا الإسراف والكفر! بدلاً من أن يكونوا -في مجملهم- أئمة في التقوى والصلاح للناس -الأميين الذين ليس عندهم كتاب- في تلك الأرض من بعد موسى.


إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ: 

وهنا ينتقل الحديث إلى وصف الذين كفروا بنبي القرآن وحاربوه. 


وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا: 

أرضهم تلك، أرض النبيين. 


أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ: 

الصلب أيضاً قتل، لكنه قتل بطيء: ﴿وَأَمَّا ٱلۡـَٔاخَرُ فَیُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّیۡرُ مِن رَّأۡسِهِ قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِی فِیهِ تَسۡتَفۡتِیَانِ﴾ [يوسف ٤١].


أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ: 

تنكيلاً بهم ليصبحوا عاجزين.


أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ: 

فيُستَراح منهم.


ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٣٣﴾: 

وهذه كلها عقوبات صارمة يتم إنزالها بالذين يحاربون الله -بمضادّة مِلّته في كتابه- ورسوله -بقتاله ومظاهرة أعدائه عليه-. 

ولا يشترط -بالضرورة- انطباقها على كل البشر بعد حقبة الرسول الخاتم، إذ أين الرسول المُرسَل من الله -والمؤيَّد بالكتاب والآيات البينات- الذي يستحق من يُحاربُه هذا النَّكَال؟! 

وهل كل من زعم الصلاح، وأخذ ينتسب لملّة الله، ورأى البدء بحرب الناس، وأخذ ينزل هذه الآيات عليهم، هو حقاً كما زعم؟! 

أفلا يكون مرسلاً من الله -في البداية- حتى يحل له إنزال ذلك الوعيد، المختص بالّذين يحاربون الله ورسوله النبي الأمي، الذي هو خاتم سلسلة المرسلين في أرض النبيين؟! 

ولو صح ذلك، وزعم -فَرَضاً- أنه رسول جديد شاء الله إرساله في سلسلة جديدة من النبيين والمرسلين؛ فأين إذاً الكتاب والميزان الذي ينزله الله على رُسله، والذي يُفتَرض أن ينزله عليه بياناً جديداً مُتَوجِّهاً إلى قومه الذين أرسل فيهم، والذي ينبغي أن يصدّق ما بين يديه من هذا القرآن، وأن يتوجه -ككل الكتب- ببيان مُفَصَّل إلى هؤلاء القوم يفهمونه فهماً تاماً بنسبة 100%، ويأتي فيه -بالضرورة- تفصيل هذه العقوبات وهذا العذاب، لمن سوف يحاربه بوصفه رسول الله إليهم، والمؤيد بالكتاب وبالآيات البينات، والموعود بالنصر والتمكين، كوعد كل الرسل السابقين في أرض النبيين!.


إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٣٤﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ:

ابتغوا الوسيلة إلى الله بالاستجابة عموماً لما يأمركم به في هذا الكتاب. 


 وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴿٣٥﴾ 

جاهدوا في سبيله بقتال هؤلاء الذين كفروا ويحاربون الله ورسوله، ويصدون عن سبيله.


إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ: 

الذين كفروا -من الأميين- بهذا الرسول وبالقرآن المنزل إليه، ثم حاربوه.

وهم المُشار إليهم بالذين يحاربون الله ورسوله في الآيات السابقة التي تبين جزاءهم من قتل وصلب وتقطيع من خلاف. 


لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُ مَعَهُ لِيَفۡتَدُواْ بِهِ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴿٣٦﴾: 

فكما بيّن حالهم في هذه الدنيا، وبيّن للنبي والذين آمنوا معه كيف يعاملونهم ويعاقبونهم ويعذبونهم؛ فهو الآن يُبيّن مآلهم وعاقبة كفرهم يوم القيامة، من استحالة خروجهم من العذاب!.

يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَا وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ﴿٣٧﴾


وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ:

وهما اللذان سرقا ولو لمرة، فحينئذ يصح أن يُطلق عليهما سارق وسارقة: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَایَةَ فِی رَحۡلِ أَخِیهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَیَّتُهَا ٱلۡعِیرُ إِنَّكُمۡ لَسَـٰرِقُونَ﴾ [يوسف ٧٠].

فهم وُصفوا بالسارقين لمجرد سرقة شيء واحد ولمرّة واحدة. وبالطبع فإخوة يوسف لم يسرقوا، لكن تنطبق عليهم التسمية في حال قاموا بمجرد السرقة ولو لمرة واحدة.


فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا: 

اقطعوا العلائق التي يسرقان من خلالها، أو المكانة والمنزلة التي تُمكّنهما من السرقة، أو كل شيء من خلاله وبوساطته يقومان بتنفيذها.

وهذا هو معنى الأيدي في هذه الآية، بخلاف الأيدي والأرجل في الآية السابقة التي تتحدث عن الذين يحاربون الله ورسوله، فهي تقصد أعضاء الجسد الظاهرة، بقطعها قطعاً، وفصلها عن البدن. 


أمّا هنا في حالة السارق والسارقة فهي تأخذ معنى الوسائل المؤدية إلى السرقة، تماماً كالآية: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا﴾ [الإسراء ٢٩]. 

التي تعني البخل المقابل للإسراف، ولا تعني مجرد القبض أو البسط لكف اليد. 

أو الآية: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ یَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌ غُلَّتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ۘ بَلۡ یَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ یُنفِقُ كَیۡفَ یَشَاۤءُ﴾ [المائدة ٦٤]. 

والتي تبين وصفهم له بالبخل، وليس قبض الكف أو بسطها. وإلا فإنه عندما يرزقك ما يرزقك من النعم، فإنه لا يقدم لك ذلك الرزق بيديه، وإنما يمكنك منه من طرُقه والأسباب المؤدية إليه، وهذه هي أيدي السارق والسارقة التي يأمر بقطعها، كي لا يتمكنا من تكرار فعلتهما. 


وإلا فإن الله كتب في التوراة -وفي كل كتبه- القصاص بالمماثلة، وليس بالجور والتعدي، كقطع اليد التي تبطش -اليد الحقيقية التي تقابل الرِّجل- لقيامها بسرقة شيء ما، قلّت قيمته أو كثرت!، فهل هناك شيء يمكن أن يرقى في القيمة ليصل إلى اليد؟!.

عداك عن "قطعها" لمجرد السرقة أياً كانت قيمة الشيء المسروق! 


﴿وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةࣱ لَّهُ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ [فما بالك بالافتراء عليه بزعم قطع اليد قطعاً، وفصلها عن البدن والتخلص منها، كالذي يقول به كهان المسلمين في شعوذاتهم المسطرة في كتبهم] فَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥].

بل لا تقطع قطعاً إلا عند المماثلة في قصاص الجروح -في حال لم يتصدق المظلوم بالعفو-. 


فهل يأمر الله بشيء -العدل في القصاص- ثم يأمر بنقيضه -قطع الأيدي قطعاً حقيقياً بحجة السرقة-؟!. 

عداك عن الآيات الكثيرة التي تأمر بالعدل والمماثلة: ﴿ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَـٰتُ قِصَاصࣱ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱعۡتَدُوا۟ عَلَیۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة ١٩٤]


فالمعاني القرآنية متعددة حتى وإن كانت الكلمة ثابتة، والقرآن يبرهن على ذلك في كل آية منه من أوله إلى آخره، والحَكَم في ذلك هو السياق أولاً، والطبيعة المطّردة لأمر الله ونهيه ووصاياه ثانياً، وأساليب القرآن البيانية ثالثاً. 

فمن خلال كل ذلك يمكنك الجزم بالمعنى المراد، ومعرفة -مثلاً- أن النسوة اللاتي قطّعن أيديهن قمن بتجريحهن جروحاً متعددة، بسبب غفلتهن عن موضع الضرب بالسكاكين عندما خرج يوسف عليهن. 


وأعطيك مثالاً أخيراً هو: 

﴿ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ [أي من أَمامهم، وليس من بين أيديهم بالمعنى الحرفي] وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ [الاتجاه الخلفي هو عكس الاتجاه الأمامي] وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤئلِهِمۡ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ﴾ [الأعراف ١٧]. 

فكلمة "من بين أيديهم" معناها: من أمامهم، كمثل: ﴿بَلۡ یُرِیدُ ٱلۡإِنسَـٰنُ لِیَفۡجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة ٥]. 


وهي أساليب قرآنية بيانية بلغت أقصى درجات الإتقان والكمال، وليست -كما يزعم الكثيرون ممن يقرأون هذا الكتاب- اختلافات وتبايناً في المعنى!. 

بل هي مجرد أساليب بيانية يلتزمها هذا الكتاب، وبإمكانك تعلُّمها منه وتقليده في استعمالها، لكن لا يمكنك تنزيل تصوّراتك -المُستَوردة سلفاً- عليه. 


ملاحظة: 

الذي كتبه عليهم في التوراة من القصاص هو حكم الله ودينه الذي لا يتبدل، وإنما مراد ذلك هو تبكيتهم لزعمهم أنهم لم يؤمروا بتحكيم النبي الأمي، فتأتي الآية لتأمرهم إذاً بالتحاكم لما عندهم إن كانوا صادقين!.

وهل ما عندهم إلا ما سوف يحكم به النبي الأمي فيما أراه الله في هذا القرآن؟!. 

فلماذا إذاً لا يُسَلّمون له تسليماً؟!. 

وهذا هو مراد الآية: (وكتبنا عليهم فيها..).


جَزَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّه: 

فقطع أيديهما -علائقهما وأسبابهما التي تمكنهما من السرقة- يكون جزاءً وِفاقاً لهذه السرقة التي يقومان بها، حتى وإن أدّى ذلك القطعُ إلى التأثير سلباً على مُقَدَّراتهما وأرزاقهما، فإن ذلك يكون نكالاً من الله عليهما.

وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ﴿٣٨﴾ 


فَمَن تَابَ: 

منهما -السارق والسارقة- عن السرقة.


مِن بَعۡدِ ظُلۡمِهِ وَأَصۡلَحَ: 

من بعد قيامه بالسرقة.


فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِ:

بإعادة أيديه -علائقه ومُقَدَّراته- التي قُطِعت عنه. 

وإلا فلو صحت مزاعم كهان المسلمين، في قطع يده بفصلها عن بدنه وحرمانه منها، فإن توبة الله عليه تكون قد تحققت -تلقائياً- بمجرد ذلك القطع، ولا حاجة لأن يُنتَظَر منه التوبة والعمل الصالح!.

لكن الحقيقة هي أنه يتوب عن السرقة، ويشهد له بذلك عملُه الصالح، فيتوب الله عليه حينها، ويتم التراجع عن ما قُطِع عنه من أيديه. 

وهذا هو مراد الآيات.

إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ﴿٣٩﴾


أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ:

بل قد علم ذلك من آية سابقة نزلت عليه: 

﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [الفتح ١٤].

والمراد هنا هو بيان عفو الله وتوبته عن السارقين بعد توبتهم وإصلاحهم.

ملاحظة:

لو قطعت أيدي السارق والسارقة بالطريقة التي يفتريها كهان المسلمين لما صدر عنهما توبة وإصلاح، بل قد يعاود السارق العمل والتخطيط لمزيد من السرقة بالاستعانة بغيره حتى وإن قطعت كلتا يديه!.

فسحقاً لكهان المسلمين ودينهم وشعوذاتهم.

وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴿٤٠﴾