جمل اعتراضية. 3




جُمَل

 "اعتراضية"

المجموعة الثالثة 










من أساليب القرآن البيانية:

"التقديم والتأخير" في عبارات بعينها!، أو إيراد "جُمَل معترضة" تتخلل السياقات المترابطة وتقطعها!.


القارئ يجد استشكالاً كبيراً في الفهم، ولن يعلم المقصود والمُراد إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!


وباختصار .. فإن القرآن من أوله إلى آخره، يورد في أثناء البيان، جُملاً متقدمة أو متأخرة عن أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق، ويورد أيضاً عبارات خارجة عن السياقات تتخللها بشكل "معترض"!.



هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعاً "إيقاعياً" جذاباً -إن صح التعبير-!.


وله أيضاً أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه البياني الذي تنتهجه المجموعة المتكلمة في القرآن كله، والذين لا يتكلمون إلا بصيغة الجمع! 

قم بقراءة الدراسة التي بعنوان:

المجموعة المتكلمة في القرآن.


وأساليب أخرى مثل ربط الماضي بالحاضر، للدلالة على وحدة الأمة والملّة ودعوة كل النبيين، كربط قصص إبراهيم بالأميين، أو بالذين آمنوا.


أيضاً ربط عذاب أهل القرى بعذاب قرية النبي الخاتم، بوضع سياقات "معترضة" تتحدث عن ذلك، داخل سياقات تتكلم عن غيرهم، أو ربط عذاب الهلاك في الدنيا بعذاب الآخرة.


أو ربط ماضي بني إسرائيل مع موسى، بحاضرهم زمان محمد. وهو الزمان الذي يختص القرآن كله بتوجيه البيان لأهله من "العالمين" دون من جاء بعدهم، أو بعد موت ذلك النبي الأمي؛ إذ إنه كتاب شديد الخصوصية، لا يتوجه بالبيان إلا إليهم، وهو لمن بعدهم "بقيّة" من الله، وليس كتاباً مُصاغاً ليتوجه إليهم!.



كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.


الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.


عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا "الفن"!


قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مراراً وتكراراً، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها.







المثال الحادي والعشرون:


﴿مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲ لَّا یَقۡدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا۟ عَلَىٰ شَیۡءࣲ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلۡبَعِیدُ﴾ [إبراهيم ١٨].


العبارة المظللة متقدمة عن مكانها، وعند تأخيرها إلى ما بعد العبارة التي تليها تصبح كالآتي:


﴿مَّثَلُ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ كَرَمَادٍ ٱشۡتَدَّتۡ بِهِ ٱلرِّیحُ فِی یَوۡمٍ عَاصِفࣲ لَّا یَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَیۡءࣲ مِمَّا كَسَبُوا۟ ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلضَّلَـٰلُ ٱلۡبَعِیدُ﴾.


لا يقدرون على جمع شيء من أعمالهم التي كسبوها، بعد أن اشتدت بها الريح في يوم عاصف فنثرتها في كل اتجاه.

وأعمالهم -من الأساس- هي رماد وليست بشيء!.


ويؤيد ذلك آيةٌ أخرى أوردت السياق مرتباً، وهي:


﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تُبۡطِلُوا۟ صَدَقَـٰتِكُم بِٱلۡمَنِّ وَٱلۡأَذَىٰ كَٱلَّذِی یُنفِقُ مَالَهُ رِئَاۤءَ ٱلنَّاسِ وَلَا یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفۡوَانٍ عَلَیۡهِ تُرَابࣱ فَأَصَابَهُ وَابِلࣱ فَتَرَكَهُ صَلۡدࣰا لَّا یَقۡدِرُونَ عَلَىٰ شَیۡءࣲ مِّمَّا كَسَبُوا۟ وَٱللَّهُ لَا یَهۡدِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَـٰفِرِینَ﴾ [البقرة ٢٦٤].






المثال الثاني والعشرون:


﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠ فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢ وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ ١٤ وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧﴾ [القمر].


العبارة المظللة متأخرة عن مكانها الذي تعطي فيه المعنى المُراد لها، وعند إرجاعها تصبح كالآتي:


﴿كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ فَكَذَّبُواْ عَبۡدَنَا وَقَالُواْ مَجۡنُونٞ وَٱزۡدُجِرَ ٩ فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغۡلُوبٞ فَٱنتَصِرۡ ١٠ فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢ جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا ١٤ وَلَقَد تَّرَكۡنَٰهَآ ءَايَةٗ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٥ فَكَيۡفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ ١٦ وَلَقَدۡ يَسَّرۡنَا ٱلۡقُرۡءَانَ لِلذِّكۡرِ فَهَلۡ مِن مُّدَّكِرٖ ١٧﴾.


فهذا العذاب: 

(فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢).

هو: 

(جَزَآءٗ لِّمَن كَانَ كُفِرَ).


أما بالنسبة لنوح والذين معه، فقد تم تنجيتهم عن طريق:

(وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُرٖ ١٣ تَجۡرِي بِأَعۡيُنِنَا).






المثال الثالث والعشرون:


﴿قُل لَّاۤ أَجِدُ فِی مَاۤ أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمࣲ یَطۡعَمُهُ إِلَّاۤ أَن یَكُونَ مَیۡتَةً أَوۡ دَمࣰا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِیرࣲ فَإِنَّهُ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَیۡرَ بَاغࣲ وَلَا عَادࣲ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الأنعام ١٤٥]


الآية تعدد المحرم من الطعام وهي أربعة:

الأول: الميتة.

الثاني: الدم.

الثالث: لحم الخنزير.

الرابع: فسقٌ أهل لغير الله به.


أما العبارة المظللة فهي "جملة معترضة" تصف الأنواع الثلاثة الأولى بأنها "رجس"!.

لتكمل الآية التعداد بالصنف الرابع، وهو ما أُهل لغير الله به، وتصفه بأنه "فسق"!.






المثال الرابع والعشرون:


﴿هُوَ ٱلَّذِیۤ أَنزَلَ عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ مِنۡهُ ءَایَـٰتࣱ مُّحۡكَمَـٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَـٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَـٰبِهَـٰتࣱ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ فِی قُلُوبِهِمۡ زَیۡغࣱ فَیَتَّبِعُونَ مَا تَشَـٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَاۤءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَاۤءَ تَأۡوِیلِهِ وَمَا یَعۡلَمُ تَأۡوِیلَهُ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّ ٰ⁠سِخُونَ فِی ٱلۡعِلۡمِ یَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلࣱّ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا وَمَا یَذَّكَّرُ إِلَّاۤ أُو۟لُوا۟ ٱلۡأَلۡبَـٰبِ﴾ [آل عمران ٧].


العبارة المظللة هي "جملة معترضة"، قطعت السياق لإضافة معلومة جديدة مَفادُها: لا يعلم تأويل الكتاب إلا الله!.


التأويل الذي لا يعلمه إلا الله هو موعد تحقق الوعود التي يخبر عنها، مثل موعد مجيء الساعة، أو موعد تحقق ما يتوعدهم إياه من عذاب الهلاك، الذي يستعجلونه ويستهزئون به.


فتأويل القرآن لا يعلمه إلا الله، والنبي لا يملك شيئاً من علم هذا التأويل، فهو لا يعلم متى الساعة، ولا يعلم متى يُنزل الله بهم عذاب الهلاك الذي يتوعدهم به في عشرات الآيات، بل ولا يعلم ما يُفعل به ولا بهم، هل يتوفاه الله قبل أن يُمكّن له وقبل أن يفتح بينه وبينهم، أم هل يؤخره حتى يرى النصر والفتح.


وقد جاءهم بالفعل تأويل وعد الهلاك، وتم إهلاكهم كما تم إهلاك أقوام الرسل من قبلهم، واقرأ في ذلك دراسة بعنوان: هلاك قوم محمد.

وسوف يأتيهم تأويل وعد الساعة، وسوف يكون مجيؤها عليهم بغتة، ولن يكون اعتبارٌ للزمن بين موتهم أو إهلاكهم، وبين مجيء الساعة عليهم، فتكون قد جاءتهم بغتة.


الكافرون الذين في قلوبهم زيغ، يتبعون ما تشابه منه من الآيات التي تتحدث عن أمور متعلقة بالغيب، لا يعلم النبي متى تتحقق، ثم يتعلقون بهذه الآيات المتشابهات، ويستمرون بالسؤال عن تأويلها -موعد تحققها-، ويستهزئون ويكذبون: (مَتَىٰ هَـٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾.


وليس المقصود من ذلك أنها آيات لا يعلم معناها أو مُرادها إلا الله!، وإلا فما الفائدة من إنزالها عليهم؟!

بل هذا من الأمور التي يظنها الدين الوضعي، فهو لا يعلم شيئاً عن هذا الكتاب، ويجهل كل معانيه.

بل إن القرآن -كغيره من الكتب التي سبقته- بيان خاص يتوجه إلى قوم محمد وأهل زمانه، وهم يعلمون مراده ومعاني آياته، ويفهمونه فهماً تامّاً 100% مؤمنهم وكافرهم. 


والتأويل له معان متعددة، وهو هنا ما أخبرتك به من أنه موعد تحقق الوعود التي تتكلم عنها آيات القرآن، والبراهين على ذلك بالعشرات، وخذ بعضاً منها:


﴿هَلۡ یَنظُرُونَ إِلَّاۤ أَن یَأۡتِیَهُمُ ٱللَّهُ فِی ظُلَلࣲ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَقُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ﴾ [البقرة ٢١٠]

فعندما يأتيهم الله في ظلل من الغمام، يكون قد جاء تأويل الآيات التي تتحدث عن الساعة.


﴿وَلَقَدۡ جِئۡنَٰهُم بِكِتَٰبٖ فَصَّلۡنَٰهُ عَلَىٰ عِلۡمٍ هُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٥٢ هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأۡوِيلَهُ [تأويل هذا الكتاب الذي فصلناه على علم] يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُ [تحقق ما يتوعدهم به من العذاب] يَقُولُ ٱلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبۡلُ [الكافرون] قَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُ رَبِّنَا بِٱلۡحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشۡفَعُواْ لَنَآ أَوۡ نُرَدُّ فَنَعۡمَلَ غَيۡرَ ٱلَّذِي كُنَّا نَعۡمَلُ قَدۡ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٥٣﴾ [الأعراف].

وتأويل هذا الكتاب هو تحقق عذاب الهلاك عليهم، ثم عذابهم بعد موتهم، ثم عذابهم يوم تقوم الساعة.


﴿ٱسۡتِكۡبَارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَكۡرَ ٱلسَّيِّيِٕ وَلَا يَحِيقُ ٱلۡمَكۡرُ ٱلسَّيِّئُ إِلَّا بِأَهۡلِهِ فَهَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ ٱلۡأَوَّلِينَ [عذاب الهلاك. وهو من تأويل هذا الكتاب، فإذا نزل بهم وقع تأويلُه] فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ ٱللَّهِ تَحۡوِيلًا ٤٣ أَوَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ [تم إهلاكهم. وهو تأويل الكتاب الذي جاءهم به رُسلهم] وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنۡهُمۡ قُوَّةٗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا ٤٤﴾ [فاطر].


﴿أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨ بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُ [لمّا يأتهم تأويله بعد، وسوف يأتيهم ويتم إهلاكهم] كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ [فقد جاءهم تأويله وأُهلكوا. فانتظروا تأويله يا قوم محمد!. وقد تم بالفعل إهلاكهم] ٣٩ وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠﴾ [يونس].


﴿وَدَخَلَ مَعَهُ ٱلسِّجۡنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَعۡصِرُ خَمۡرٗا وَقَالَ ٱلۡأٓخَرُ إِنِّيٓ أَرَىٰنِيٓ أَحۡمِلُ فَوۡقَ رَأۡسِي خُبۡزٗا تَأۡكُلُ ٱلطَّيۡرُ مِنۡهُ نَبِّئۡنَا بِتَأۡوِيلِهِ [نبئنا بتأويل هذا الطعام الذي نراه في المنام، أي نبئنا بمعناه وما يحمله من دلالات، وهذا هو المعنى الأول لكلمة: تأويل] إِنَّا نَرَىٰكَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٣٦ قَالَ لَا يَأۡتِيكُمَا طَعَامٞ تُرۡزَقَانِهِ [في المنام] إِلَّا نَبَّأۡتُكُمَا بِتَأۡوِيلِهِ [مغزاه والمراد من ورائه] قَبۡلَ أَن يَأۡتِيَكُمَا [قبل أن يأتيكما تأويلُه، أي قبل أن يأتيكما موعد تحق مراده ومغزاه، وهنا المعنى الثاني لكلمة تأويل وهو موعد التحقق] ذَٰلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّيٓ إِنِّي تَرَكۡتُ مِلَّةَ قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ٣٧﴾ [يوسف].






المثال الخامس والعشرون:


﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧ رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩﴾ [آل عمران].


العبارة "المعترضة" المظللة الأولى: (وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُ إِلَّا ٱللَّهُقد تحدثتُ عنها في المثال السابق.


أما بالنسبة للعبارتين المظللتين الثانية والثالثة، فهما جُملتان "معترضتان" يعطيان مزيد فائدة ومزيد بيان، وليسا من قول الراسخين في العلم:


وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٧ رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٩﴾


يتوقف قول الراسخين في العلم عند: (ءَامَنَّا بِهِ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا)، لتأتي العبارة "المعترضة" المظللة: (وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِلتصف هؤلاء المؤمنين الراسخين في العلم، تصفهم ب "أولي الألباب"، وتبين أنه لا يستجيب ولا يذكر إلا من كانت هذه صفتهم "أولوا الألباب".


ثم يستمر إيراد قول الراسخين في العلم: (رَبَّنَا لَا تُزِغۡ قُلُوبَنَا بَعۡدَ إِذۡ هَدَيۡتَنَا وَهَبۡ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةً إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٨ رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ ٱلنَّاسِ لِيَوۡمٖ لَّا رَيۡبَ فِيهِ).

وهنا انتهى قولهم، لتأتي العبارة المظللة "المعترضة" ببيان ختامي مفادُه: (إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ).


والراسخون في العلم المقصودون هنا، هم الراسخون في علم كتاب موسى، وهم الذين يصفهم القرآن ب: "ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ"، وهم مسلمون سلفاً قبل مجيء القرآن، فلما جاءهم آمنوا به وقالوا: (كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَا)، يقصدون أن كتابهم -كتاب موسى-، وهذا القرآن الذي نزل عليهم -كتاب محمد- كل من عند ربنا.

وهم نفسهم هؤلاء:


﴿وَلَقَدۡ وَصَّلۡنَا لَهُمُ ٱلۡقَوۡلَ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٥١ ٱلَّذِينَ ءَاتَيۡنَٰهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِهِ [من قبل القرآن] هُم بِهِ [بالقرآن] يُؤۡمِنُونَ ٥٢ وَإِذَا يُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَآ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِ مُسۡلِمِينَ ٥٣ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡتَوۡنَ أَجۡرَهُم مَّرَّتَيۡنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدۡرَءُونَ بِٱلۡحَسَنَةِ ٱلسَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٥٤﴾ [القصص].

ويأتي وصفهم في القرآن في آيات كثيرة جداً.






المثال السادس والعشرون:


﴿كٓهيعٓصٓ ١ ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤ وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦ يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩ قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١ يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢ وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣ وَبَرَّا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥﴾ [مريم].


السياق الطويل المظلل هو بمثابة معلومات خارجة عن السياق الكلي للآيات، وُضعت بشكل "اعتراضي" لتصف رد فعل زكريا على البشرى، فقطعت الكلام عن يحيى عند الآية: (يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧)، ليرجع السياق للكلام عنه مجدداً بعد انتهاء السياق "الاعتراضي" عند الآية: (يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢…)


قم بإخراج السياق "المعترض" المظلل، وتعامل معه بشكل مستقل، ليصبح السياق الكلي للآيات مترابطاً متماسكاً، ليزول الاستغراب من توجيه الكلام بصورة مباغتة ليحيى في الآية: (يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖ…).


السياق الكلي بعد إخراج البيان "المعترض" المظلل:


﴿كٓهيعٓصٓ ١ ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُن بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤ وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦ يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسۡمُهُ يَحۡيَىٰ لَمۡ نَجۡعَل لَّهُ مِن قَبۡلُ سَمِيّٗا ٧ [-----] يَٰيَحۡيَىٰ خُذِ ٱلۡكِتَٰبَ بِقُوَّةٖ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحُكۡمَ صَبِيّٗا ١٢ وَحَنَانٗا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةٗ وَكَانَ تَقِيّٗا ١٣ وَبَرَّا بِوَٰلِدَيۡهِ وَلَمۡ يَكُن جَبَّارًا عَصِيّٗا ١٤ وَسَلَٰمٌ عَلَيۡهِ يَوۡمَ وُلِدَ وَيَوۡمَ يَمُوتُ وَيَوۡمَ يُبۡعَثُ حَيّٗا ١٥﴾


خذ السياق المظلل الذي يعطيك مزيد بيان عن دهشة زكريا، وتعجبه من بشارة الله له بغلام من صلبه، فقد كان سأل الله ولياً يرثه، وذريةً طيبة يتخذها له ويُربّيها، والذرية هنا بمعنى الولي التابع، لكن الله أصلح له زوجه وبشره بغلام من صلبه، فكان جوابه:

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا وَقَدۡ بَلَغۡتُ مِنَ ٱلۡكِبَرِ عِتِيّٗا ٨ قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞ وَقَدۡ خَلَقۡتُكَ مِن قَبۡلُ وَلَمۡ تَكُ شَيۡـٔٗا ٩ قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا ١٠ فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰٓ إِلَيۡهِمۡ أَن سَبِّحُواْ بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ١١


فسأل ربه أن يجعل له آية بيّنة يتيقن من خلالها أن هذا الذي أتاه من أمر البشرى بالغلام ليس تضليلاً من وحي الشيطان!.

فأعطاه هذه الآية: (ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٖ سَوِيّٗا)، وبالفعل لمّا خرج على قومه من المحراب لم يستطع تكليمهم، فأوحى لهم إيحاء وإشارة، فتحققت الآية، وأيقن بصدق البشارة، ولم يتبق إلا انتظار تحقق البشرى بولادة يحيى!.






المثال السابع والعشرون:


﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥ قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ ١٣٦ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧ صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗ وَنَحۡنُ لَهُ عَٰبِدُونَ ١٣٨﴾ [البقرة].


الآية المظللة هي عبارة "معترضة" خارجة عن السياق، تصف حالهم فيما لو آمنوا، وحالهم فيما لو أعرضوا وتوَلَوا، وتبشر النبي بكفاية الله له إياهم، إن هم تولوا عن الإيمان.


قم بإخراج العبارة المظللة، ليظهر لك المعنى الكلّي للسياق: 

﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥ قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ [---] ١٣٦ صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗ وَنَحۡنُ لَهُ عَٰبِدُونَ ١٣٨﴾.

فالإسلام -الذي هو ملة إبراهيم- هو صبغة الله.


خذ مزيد بيان لحالهم فيما لو استجابوا واصطبغوا بهذه الصبغة، وفيما لو تولوا عنها:

فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧.

وهذه الزيادة في البيان هي الآية التي "اعترضت" في قلب السياق.






المثال الثامن والعشرون:


﴿قُلۡ أَتُحَآجُّونَنَا فِي ٱللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمۡ وَلَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُخۡلِصُونَ ١٣٩ أَمۡ تَقُولُونَ إِنَّ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ قُلۡ ءَأَنتُمۡ أَعۡلَمُ أَمِ ٱللَّهُ وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً عِندَهُ مِنَ ٱللَّهِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٤٠ تِلۡكَ أُمَّةٞ قَدۡ خَلَتۡ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَلَكُم مَّا كَسَبۡتُمۡ وَلَا تُسۡـَٔلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤١﴾ [البقرة].


قم بتحريك العبارة المظللة إلى الخلف خطوة واحدة، لتصبح سابقة لكلمة "عنده"، ليتضح لك المقصود، ألا وهو: 

(وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَٰدَةً مِنَ ٱللَّهِ عِندَهُ)

والشهادة التي من الله عندهم، هي علمهم بأن إبراهيم لم يكن مشركاً يهودياً أو نصرانياً مثلَهم، بل كان حنيفاً مسلماً، لكنهم يكتمون هذه الشهادة التي عندهم في كتاب موسى الذي لديهم، يكتمونها عن الأميين الضالين:.


﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَبِئۡسَ مَا یَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧]






المثال التاسع والعشرون:


﴿ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥ لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦﴾ [البقرة].


العبارة المظللة "المعترضة": (لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِ) هي من قول المجموعة المتكلمة في القرآن، يبينون من خلالها أنهم لا يفرقون بين أحد من رسل الله.

وليست من قول المؤمنين الذي ينقلونه لنا في هذا السياق من الآيات.

بل قول المؤمنين يبدأ من: (سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ).


ثم تأتي عبارة مظللة "معترضة" أُخرى من قول المجموعة المتكلمة في القرآن، تقطع قول المؤمنين، هي: (لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡ).


ثم يتم استكمال إيراد قول المؤمنين:

(رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَا رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ).



ملاحظة:

هناك سياقات أخرى مشابهة، تأتي فيها عبارة: (لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ..)، بصورة أمر للمؤمنين أن يقولوه: 


﴿قُولُوۤا۟: ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَمَاۤ أُوتِیَ ٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ﴾ [البقرة ١٣٦]

فهم يؤمرون بجميع هذا القول، ومن ضمنه: (لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ).


﴿قُلۡ: ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ عَلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ وَعِیسَىٰ وَٱلنَّبِیُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران ٨٤]

فهو يؤمر بجميع هذا القول، ومن ضمنه: (لَا نُفَرِّقُ بَیۡنَ أَحَدࣲ مِّنۡهُمۡ).



ملاحظة:

الذين يفرقون بين رسل الله هم اليهود والنصارى الذين يكفرون بمحمد، إلى جانب كفر كل طائفة منهم بأنبياء تغلوا فيهم الطائفة الأخرى:

﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗا وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمۡ يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ أُوْلَٰٓئِكَ سَوۡفَ يُؤۡتِيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٥٢﴾ [النساء].


ملاحظة أخرى:

إن كان أرباب الدين الوضعي المنسوب للقرآن، لا يفرقون بين رسل الله بالكفر ببعضهم؛ فإنهم وقعوا في الغلو بالبعض الآخر!. 

وهو غلوهم بخاتمهم محمد، وزعمهم أنه مفضل عند الله على بقية النبيين، واتباعهم للنصوص الوضعية الخيالية المنسوبة له، وتسيير كتاب الله تحتها، وتعليق نجاتهم يوم القيامة بشفاعته المزعومة!.






المثال الثلاثون:


﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢ يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗا لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥ يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١ إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢ لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَا ٧٣﴾ [الأحزاب].


أولاً: 

قم بإخراج السياق المظلل الطويل "المعترض"، ليصبح السياق الكلي كالآتي:


﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٠ مَّلۡعُونِينَ أَيۡنَمَا ثُقِفُوٓاْ أُخِذُواْ وَقُتِّلُواْ تَقۡتِيلٗا ٦١ سُنَّةَ ٱللَّهِ فِي ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٦٢ يَسۡـَٔلُكَ ٱلنَّاسُ عَنِ ٱلسَّاعَةِ قُلۡ إِنَّمَا عِلۡمُهَا عِندَ ٱللَّهِ وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّ ٱلسَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا ٦٣ [-----] لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمَا ٧٣﴾.


والمعنى هو:

الساعة آتية لا محالة، لِأجل أن: (يُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ).


وخذ قول الله لموسى، لتتأكد من هذا المعنى:

﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٌ أَكَادُ أُخۡفِيهَا لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِۭ بِمَا تَسۡعَىٰ ١٥ فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنۡهَا مَن لَّا يُؤۡمِنُ بِهَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ فَتَرۡدَىٰ ١٦﴾ [طه].


فعبارة: (لِّيُعَذِّبَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ وَٱلۡمُشۡرِكَٰتِ وَيَتُوبَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ)، هي نفسها: (لِتُجۡزَىٰ كُلُّ نَفۡسِ بِمَا تَسۡعَىٰ)، وهي الغاية من مجيء الساعة.



ثانياً:

بالنسبة للسياق "المعترض" الطويل الذي قطع هذا المعنى الذي يتحدث عن الساعة، فإنه يعطي مزيد وصف لعذاب هؤلاء المنافقين والمنافقات والذين في قلوبهم مرض والمرجفين، المذكورون في بداية السياق، والذين سوف يكون هذا حالهم، وهذا عذابهم عند مجيء الساعة.

ثم ينهى الذين آمنوا عن أن يكونوا كالذين آذَوا موسى، ويوصيهم بالتقوى.

ثم يتحدث عن الأمانة التي حملها الإنسان.

وهذا السياق "المعترض" هو كالآتي:


(إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗا لَّا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٦٥ يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ ءَاذَوۡاْ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِيهٗا ٦٩ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدٗا ٧٠ يُصۡلِحۡ لَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡ وَمَن يُطِعِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدۡ فَازَ فَوۡزًا عَظِيمًا ٧١ إِنَّا عَرَضۡنَا ٱلۡأَمَانَةَ عَلَى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلۡجِبَالِ فَأَبَيۡنَ أَن يَحۡمِلۡنَهَا وَأَشۡفَقۡنَ مِنۡهَا وَحَمَلَهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا ٧٢).


ولاحظ أن هذا السياق "المعترض" يحوي هو الآخر عبارة "معترضة" مظللة هي: (إِنَّهُ كَانَ ظَلُومٗا جَهُولٗا).

وهي وصف لحال الإنسان الكافر، وليست وصفاً لعموم الإنسان الذي حمل الأمانة، وليست وصفاً نتج عن حمله لهذه الأمانة، بل هي مجرد بيان "اعتراضي" يسلط الضوء على حال الإنسان الكافر:


﴿وَٱلتِّينِ وَٱلزَّيۡتُونِ ١ وَطُورِ سِينِينَ ٢ وَهَٰذَا ٱلۡبَلَدِ ٱلۡأَمِينِ ٣ لَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ فِيٓ أَحۡسَنِ تَقۡوِيمٖ ٤ ثُمَّ رَدَدۡنَٰهُ أَسۡفَلَ سَٰفِلِينَ ٥ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ أَجۡرٌ غَيۡرُ مَمۡنُونٖ ٦ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعۡدُ بِٱلدِّينِ ٧ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَحۡكَمِ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨﴾ [التين].


فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ليسوا من الظالمين الجاهلين، بل الظلم والجهل لا يوصَف بهما إلا الكافرون.

وهناك الكثير من الآيات التي تصف الإنسان بصفات الكافرين، لكنها تقصد الإنسان الكافر دون المؤمنين.