جمل اعتراضية. 4
"جُمَل اعتراضية"
وآيات تحتاج
إعادة ترتيب!!
المجموعة الرابعة
من أساليب القرآن البيانية "التقديم والتأخير" في عبارات بعينها، بحيث يجد القارئ استشكالا كبيرا في الفهم، ولن يعلم المقصود إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!
وباختصار .. فإن القرآن يورد في أثناء البيان، جملا في غير أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق!
هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعا "إيقاعياً" جذاباً إن صح التعبير!
وله أيضا أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه الخطابي الذي تتكلم فيه المجموعة بصيَغ الجمع!
وأساليب أخرى مثل التعبير بكلمات بعينها عن التأثيرات والتحولات على الصعيدين الواقعي والتجريدي!
كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.
الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.
عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا الفن!
قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مرارا وتكرارا، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها..
المجموعة الرابعة
المثال الحادي والثلاثون:
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥ أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦ فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨﴾ «هود 25 - هود 28»
تم تأخير العبارة المظللة عن مكانها الأصلي..، وعند إرجاعها إلى مكانها الأصلي يصبح السياق كالآتي:
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥ أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦ فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِ مَا نَرَىٰكَ بَادِيَ ٱلرَّأيِ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨﴾
الآن.. كلمة (بادي) لها احتمالان في القراءة والنطق بها:
الأول: كما هي، (بادي الرأي)، بمعنى الرأي الظاهر الذي يبدو للجميع.
الثاني: (بادئ الرأي)، بالهمزة وليس الياء!، وهو الصواب.
بمعنى أنهم يعددون له الأسباب والآراء التي تمنعهم من الإيمان به.
فالرأي الأول "الرأي البادئ" هو: أنه بشر مثلهم فكيف يتميز عنهم ويتفضل عليهم بالنبوة والوحي؟!
الرأي الثاني "الرأي الآخر المُعَزِّز للرأي الأول" هو: لم يتبعك إلا الأراذل! فكيف تريد منا أن نصطف مع الأراذل في خندق واحد؟!.
هذه السورة "هود" عددت الآراء والأسباب التي حملتهم على تكذيبه، الرأي الأول "البادئ"، والرأي الثاني أو "الخاتم"، بخلاف بقية السور التي تورد رأيا واحداً فقط، فإما أن تذكر أنه بشر مثلهم، أو تذكر اتباع الأراذل له.
خذ مثلا:
﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٢٣ فَقَالَ ٱلۡمَلَؤُاْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِ مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثۡلُكُمۡ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيۡكُمۡ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَٰٓئِكَةٗ مَّا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِيٓ ءَابَآئِنَا ٱلۡأَوَّلِينَ ٢٤ إِنۡ هُوَ إِلَّا رَجُلُۢ بِهِ جِنَّةٞ فَتَرَبَّصُواْ بِهِ حَتَّىٰ حِينٖ ٢٥ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي بِمَا كَذَّبُونِ ٢٦ فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧﴾ «المؤمنون 23 - المؤمنون 27»
﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِ فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ ٥٩ قَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِهِ إِنَّا لَنَرَىٰكَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٦٠ قَالَ يَٰقَوۡمِ لَيۡسَ بِي ضَلَٰلَةٞ وَلَٰكِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦١ أُبَلِّغُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمۡ وَأَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٢ أَوَعَجِبۡتُمۡ أَن جَآءَكُمۡ ذِكۡرٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنكُمۡ لِيُنذِرَكُمۡ وَلِتَتَّقُواْ وَلَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٦٣ فَكَذَّبُوهُ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ وَأَغۡرَقۡنَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ إِنَّهُمۡ كَانُواْ قَوۡمًا عَمِينَ ٦٤﴾ «الأعراف 59 - الأعراف 64»
هنا لم يُذكر إلا السبب الأول أو الرأي الأول "الرأي البادئ" وهو أنه بشر مثلهم.
﴿كَذَّبَتۡ قَوۡمُ نُوحٍ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٠٥ إِذۡ قَالَ لَهُمۡ أَخُوهُمۡ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ ١٠٦ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٠٧ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١٠٨ وَمَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٩ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُونِ ١١٠ قَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لَكَ وَٱتَّبَعَكَ ٱلۡأَرۡذَلُونَ ١١١ قَالَ وَمَا عِلۡمِي بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١١٢ إِنۡ حِسَابُهُمۡ إِلَّا عَلَىٰ رَبِّيۖ لَوۡ تَشۡعُرُونَ ١١٣ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٤ إِنۡ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ١١٥ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧ فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩ ثُمَّ أَغۡرَقۡنَا بَعۡدُ ٱلۡبَاقِينَ ١٢٠ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗۖ وَمَا كَانَ أَكۡثَرُهُم مُّؤۡمِنِينَ ١٢١ وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٢﴾ «الشعراء 105 - الشعراء 122»
هنا لم يذكر إلا السبب الثاني أو الرأي الثاني "الرأي الآخر" وهو اختصاص الأراذل باتباعه دون علْية القوم.
فلأن هذه السورة فقط "سورة هود" اختصت بذكر السببين معاً، تم فيها تعداد الآراء بذكر كلمة (بادئ) من دون بقية السور.
بخلاف "بادي" بالياء كما هو موضع الخطأ، فإنها لا تعطي معنى متسقاً مع سياقها، فضلا عن الاتساق مع بقية السور التي تورد نفس القصة.
انظر سلسلة أخطاء "القراء" لتقف على هذا الخطأ في قراءة كلمة (بادي).
المثال الثاني والثلاثون:
﴿قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢ قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣ وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥ وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦ وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧﴾ «هود 32 - هود 37»
أيضاً هذا سياق من نفس السورة التي في المثال السابق "هود"، وهو سياق طويل جداً، ورد فيه "جملة اعتراضية" تنقل الكلام من الحديث عن خبر نوح مع قومه، إلى الحديث عن قوم محمد، بشكل مباغت من دون أي مقدمات!.
هذه "الجملة الاعتراضية المباغتة" هي المظللة باللون الأصفر.
(أم يقولون افتراه): الحديث عن قوم محمد.
ليأتي الرد: (قل: إن افتريتُه فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون).
هذا "الالتفات المفاجئ" في الكلام لا يتنبه إليه إلا من يدرس أسلوب القرآن البياني والخطابي الفريد!، وقد تكلمتُ عن ذلك في مقالات وأبحاث كثيرة جداً.
خذ مثالاً آخر على الالتفات المفاجئ، وتحويل الكلام والخطاب إلى محمد، بعد أن يكون السياق يتحدث عن غيره من النبيين:
المثال الثالث والثلاثون:
﴿الٓر تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُبِينِ ١ إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ قُرۡءَٰنًا عَرَبِيّٗا لَّعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ٢ نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ وَإِن كُنتَ مِن قَبۡلِهِ لَمِنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٣ إِذۡ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَٰٓأَبَتِ إِنِّي رَأَيۡتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوۡكَبٗا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ رَأَيۡتُهُمۡ لِي سَٰجِدِينَ ٤ قَالَ يَٰبُنَيَّ لَا تَقۡصُصۡ رُءۡيَاكَ عَلَىٰٓ إِخۡوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيۡدًا إِنَّ ٱلشَّيۡطَٰنَ لِلۡإِنسَٰنِ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٥ وَكَذَٰلِكَ يَجۡتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعۡمَتَهُ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ ءَالِ يَعۡقُوبَ كَمَآ أَتَمَّهَا عَلَىٰٓ أَبَوَيۡكَ مِن قَبۡلُ إِبۡرَٰهِيمَ وَإِسۡحَٰقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٦ لَّقَدۡ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخۡوَتِهِ ءَايَٰتٞ لِّلسَّآئِلِينَ ٧ إِذۡ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰٓ أَبِينَا مِنَّا وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ٨ ٱقۡتُلُواْ يُوسُفَ أَوِ ٱطۡرَحُوهُ أَرۡضٗا يَخۡلُ لَكُمۡ وَجۡهُ أَبِيكُمۡ وَتَكُونُواْ مِنۢ بَعۡدِهِ قَوۡمٗا صَٰلِحِينَ ٩ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ يَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّيَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ١٠ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأۡمَ۬نَّا عَلَىٰ يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُۥ لَنَٰصِحُونَ ١١ أَرۡسِلۡهُ مَعَنَا غَدٗا يَرۡتَعۡ وَيَلۡعَبۡ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ١٢ قَالَ إِنِّي لَيَحۡزُنُنِيٓ أَن تَذۡهَبُواْ بِهِ وَأَخَافُ أَن يَأۡكُلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَأَنتُمۡ عَنۡهُ غَٰفِلُونَ ١٣ قَالُواْ لَئِنۡ أَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَنَحۡنُ عُصۡبَةٌ إِنَّآ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ١٤
فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجۡمَعُوٓاْ أَن يَجۡعَلُوهُ فِي غَيَٰبَتِ ٱلۡجُبِّ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَٰذَا وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٥ وَجَآءُوٓ أَبَاهُمۡ عِشَآءٗ يَبۡكُونَ ١٦ قَالُواْ يَٰٓأَبَانَآ إِنَّا ذَهَبۡنَا نَسۡتَبِقُ وَتَرَكۡنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَٰعِنَا فَأَكَلَهُ ٱلذِّئۡبُ وَمَآ أَنتَ بِمُؤۡمِنٖ لَّنَا وَلَوۡ كُنَّا صَٰدِقِينَ ١٧ وَجَآءُو عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٖ كَذِبٖ قَالَ بَلۡ سَوَّلَتۡ لَكُمۡ أَنفُسُكُمۡ أَمۡرٗا فَصَبۡرٞ جَمِيلٞ وَٱللَّهُ ٱلۡمُسۡتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ ١٨ وَجَآءَتۡ سَيَّارَةٞ فَأَرۡسَلُواْ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُ قَالَ يَٰبُشۡرَىٰ هَٰذَا غُلَٰمٞ وَأَسَرُّوهُ بِضَٰعَةٗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٩ وَشَرَوۡهُ بِثَمَنِۭ بَخۡسٖ دَرَٰهِمَ مَعۡدُودَةٖ وَكَانُواْ فِيهِ مِنَ ٱلزَّٰهِدِينَ ٢٠ وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُۥ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢﴾ «يوسف 1 - يوسف 22»
إذا أمعنت النظر في سياق الآيات، فستجده يتبادل الحديث وتوجيه الكلام من الحديث عن يوسف، إلى الحديث وتوجيه الكلام إلى محمد!
وذلك على النحو الآتي:
أولاً: الحديث عن القرآن، وتوجيه الكلام إلى محمد من آية (1) إلى آية (3).
من: (الر تلك آيات الكتاب..)، إلى: (وإن كنت من قبله "يا محمد" لمن الغافلين).
ثانياً: ابتداء الحديث عن يوسف من آية (4) إلى آية (5).
من: (إذ قال يوسف لأبيه..)، إلى (إن الشيطان للإنسان عدو مبين).
ثالثاً: عودة الخطاب وتوجيه الكلام إلى محمد في الآية (6)، الآية المظللة بالأصفر!
(وكذلك يجتبيك ربك) يا محمد بالرؤيا، كما اجتبى يوسف بتلك الرؤيا من قبلك "أحد عشر كوكبا والشمس..".
(ويعلمك من تأويل الأحاديث) كما علم يوسف تأويلها من قبل!
(ويتم نعمته عليك) يا محمد، (وعلى آل يعقوب) من قبلك، (كما أتمها على أبويك من قبل) يا محمد، (إبراهيم وإسحق) ، (إن ربك) يا محمد، (عليم حكيم)!!.
نعم.. الآية تخبر عن ثلاثة أمور تتعلق بمحمد كما هي ليوسف ولجميع النبيين:
الأول: اجتباه ربه بالرؤيا كما اجتبى يوسف وجميع النبيين من قبله:
(وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡیَا ٱلَّتِیۤ أَرَیۡنَـٰكَ إِلَّا فِتۡنَةࣰ لِّلنَّاسِ..)[الإسراء ٦٠]
﴿لَّقَدۡ صَدَقَ ٱللَّهُ رَسُولَهُ ٱلرُّءۡیَا بِٱلۡحَقِّ لَتَدۡخُلُنَّ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ ءَامِنِینَ ..) [الفتح ٢٧]
الثاني: علَّمه من تأويل الأحاديث:
﴿إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِینَ أَلَن یَكۡفِیَكُمۡ أَن یُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ مُنزَلِینَ ، بَلَىٰۤ إِن تَصۡبِرُوا۟ وَتَتَّقُوا۟ وَیَأۡتُوكُم مِّن فَوۡرِهِمۡ هَـٰذَا یُمۡدِدۡكُمۡ رَبُّكُم بِخَمۡسَةِ ءَالَـٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ مُسَوِّمِینَ﴾ [آل عمران].
فمن خلال علمه بتأويل الأحاديث "القرآن"، استطاع استنباط إمكانية مدد الله لهم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين وبشر المؤمنين بذلك:
(إذ تقول للمؤمنين..)، فجاءت الآية التي بعدها تؤكد صحة ما ذهب إليه في تأويله: (بلى إن تصبروا..)، بل وتبشرهم بخمسة آلاف بدل ثلاثة!!
ولشرح هذه الآيات موضوع مستقل مستقبلاً.
الثالث: أتمَّ نعمته عليه بإكمال الدين وإتمام كتابه (القرآن العظيم):
(.. ٱلۡیَوۡمَ یَىِٕسَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ مِن دِینِكُمۡ فَلَا تَخۡشَوۡهُمۡ وَٱخۡشَوۡنِ ٱلۡیَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِینَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَیۡكُمۡ نِعۡمَتِی وَرَضِیتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَـٰمَ دِینࣰا..)[المائدة ٣]
كما أتمها على آل يعقوب بيوسف!
انظر دراسة بعنوان: إسماعيل ليس ابن إبراهيم من صلبه!.
لاحظ كيف أراد زكريا ولياً له، يرث النبوة عنه ويرث من آل يعقوب أيضاً:
﴿كٓهيعٓصٓ ١ ذِكۡرُ رَحۡمَتِ رَبِّكَ عَبۡدَهُۥ زَكَرِيَّآ ٢ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيّٗا ٣ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ ٱلۡعَظۡمُ مِنِّي وَٱشۡتَعَلَ ٱلرَّأۡسُ شَيۡبٗا وَلَمۡ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّٗا ٤ وَإِنِّي خِفۡتُ ٱلۡمَوَٰلِيَ مِن وَرَآءِي وَكَانَتِ ٱمۡرَأَتِي عَاقِرٗا فَهَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيّٗا ٥ يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنۡ ءَالِ يَعۡقُوبَ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِيّٗا ٦﴾ «مريم 1 - مريم 6»
انظر دراسة بعنوان: ما معنى جالوت.
أيضا انظر دراسة بعنوان: هارون ابن عمران.
وكلها دراسات تنقض الفهم الآبائي البائس -من مئات السنين وإلى اليوم- عن رسُل الله وذرياتهم وأنسابهم، والفترات الزمنية التي تفصل بينهم!.
بخلاف التاريخ البشري الباطل، وشعوذات كهان المسلمين وغيرهم من كهان جميع الملل الأخرى!.
(وكذلك يجتبيك ربك..) هذا الأسلوب المباغت في الكلام، وتوجيه الخطاب، واستخدام كلمة (ربك)، بتوجيهها إلى محمد، هو أسلوب متكرر في القرآن من أوله إلى آخره، وهو هنا موجه لمحمد بشكل قطعي كما بينتُ لك، على الرغم من مخالفته للنظرة الخاطئة التي عليها كل "المسلمين" من مئات السنين وإلى اليوم.. الأمر الذي يبين لك عمق الفجوة بل والهاوية بين "المسلمين" وبين فهم كتابهم، ويبين لك أن ما هم عليه ليس إلا دينا بشرياً وضعياً خائباً متناقضاً مع دين الله (الإسلام) الذي بيّنه في كتابه (القرآن)، وفي كتبه من قبل، وعلى جميع رسله!.
حرّفت الطوائف من أهل الكتاب دينهم فنقضوا كل شيء!
فجاء "المسلمون" من بعدهم فحرفوا دينهم أيضاً، فنقضوا كل شيء كما فعل الذين من قبلهم، لكن بتحريف المعاني والمقاصد مع المحافظة على الأسماء فقط!.
فهل سبق وخطر ببال "المسلمين" على مر القرون، أن المتكلم في كتابهم (القرآن) -الذي ينتسبون إليه ويتغنون به، وبحفظ كلماته حفظا فارغاً من كل معنى- هل خطر ببالهم أن المتكلم في القرآن كله هو مجموعة من المتنفذين بأمر الله في خلقه، وليس المتكلم هو الله!!، على الرغم من وضوح هذا الأمر بشكل يعادل وضوح شمس الظهيرة في قلب السماء في قلب الصيف القائظ!!.
انظر دراسة بعنوان:
المجموعة المتكلمة في القرآن.
رابعاً: يعود الحديث عن يوسف وما جرى بينه وبين إخوته من آية (7) حتى نهاية سياق الآيات.
دقق النظر في السياق لتجد أن الآية (21)، تتحدث عن يوسف وتعليمه تأويل الأحاديث:
(وَقَالَ ٱلَّذِي ٱشۡتَرَىٰهُ مِن مِّصۡرَ لِٱمۡرَأَتِهِ أَكۡرِمِي مَثۡوَىٰهُ عَسَىٰٓ أَن يَنفَعَنَآ أَوۡ نَتَّخِذَهُۥ وَلَدٗا وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ وَٱللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢١ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ ءَاتَيۡنَٰهُ حُكۡمٗا وَعِلۡمٗا وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٢٢).
الأمر الذي يزيدك تأكيدا على أن الذي توجه إليه الخطاب ببيان اجتبائه وتعليمه تأويل الأحاديث في الآية (6) هو محمد وليس يوسف.. إذ كيف يستقيم بيان ذلك مرتين متتاليتين، فيما لو كان الحديث في البداية عن يوسف، وتوجيه الخطاب إليه، كما يظن ذلك جميع الناس!!.
عداك عن أن هذا الأسلوب في الخطاب لا يتوجه إلا إلى نبي القرآن، كما ذكرت لك سابقاً.
ملاحظة:
ينتقل الخطاب "بشكل مباغت" أيضاً إلى محمد، في نهاية السورة في آية رقم (102) التي هي:
(ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك "يا محمد" وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم..)، وذلك على النحو الآتي:
﴿وَرَفَعَ أَبَوَيۡهِ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَخَرُّواْ لَهُۥ سُجَّدٗا وَقَالَ:
يَٰٓأَبَتِ هَٰذَا تَأۡوِيلُ رُءۡيَٰيَ مِن قَبۡلُ قَدۡ جَعَلَهَا رَبِّي حَقّٗا وَقَدۡ أَحۡسَنَ بِيٓ إِذۡ أَخۡرَجَنِي مِنَ ٱلسِّجۡنِ وَجَآءَ بِكُم مِّنَ ٱلۡبَدۡوِ مِنۢ بَعۡدِ أَن نَّزَغَ ٱلشَّيۡطَٰنُ بَيۡنِي وَبَيۡنَ إِخۡوَتِيٓ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٞ لِّمَا يَشَآءُ إِنَّهُ هُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ ١٠٠ رَبِّ قَدۡ ءَاتَيۡتَنِي مِنَ ٱلۡمُلۡكِ وَعَلَّمۡتَنِي مِن تَأۡوِيلِ ٱلۡأَحَادِيثِ فَاطِرَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَنتَ وَلِيِّ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسۡلِمٗا وَأَلۡحِقۡنِي بِٱلصَّٰلِحِينَ ١٠١ ).
وهنا انتهى القول الذي قاله ودعا به يوسف، لينتقل بعدها الحديث وتوجيه الخطاب إلى محمد:
(ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَ وَمَا كُنتَ لَدَيۡهِمۡ إِذۡ أَجۡمَعُوٓاْ أَمۡرَهُمۡ وَهُمۡ يَمۡكُرُونَ ١٠٢ وَمَآ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ وَلَوۡ حَرَصۡتَ بِمُؤۡمِنِينَ ١٠٣ وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ..﴾.
المثال الرابع والثلاثون:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِیكُم بِنَهَرࣲ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَیۡسَ مِنِّی وَمَن لَّمۡ یَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّیۤ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِیَدِهِ فَشَرِبُوا۟ مِنۡهُ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡیَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِیلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِیرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [البقرة ٢٤٩]
العبارة المظللة تم تأخيرها عن مكانها الأصلي، وعند إرجاعها تصبح كالآتي:
﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِیكُم بِنَهَرࣲ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَیۡسَ مِنِّی إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِیَدِهِ ، وَمَن لَّمۡ یَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّیۤ ، فَشَرِبُوا۟ مِنۡهُ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ مَعَهُۥ قَالُوا۟ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡیَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ ٱلَّذِینَ یَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَـٰقُوا۟ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةࣲ قَلِیلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةࣰ كَثِیرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾.
وهكذا.. فإن الاستثناء بقوله (إلا من اغترف غرفة بيده)، هو استثناءٌ لمن شرب منه، وليس استثناءً لمن (لم يطعمه) من الأساس!!
إذ إن الذي لم يطعمه من الأساس أعظم إيمانا واستجابة لأمر طالوت، من الذي شرب منه بمقدار غرفة اغترفها بيده.. بعكس الذي شرب منه شُرباً، إذ هو ليس منه، ولن يتبعه في قتال جالوت.
(فشربوا منه إلا قليلا منهم)، فغالبيتهم شربوا منه إلا قليلا من الذين لم يشربوا من الأساس، والذين شربوا بمقدار غرفة يغترفونها بأيديهم ولا يزيدون عليها!.
الأمر الذي يبين لك أن الشرب يحمل معنى الريّ والامتلاء، لذلك خصصه بذكر غرفة باليد، والتي تفيد المقدار الضئيل من الماء الذي لا يؤدي إلى الري الكامل والامتلاء وإرواء الظمأ!.
وهذا يبين لك أن آية:
﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم بِقُوَّةࣲ وَٱسۡمَعُوا۟ قَالُوا۟ سَمِعۡنَا وَعَصَیۡنَا وَأُشۡرِبُوا۟ فِی قُلُوبِهِمُ ٱلۡعِجۡلَ بِكُفۡرِهِمۡ قُلۡ بِئۡسَمَا یَأۡمُرُكُم بِهِ إِیمَـٰنُكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة ٩٣]
تفيد امتلاء قلوبهم بالعجل الذي اتخذوه إلها من دون الله بكفرهم.
ملاحظة: هناك خطأ في قراءة كلمة (غرفة)، إذ تم اعتمادُها وقراءتها بضم الغين بدلاً من الفتح.
الصواب هو بفتح الغين (غَرفة) وليس بالضم! وقد بينتُ سبب ذلك في سلسلة أخطاء "القراء".
أما بالنسبة للعلة من أمره لهم بعدم الشرب من النهر، فقد بينتها في الدراسة التي بعنوان:
هارون ابن عمران. فارجع إليها إن شئت.
المثال الخامس والثلاثون:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖ كُلُواْ مِن ثَمَرِه إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١ وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣ وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤﴾ «الأنعام 141 - الأنعام 144»
تم تأخير العبارة المظللة عن مكانه الأصلي، وعند إرجاعها إليه يصبح سياق الآيات كالآتي:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖ كُلُواْ مِن ثَمَرِه إِذَآ أَثۡمَرَ وَءَاتُواْ حَقَّهُۥ يَوۡمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسۡرِفُوٓاْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ١٤١ وَمِنَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزۡوَٰجٖ حَمُولَةٗ وَفَرۡشٗا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ١٤٢ مِّنَ ٱلضَّأۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡمَعۡزِ ٱثۡنَيۡنِ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ نَبِّـُٔونِي بِعِلۡمٍ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٤٣ وَمِنَ ٱلۡإِبِلِ ٱثۡنَيۡنِ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ ٱثۡنَيۡنِ قُلۡ ءَآلذَّكَرَيۡنِ حَرَّمَ أَمِ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمَّا ٱشۡتَمَلَتۡ عَلَيۡهِ أَرۡحَامُ ٱلۡأُنثَيَيۡنِ أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٤).
ويكون المعنى أنه أنشأ:
جنات معروشات، وجنات غير معروشات.
والنخل مختلفا أكله، والزرع مختلفا أكله.
والزيتون والرمان متشابها.
والزيتون والرمان غير متشابه.
ولاحظ أن عددها ثمانية أزواج!
وأنشأ أيضاً من الأنعام ثمانية أزواج حمولة وفرشا، وهي:
من الضأن زوجين -ذكرا وأنثى-.
ومن المعز زوجين -ذكرا وأنثى-.
ومن الإبل زوجين -ذكرا وأنثى-.
ومن البقر زوجين -ذكرا وأنثى-.
وهذه هي الأقسام الأربعة للأنعام، والتي تصبح ثمانية إذا قُسمت لذكر وأنثى.
زوجان معناها نوعان، زوج ذكر -نوع ذكر-، وزوج أنثى -نوع أنثى-.
وبالتالي تكون صورة الآيات كالتالي:
وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات.. وأنشأ من الأنعام ثمانية أزواج حمولة وفرشا.. من الضأن اثنين.. -إلى نهاية الآيات-.
معنى الآيات:
الذكرين من الضأن والمعز حرم الله، أم الأنثيين منهما؟!.
أم حرم الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين منهما؟!.
والذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين هو الأجنة في بطونهما، بدليل:
﴿وَٱلۡمُطَلَّقَـٰتُ یَتَرَبَّصۡنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَـٰثَةَ قُرُوۤءࣲ وَلَا یَحِلُّ لَهُنَّ أَن یَكۡتُمۡنَ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ فِیۤ أَرۡحَامِهِنَّ إِن كُنَّ یُؤۡمِنَّ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ). [البقرة ٢٢٨].
وهذه أسئلة "استنكارية" يُؤمر النبي بأن يسألهم إياها بقوله: (قل).
ومعناها: هل الله حرم الذكرين من (الضأن والمعز)، أم حرم الأنثيين منهما، أم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الأجنّة؟!
نبئوني بعلم -عندكم- من الله إن كنتم صادقين!!
بالتأكيد.. لا يوجد عندهم من الله علم يحرم هذه الأصناف من الأنعام.
الأيات تخاطب أقواما كانوا يزعمون أن الله حرم هذه الأصناف.
﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَاۤءَكُمُ ٱلَّذِینَ یَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام ١٥٠].
أيضا:
الذكرين من الإبل والبقر حرم الله، أم الأنثيين منهما؟!.
أم حرم الذي اشتملت عليه أرحام الأنثيين منهما؟!.
بالتأكيد.. لم يحرم الله أياً من ذلك.
(أَمۡ كُنتُمۡ شُهَدَآءَ إِذۡ وَصَّىٰكُمُ ٱللَّهُ بِهَٰذَا ؟! فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا لِّيُضِلَّ ٱلنَّاسَ بِغَيۡرِ عِلۡمٍ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ).