غَلَبت الروم!!
(غَلَبَت الروم)
وليس
غُلِبَت!!
ملاحظة..
جميع الكلمات التي بين معترضتين "--" والمظللة بالأصفر، هي إفك من اختراع كهان المسلمين، ويشمل ذلك ما تحمله تلك الكلمات من نتائج وإِلزامات!.
حصل جدال بين راهب " ر" وبين تلميذ ذكي من تلاميذه "ت"، في إحدى طقوس ما يسمى بِ "حلقات تحفيظ القرآن"!، وذلك على النحو الآتي:-
[ر]: غداً "إن شاء الله" عندنا "تسميع" سورة الروم، فقوموا "بمراجعتها" جيداً.
[ت]: بالمناسبة يا "شيخي".. كلما "أراجع" هذه السورة أشعر أن هناك شيئا خاطئاً.. هناك شيء.. بل أشياءُ غامضةٌ كثيرةٌ تحيط بهذه السورة..!!
[ر]: هذا طبيعي يا ولدي، فإنك لا زلت في بداية طريق "طلب العلم"، وأمامك المئات من المجلدات في "التفسير" و"الحديث" و"اللغة"..، لم تدرسها بعد..
يا ولدي: أنت لا زلت في بداية "الطريق".. فلماذا تستعجل ؟!.
[ت]: ربما.. لكن غدا سأخبرك بما يجول في خاطري، علّك تتمكن من إجابتي على تساؤلاتي.
يعود التلميذ لمنزله وينهمك في "مراجعة" سورة الروم..
لكنه الآن -وللمفارقة- لا يستطيع التركيز!.
لقد قام من قبل بِ "مراجعة" هذه السورة عشرات المرات، وهو "يحفظها" عن ظهر قلب، كيف لا.. وهو الأول في "مسابقات" ما يسمى بِ "تحفيظ القرآن الكريم"..
الآن.. هو لا يستطيع التركيز على "الحفظ"، لأن قلبه يتجول في حقل آخر، مختلف تماماً عما كان عليه سابقاً..
في اليوم التالي:
[ر]: أهلا بكم يا "طلاب العلم".. أنتم ذُخر هذه "الأمة"..
فلتبدأ أنت -يا فلان-..، البارحة كان عندك بعض الأسئلة، وأنا قمت بمراجعة "أمهات" كتب "التفسير" وسوف أجيبك على أي سؤال "إن شاء الله".
[ت]: أخشى أن أخيّب ظنك يا "شيخي".. الموضوع مختلف تماماً عن الذي تشير إليه.
[ر]: يا ولدي "هداك الله" أنت لا زلت في بداية مشوارك، لا تستعجل فإن "العجلة من الشيطان".. توكل على الله.. قم بالقراءة..
[ت]: بسم الله الرحمن الرحيم..
ألف لاااااام مييييييم ، (غَلَبت) الروم.
[ر]: ماذا بك يا ولدي!! غُلِبت الروم.. بالضمة وليس بالفتحة، ماذا بك.. ألم تكن تقرأها جيدا، لقد "قرأتَها عليّ" كثيراً من قبل، ما الذي حصل لك؟!.
[ت]: يا "شيخي".. ألم أقل لك، إنك لن تستطيع معي صبراً؟!، دعني أُكمل، فسوف تفهم مقصدي.
[ر]: يا وَيلي عليك..حسناً.. حسناً، أكمل..أكمل .
[ت]: ﴿الٓمٓ ١ غَلَبَتِ ٱلرُّومُ ٢ فِيٓ أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ وَهُم مِّنۢ بَعۡدِ غَلَبِهِمۡ سَيُغلَبُونَ ٣ فِي بِضۡعِ سِنِينَ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ مِن قَبۡلُ وَمِنۢ بَعۡدُ وَيَوۡمَئِذٖ يَفۡرَحُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٤ بِنَصۡرِ ٱللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٥ وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا يُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٦﴾. «الروم 1 - 6»
سؤالي لك يا شيخي: ما هو نصر الله هنا في هذه الآيات ؟؟؟
[ر]: يا ولدي قلت لك أنني راجعت البارحة كتب "التفسير" وأنا أعرف الجواب.. "الطريق" طويل أمامك يا ولدي..
نصر الله هو انتصار الروم على "الفرس".
[ت]: هل تقصد أن الرومَ مؤمنون؟!
[ر]: لا يا ولدي لا.. أنت لا زلت غِرّاً!. الروم ليسوا مؤمنين فهم يعبدون المسيح عيسى ابن مريم.. ألم أقل لك أنت في بداية الطلب..!
هناك "سبب نزول" لهذه الآيات، وهو انتصار الفرس على الروم، والحزن الذي أصاب "الصحابة" على ذلك، لأن الروم من أهل الكتاب و"الفرس" مجوس "يعبدون النار"، فنزلت الآيات تبشر المؤمنين بعودة الغلبة والانتصار للروم على "الفرس"، وعند ذلك يفرح المؤمنون بنصر الله.!!
[ت]: أنا حقاً أحفظ هذه الاسطوانة عن ظهر قلب!، فقد اطلعت عليها من قبل، لكنني لا أؤمن بها.
(إذا جاء نصر الله والفتح) ما المقصود بنصر الله هنا يا "شيخي"؟؟
[ر]: "لا حول ولا قوة إلا بالله"، يا حسرتي عليك يا ولدي، نصر الله هو نصره للمؤمنين وحصول الفتح، ألم تقرأ الآية (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً)؟؟
[ت]: أحسنت يا "شيخي"، فنصر الله هو نصره للمؤمنين.. لكن ما هو وعد الله المذكور في الآيات:
﴿وَعۡدَ ٱللَّهِ لَا یُخۡلِفُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [الروم ٦]
[ر]: انتظر قليلا..
سأُخرج لك كتاب "تفسير فلان" فهو يعتبر "أعظم" كتب "التفسير"..
انتظر قليلا حتى نعلم ما هو (وعد الله)..
"ت": توقف.. لا تتعب نفسك.. فقد تمكنتُ من معرفة ما هو (وعد الله)!.
لقد سألتُ القرآن نفسَه، فأجابني ما هو (وعد الله)!.
[ر]: كيف ذلك! أخبرني..
[ت]: وعْد الله هو:
﴿فَرَدَدۡنَـٰهُ إِلَىٰۤ أُمِّهِ كَیۡ تَقَرَّ عَیۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَ وَلِتَعۡلَمَ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [القصص ١٣]
﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقࣱّ وَلَا یَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِینَ لَا یُوقِنُونَ﴾ [الروم ٦٠]
وبالنسبة لِ (وعد الله) للمؤمنين فيما يتعلق بالصدام بينهم وبين الكافرين فهو النصر والاستخلاف والتمكين!
﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مِنكُمۡ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ لَیَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِی ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَیُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنࣰا یَعۡبُدُونَنِی لَا یُشۡرِكُونَ بِی شَیۡـࣰٔا وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَ ٰلِكَ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [النور ٥٥]
﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیَوۡمَ یَقُومُ ٱلۡأَشۡهَـٰدُ﴾ [غافر٥١]
﴿حَتَّىٰۤ إِذَا ٱسۡتَیۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [يوسف]
والآيات في ذلك كثيرة.
[ر]: هل تقصد أن نصر الله هو انتصار المؤمنين على الروم؟!!
هل تقصد أن الروم (غَلَبت) المؤمنين؟!، ثم يخبر الله أنهم بعد ذلك (سَيُغلَبون) بأيدي المؤمنين؟!
هل تقصد أن الصراع كان بين المؤمنين وبين الروم، ولا علاقة "للفرس" بذلك لا من قريب ولا من بعيد؟؟!!.
[ت]: بالطبع.. وبدون شك.. وهذا ما يقوله القرآن!.
[ر]: لكن.. لكن.. لكن..
[ت]: يا شيخي.. ألم تسأل نفسك يوماً وأنت تقرأ هذه الآيات، عن كلمة (غَلَبِهم)، أليس من المفترض أن تكون (غُلْبِهم) -بضم الغين وتسكين اللام-، في حال كانوا هم الذين غُلِبوا على أيدي غيرهم؟!!
[ر]: لا.. لم أسأل نفسي ذلك من قبل! لكن كلامك منطقي..!.
هل يُعقل أن يكون أحد من
"القراء العشرة" قرأها هكذا؟.
[ت]: لا.. لا يوجد من قرأها منهم هكذا، فقد بحثت في ذلك..
وهل يعلم "القراء" شيئاً عن قرآنهم.. يا "شيخي"؟!!.
[ر]: يا ولدي هذا كلام كبير جداً..!
هل يُعقل أن "الأمة" لا تفقه شيئاً من كتاب الله؟!!.
هل تأتي أنت في "آخر الزمان" لتعلّمنا كيف نقرأ القرآن، وكيف نفهمه؟!!.
[ت]: بل الموضوع أكبر من ذلك بكثير يا "شيخي"..!
ماذا لو كانت أُمّتُك هذه قد أفاقت في يوم من الأيام، فوجدت بين أيديها كتاباً لا تعلم عنه أي شيء، فقامت بنسج الخزعبلات والأوهام حول هذا الكتاب، وقام كبراؤهم بالتعاون مع (الرهبان)، بالإتيان بتاريخ -لا يُعلم صحته من عدمها- قاموا بإلصاق هذا التاريخ بالقرآن، بما يحمله هذا التاريخ من أشخاص، وأماكن، وأحداث، ومعارك..
ألا ترى فجوة هائلة في جدار العقل والمنطق، تستمر بالاتساع أكثر فأكثر، كلما قرأت القرآن بتجرد عن التاريخ والكتب؟!
هل من الممكن يا "شيخي" أن تكون هذه "الأمة" يُمزق بعضُها بعضاً، ويقتل بعضها بعضاً، إيمانا منها بتاريخ ووقائع لا تمت للحقيقة ولا لكتاب الله بأي صلة؟!!
هل من الممكن يا "شيخي" أن هذه "الأمة" تمزق نفسها على أساس الإيمان بشخصيات تاريخية يُوالونها أو يُعادونها تم إلصاقها كذباً بالقرآن وبحقبة (مُّحَمَّدࣱ رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ مَعَهُ)؟!!.
بالمناسبة يا شيخي.. لمَ يذكر القرآن (الروم) ولا يذكر ما تسميه أنت بِ "الفرس"؟!!.
أليس من غير المعقول يا شيخي أن ينساق القرآن وراء أسماء سماها الناس في عصر من العصور الغابرة، فيُثبتها لأُناس يأتون بعدهم بمئات السنين؟!!.
[ر]: اسكت فأنت تهذي..
رأسي يؤلمني من هذيانك..
لا أعلم ما الذي مسّك..
كنتَ تلميذا صالحاً..
لكنك الآن "تطعن" بِ "الأمة" و"علمائها" و"الأئمة"..
أيها التلاميذ.. انصرفوا.. فقد انتهت الحصة!.
ينصرف التلاميذ إلى بيوتهم متعجبين مما سمعوا..
ينظر الراهب إلى تلميذه نظرة مِلْؤها الحزن والشفقة..
يُسِرُّ إليه بكلمة حازمة..
أخشى عليك الكفر يا ولدي!
فيجيبه التلميذ بابتسامة تملأ وجهه:
(فَمَن یَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَیُؤۡمِن بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ) [البقرة ٢٥٦]