جمل اعتراضية. 8






جُمَل

 "اعتراضية"

المجموعة الثامنة












من أساليب القرآن البيانية:

"التقديم والتأخير" في عبارات بعينها!، أو إيراد "جُمَل معترضة" تتخلل السياقات المترابطة وتقطعها!.


القارئ يجد استشكالاً كبيراً في الفهم، ولن يعلم المقصود والمُراد إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!


وباختصار .. فإن القرآن من أوله إلى آخره، يورد في أثناء البيان، جُملاً متقدمة أو متأخرة عن أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق، ويورد أيضاً عبارات خارجة عن السياقات تتخللها بشكل "معترض"!.



هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعاً "إيقاعياً" جذاباً -إن صح التعبير-!.


وله أيضاً أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه البياني الذي تنتهجه المجموعة المتكلمة في القرآن كله، والذين لا يتكلمون إلا بصيغة الجمع! 

قم بقراءة الدراسة التي بعنوان:

المجموعة المتكلمة في القرآن.


وأساليب أخرى مثل ربط الماضي بالحاضر، للدلالة على وحدة الأمة والملّة ودعوة كل النبيين، كربط قصص إبراهيم بالأميين، أو بالذين آمنوا.


أيضاً ربط عذاب أهل القرى بعذاب قرية النبي الخاتم، بوضع سياقات "معترضة" تتحدث عن ذلك، داخل سياقات تتكلم عن غيرهم، أو ربط عذاب الهلاك في الدنيا بعذاب الآخرة.


أو ربط ماضي بني إسرائيل مع موسى، بحاضرهم زمان محمد. وهو الزمان الذي يختص القرآن كله بتوجيه البيان لأهله من "العالمين" دون من جاء بعدهم، أو بعد موت ذلك النبي الأمي؛ إذ إنه كتاب شديد الخصوصية، لا يتوجه بالبيان إلا إليهم، وهو لمن بعدهم "بقيّة" من الله، وليس كتاباً مُصاغاً ليتوجه إليهم!.



كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.


الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.


عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا "الفن"!


قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مراراً وتكراراً، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها.









المثال التاسع والخمسون:


(وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَا وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ ١٣٧ وَجَٰوَزۡنَا بِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتَوۡاْ عَلَىٰ قَوۡمٖ يَعۡكُفُونَ عَلَىٰٓ أَصۡنَامٖ لَّهُمۡ قَالُواْ يَٰمُوسَى ٱجۡعَل لَّنَآ إِلَٰهٗا كَمَا لَهُمۡ ءَالِهَةٞ قَالَ إِنَّكُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ١٣٨ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ مُتَبَّرٞ مَّا هُمۡ فِيهِ وَبَٰطِلٞ مَّا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٣٩ قَالَ أَغَيۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِيكُمۡ إِلَٰهٗا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٤٠ وَإِذۡ أَنجَيۡنَٰكُم مِّنۡ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ يَسُومُونَكُمۡ سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبۡنَآءَكُمۡ وَيَسۡتَحۡيُونَ نِسَآءَكُمۡ وَفِي ذَٰلِكُم بَلَآءٞ مِّن رَّبِّكُمۡ عَظِيمٞ ١٤١ وَوَٰعَدۡنَا مُوسَىٰ ثَلَٰثِينَ لَيۡلَةٗ وَأَتۡمَمۡنَٰهَا بِعَشۡرٖ فَتَمَّ مِيقَٰتُ رَبِّهِ أَرۡبَعِينَ لَيۡلَةٗ وَقَالَ مُوسَىٰ لِأَخِيهِ هَٰرُونَ ٱخۡلُفۡنِي فِي قَوۡمِي وَأَصۡلِحۡ وَلَا تَتَّبِعۡ سَبِيلَ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٤٢ وَلَمَّا جَآءَ مُوسَىٰ لِمِيقَٰتِنَا..).[الأعراف].


العبارة المظللة هي "جملة معترضة"، وضعت في قلب السياق القصصي -موسى مع بني إسرائيل-.



العبارة المظللة هي خطاب موجه لبني إسرائيل على عهد النبي محمد، تبين لهم -كغيرها من الآيات- نعم الله عليهم، وتذكرهم بها، وتأمرهم بشكرها، والإيمان بالنبي الأمّيّ الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.


بالطبع.. فمقصود هذه الآية ومثيلاتها هو بيان فضل الله على بني إسرائيل كقومية مميزة عن الناس في ذلك الوقت، وليسوا هم بعينهم الأفراد الذين تم تنجيتهم من آل فرعون، وليسوا هم الذين كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، وإنما هم آباؤهم.


المقصود هنا هو الانتباه إلى أن الآية المظللة ليست ضمن السياق القصصي، وإنما هي خطاب موجه لبني إسرائيل زمان محمد، من الذين نزل فيهم القرآن.







المثال الستون:


﴿وَكَتَبۡنَا لَهُ فِی ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ مَّوۡعِظَةࣰ وَتَفۡصِیلࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ فَخُذۡهَا بِقُوَّةࣲ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ یَأۡخُذُوا۟ بِأَحۡسَنِهَا سَأُو۟رِیكُمۡ دَارَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾ [الأعراف ١٤٥]


معنى الآية:


وكتبنا له في الألواح موعظةً من كل شيء، وكتبنا له أيضاً فيها تفصيلاً لكل شيء، فخذها بقوة..


بالتالي فإن الكلمة المظللة (موعظة)، متأخرة عن مكانها الذي تعطي فيه المعنى المُراد لها، والذي هو كالآتي:


﴿وَكَتَبۡنَا لَهُ فِی ٱلۡأَلۡوَاحِ مَّوۡعِظَةࣰ مِن كُلِّ شَیۡءࣲ وَتَفۡصِیلࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ فَخُذۡهَا بِقُوَّةࣲ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ یَأۡخُذُوا۟ بِأَحۡسَنِهَا سَأُو۟رِیكُمۡ دَارَ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾.



ملاحظة: 


المقصود من عبارة: (وَتَفۡصِیلࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ)، 

أو عبارة: (وَنَزَّلۡنَا عَلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ تِبۡیَـٰنࣰا لِّكُلِّ شَیۡءࣲ)، 

هو التفصيل والبيان الذي تستقيم عليه شؤون حياتهم، ويفْصِل بين ما اختلط عليهم من أمور الحق والباطل، ولا يترك لهم حراماً خبيثاً إلا بينه لهم، ولا يبقى لهم استشكال في أمور دينهم إلى وضحه. 


أما ما عدا ذلك من أمور المعيشة وغيرها فليست المقصودة من عبارة (كل شيء)، وإنما هي أمور نسبية من زمن لآخر، ومن مجتمع لآخر، لا علاقة لها بتشريع، ولا ميزة فيها لقوم على غيره..، ولا يُقصد منها بأي شكل من الأشكال أن كتاب محمد -القرآن- أو كتاب موسى، فيهما بيان لكل صغيرة وكبيرة، وكل شاردة وواردة!، وإنما ذلك من سوء الفهم، وتحميل آيات الله ما لا تحتمله، والتقوّل على الله بغير علم..، الأمر الذي يفتح لديك باباً للتأمل فيما عليه الناس، ومقارنته بالذي أمرهم الله به في كتابه، لتتمكن من رؤية عِظم الفجوة بين دين الله، وبين ما تم نسبته وإلصاقه كذباً بالله وآياته!.








المثال الحادي والستون:


﴿قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنِّي ٱصۡطَفَيۡتُكَ عَلَى ٱلنَّاسِ بِرِسَٰلَٰتِي وَبِكَلَٰمِي فَخُذۡ مَآ ءَاتَيۡتُكَ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ١٤٤ وَكَتَبۡنَا لَهُ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ فَخُذۡهَا بِقُوَّةٖ وَأۡمُرۡ قَوۡمَكَ يَأۡخُذُواْ بِأَحۡسَنِهَا سَأُوْرِيكُمۡ دَارَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٤٥ سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَإِن يَرَوۡاْ كُلَّ ءَايَةٖ لَّا يُؤۡمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلرُّشۡدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا وَإِن يَرَوۡاْ سَبِيلَ ٱلۡغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلٗا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَكَانُواْ عَنۡهَا غَٰفِلِينَ ١٤٦ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَلِقَآءِ ٱلۡأٓخِرَةِ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ هَلۡ يُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤٧ وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِن بَعۡدِهِ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٌ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُۥ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩﴾. [الأعراف].


العبارة المظللة هي "جملة معترضة" تخللت السرد القصصي، الذي يذكر كلام الله لموسى، وما حصل أثناء ذلك من اتخاذ قومه للعجل إلهاً.


الآية المظللة هي بيان من المجموعة المتكلمة في القرآن كله -كغيرها من مئات الآيات- التي تتحدث عن الذين يكذّبون بالآيات زمان محمد، الذين تنزلت عليهم تلك الآيات.


الآية المظللة لا تنتمي لذلك السياق القصصي، وإنما تتحدث عن المكذبين بالآيات من بني إسرائيل زمان محمد، وتَقْرِنهم بأولئك المكذبين من بني إسرائيل من قوم موسى، وفيها ما فيها من الوعيد لهم.







المثال الثاني والستون:


﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِن بَعۡدِهِ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيۡهِ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤﴾. [الأعراف].


هذا السياق الطويل من الآيات ينقسم إلى قسمين، كل قسم متداخل بالآخر:


القسم الأول: هو الحديث عن اتخاذ قوم موسى العجل، ثم بيان عاقبة فعلتهم، وهذا القسم تحدده الآيات المظللة بالأصفر.


القسم الثاني: الحديث عما جرى بين موسى وقومه من توبيخه لهم، ومعاتبته لأخيه الأصغر غير الشقيق -أخوه من أمه- هارون. 

وهذا القسم تحدده باقي الآيات، -الآيات غير المظللة-.


الجزء الثاني من الآيات المظللة: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ..) هو بمثابة بيان من الله وتعقيب على فعلتهم، بيّنه لموسى من قبل أن يرجع لقومه، على الرغم من أنه تم إيراده بشكل منفصل عن سياقه في الجزء الأول من الآيات المظللة، في ترتيب يتوهم منه القارئ أنه جاء بعد رجوع موسى إلى قومه، وهذا خطأ. 


والدليل على ذلك هو كالآتي:


﴿وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥ فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي ٨٦ قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ ٨٧﴾ 

«طه 83 - طه 87»


هذا السياق من سورة أخرى يبين لك ما قاله لهم لما رجع إليهم غضبان أسفاً: 

(أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ..).


وهذا الوعيد عَلِمه موسى من الله، قبل أن يرجع، ثم لمّا رجع واجه به قومه: 

(إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ من رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ..). كما جاء في الآيات المظللة. 


الأمر الذي يؤكد لك أنها من ضمن البيان الذي وُجّه لموسى أثناء الميقات، لكن تم تأخيرها عن مكانها الأصلي كما عشرات الأمثلة التي أُبينها لك في هذه السلسلة.



ملاحظة: 

هذا السياق من السورة الأخرى "طه"، جاء فيه أيضاً تقديم لآيات عن مواضعها، وقد تحدثتُ عنها في الجزء السابق من هذه السلسلة.


الآن..

قم بضم الآيات المظللة بعضها لبعض ليصبح السياق العام كالآتي:



﴿وَٱتَّخَذَ قَوۡمُ مُوسَىٰ مِن بَعۡدِهِ مِنۡ حُلِيِّهِمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمۡ وَلَا يَهۡدِيهِمۡ سَبِيلًاۘ ٱتَّخَذُوهُ وَكَانُواْ ظَٰلِمِينَ ١٤٨ وَلَمَّا سُقِطَ فِيٓ أَيۡدِيهِمۡ وَرَأَوۡاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ ضَلُّواْ قَالُواْ لَئِن لَّمۡ يَرۡحَمۡنَا رَبُّنَا وَيَغۡفِرۡ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ١٤٩  إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ سَيَنَالُهُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَذِلَّةٞ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي ٱلۡمُفۡتَرِينَ ١٥٢ وَٱلَّذِينَ عَمِلُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِنۢ بَعۡدِهَا وَءَامَنُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١٥٣ وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗا قَالَ بِئۡسَمَا خَلَفۡتُمُونِي مِنۢ بَعۡدِيٓ أَعَجِلۡتُمۡ أَمۡرَ رَبِّكُمۡ وَأَلۡقَى ٱلۡأَلۡوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأۡسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيۡهِ قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِي وَكَادُواْ يَقۡتُلُونَنِي فَلَا تُشۡمِتۡ بِيَ ٱلۡأَعۡدَآءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِي مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥٠ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَلِأَخِي وَأَدۡخِلۡنَا فِي رَحۡمَتِكَ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ ١٥١ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى ٱلۡغَضَبُ أَخَذَ ٱلۡأَلۡوَاحَ وَفِي نُسۡخَتِهَا هُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلَّذِينَ هُمۡ لِرَبِّهِمۡ يَرۡهَبُونَ ١٥٤﴾. [الأعراف]


قم بقراءة السياق، ولاحظ كيف أن الأحداث أصبحت مرتبة ترتيباً منطقياً متكاملاً!.






المثال الثالث والستون:


﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُ سَبۡعِينَ رَجُلٗا لِّمِيقَٰتِنَا فَلَمَّآ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِيَّٰيَ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ إِنۡ هِيَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَآءُ وَتَهۡدِي مَن تَشَآءُ أَنتَ وَلِيُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡغَٰفِرِينَ ١٥٥ وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَآ إِلَيۡكَ قَالَ عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِ مَنۡ أَشَآءُ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَىٰهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٥٧ قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ ١٥٨ وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ ١٥٩ وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗا وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ إِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰهُ قَوۡمُهُ أَنِ ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَ فَٱنۢبَجَسَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗا قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡ..). [الأعراف]



إذا قمت بقراءة السياق من بدايته إلى نهايته قراءة متفحصة، ستجد أن العبارة المظللة "اعترضت" السياق القصصي الذي يتحدث عن بني إسرائيل قوم موسى، عن الرغم من أنها تُعطي بياناً مختلفاً عن السرد القصصي!.


الآيات المظللة ليست من جنس ذلك السياق القصصي، على الرغم من توسطها له!.


العبارة المظللة تبيّن ثواب الذين آمنوا بذلك النبي الأمّيّ من بني إسرائيل في زمانه، ولا تتحدث عن بني إسرائيل قوم موسى!:

(وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِنَا يُؤۡمِنُونَ ١٥٦ ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ…).



ينتهي السياق القصصي عند عبارة: (...عَذَابِيٓ أُصِيبُ بِهِ مَنۡ أَشَآءُ وَرَحۡمَتِي وَسِعَتۡ كُلَّ شَيۡءٖ فَسَأَكۡتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ). 


لتبدأ العبارة المظللة بالحديث عن موضوع خارج عن السياق القصصي، وهو بيان ثواب من استجاب لذلك الأمر منهم في زمان محمد!.

ثم تستمر العبارة المظللة في السير خارج السياق القصصي، لتأمر النبي الأمّي بأن يقول لقومه: 

(قل يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡ جَمِيعًا ٱلَّذِي لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ يُحۡيِي وَيُمِيتُ).


هنا انتهى القول الذي أُمر أن يقوله لقومه، لتستمر العبارة المظللة بالسير في اتجاه مختلف عن السياق القصصي: (فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِ ٱلنَّبِيِّ ٱلۡأُمِّيِّ ٱلَّذِي يُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَكَلِمَٰتِهِ وَٱتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ)، وهذا أمر لبني إسرائيل الذين عاصروا النبيّ الأميّ، ونزل عليهم القرآن.


وهذا الأمر ليس من القول الذي أُمر أن يقوله لهم، وإنما هو من قول المجموعة المتكلمة في القرآن، وهو أمر موجه لهم.



انتهت العبارة المظللة "المعترضة" في قلب السياق القصصي، ليعود السياق لاستكمال الحديث عن بني إسرائيل قوم موسى: (وَمِن قَوۡمِ مُوسَىٰٓ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ ١٥٩)


وهذه أمّة -مجموعة- خيّرة مؤمنة من قومه. 

بمعنى أنْ ليس كل قومه من بني إسرائيل فُسّاق، وإنما فيهم الأخيار.


كذلك فإن بني إسرائيل في زمان محمد أو ممن عاصروه ونزل عليهم القرآن، منهم أيضاً: (أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ). كما كانوا على عهد موسى تماماً.





ملاحظة:


كلمة (يعدلون) يُراد بها هنا معنىً إيجابياً، وهو أنهم يهدون بالكتاب المنزل عليهم والذي هو (الحق) من ربهم، وبذلك الكتاب يعدلون بين الناس كما أمرتهم آياته.


وهناك موضع آخر يذكر هذه الكلمة بصورة إيجابية:


﴿وَمِمَّنۡ خَلَقۡنَآ أُمَّةٞ يَهۡدُونَ بِٱلۡحَقِّ وَبِهِ يَعۡدِلُونَ ١٨١ وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا سَنَسۡتَدۡرِجُهُم مِّنۡ حَيۡثُ لَا يَعۡلَمُونَ ١٨٢﴾ [الأعراف]


والمعنى واضح..

ممن خلقنا أمة مؤمنة يهدون بالحق -رسالات الله-، ويعدلون بها بين الناس، على عكس الصنف الآخر الذين كذبوا بالآيات: (وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا..).




وقد يراد بها معنى سلبياً يدل على الكفر والتكذيب بالآيات، مثل:


﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ ٱلظُّلُمَـٰتِ وَٱلنُّورَ ثُمَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام ١]


فالذين كفروا بدلاً من أن يستجيبوا للآيات، وبدلاً من أن يؤمنوا بها ويَعدلوا بها بين الناس..، بدلاً من ذلك راحوا يعدلون بالله آلهة أخرى جعلوها شركاء له في الخلق والتدبير وتقرير المصير!.



وهناك أمثلة أخرى:


﴿قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَاۤءَكُمُ ٱلَّذِینَ یَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَـٰذَا فَإِن شَهِدُوا۟ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا وَٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱلۡـَٔاخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ یَعۡدِلُونَ﴾ [الأنعام ١٥٠]


﴿أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِ حَدَاۤىِٕقَ ذَاتَ بَهۡجَةࣲ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَاۤ أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِ بَلۡ هُمۡ قَوۡمࣱ یَعۡدِلُونَ﴾. [النمل ٦٠]

 

عدَلوا بالله آلهة أخرى، على الرغم من أنهم -قوم محمد أو الذين نزل عليهم القرآن- يُقرّون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي ينزل الماء من السماء!.


طبعاً إلى جانب أنهم لا يظنون بالحياة الآخرة أو القيامة أو الجنة والنار، ولا يؤمنون بالبعث، على الرغم من إقرارهم بالله الذي في السماء، وإقرارهم أنه خلقهم، بل ويجعلون له الولد من الإناث دون الذكور، حيث إنهم جعلوا الملائكة إناثاً، وقالوا هي بنات الله!. ولاحظ أنهم أيضاً لم يجحدوا حقيقة وجود الملائكة!. 



الكفار في كل زمان ومكان يفترون الكذب على الله، على الرغم من عدم إنكاره من الأساس!.


وما ذلك إلا ليجعلوا من الله أداة بأيديهم يُسَيّرون بها الأمم، ويمتطون بها ظهورهم ويُعَبّدونهم لهم، كمثْل الدين الوضعي الذي عليه "المسلمون" منذ قرون، والقائم على تنحية القرآن، واختراع البروتوكولات والأجندات البشرية، القائمة على تسيير الناس داخل دوامة لا نهاية لها من الطقوس والشعوذات والمهازل والسخافات، والمسماة "أحاديث" أو "فقه" أو " تفسير" أو "سيرة" أو "تاريخ"، والتي لا حقيقة لها من الأساس، وإن صح شيء منها تاريخياً، فإنه لا يمت للقرآن، ولا لله، ولا لنبيه الأمّيّ محمد بصلة!.


أعود بك الآن إلى الموضوع الرئيسي بعد هذه الالتفاتة..

لنرى أن السياق المظلل -الخارج عن السياق القصصي الطويل- قد انتهى، ليستمر السياق القصصي الطويل بسرد الأحداث: (وَقَطَّعۡنَٰهُمُ ٱثۡنَتَيۡ عَشۡرَةَ أَسۡبَاطًا أُمَمٗا..).


أي أنه بإمكانك إخراج السياق المظلل كاملاً من النص!.






المثال الرابع والستون:


﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤ أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥ إِنَّ وَلييَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧ وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨ خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١ وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢ وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَا قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسۡجُدُونَۤ ٢٠٦﴾. [الأعراف]




السياق مفكك غير مترابط!، إذ هناك حديث عن المكذبين الذين: (وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨).


ثم الأمر للنبي: (خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩).


ثم وصف للمتقين: (إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١).


لنتفاجأ بوصف عائد على (الجاهلين)، هو: 

(وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ..).


هذا الوصف جاء بعد ذكر المتقين مباشرة، في أسلوب يُخيِّل للقارئ أنه عائد على (ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ)!!.


لكن.. إن أحطت علماً بطريقة القرآن في إيراد العبارات بصورة "اعتراضية"، تمكنت من حل اللغز، والخروج بالصورة الكاملة المخبأة داخل السياق!.


الآيات المظللة تأخرت عن مكانها الأصلي، والذي هو بعد الآية ١٩٨ مباشرة!.

قم بإرجاعها إلى مكانها ليصبح السياق كالآتي:



﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ عِبَادٌ أَمۡثَالُكُمۡ فَٱدۡعُوهُمۡ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٩٤ أَلَهُمۡ أَرۡجُلٞ يَمۡشُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ أَيۡدٖ يَبۡطِشُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ أَعۡيُنٞ يُبۡصِرُونَ بِهَآ أَمۡ لَهُمۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَا قُلِ ٱدۡعُواْ شُرَكَآءَكُمۡ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنظِرُونِ ١٩٥ إِنَّ وَلييَ ٱللَّهُ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ وَهُوَ يَتَوَلَّى ٱلصَّٰلِحِينَ ١٩٦ وَٱلَّذِينَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَكُمۡ وَلَآ أَنفُسَهُمۡ يَنصُرُونَ ١٩٧ وَإِن تَدۡعُوهُمۡ إِلَى ٱلۡهُدَىٰ لَا يَسۡمَعُواْ وَتَرَىٰهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ وَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ ١٩٨ وَإِخۡوَٰنُهُمۡ يَمُدُّونَهُمۡ فِي ٱلۡغَيِّ ثُمَّ لَا يُقۡصِرُونَ ٢٠٢ وَإِذَا لَمۡ تَأۡتِهِم بِـَٔايَةٖ قَالُواْ لَوۡلَا ٱجۡتَبَيۡتَهَا قُلۡ إِنَّمَآ أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ مِن رَّبِّي هَٰذَا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٠٣ خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ نَزۡغٞ فَٱسۡتَعِذۡ بِٱللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٠٠ إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ إِذَا مَسَّهُمۡ طَٰٓئِفٞ مِّنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبۡصِرُونَ ٢٠١ وَإِذَا قُرِئَ ٱلۡقُرۡءَانُ فَٱسۡتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٢٠٤ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ فِي نَفۡسِكَ تَضَرُّعٗا وَخِيفَةٗ وَدُونَ ٱلۡجَهۡرِ مِنَ ٱلۡقَوۡلِ بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلۡغَٰفِلِينَ ٢٠٥ إِنَّ ٱلَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسۡجُدُونَۤ ٢٠٦﴾. [الأعراف]



وهكذا تكون الصورة قد اكتملت، والإشكالات قد زالت، والمعاني قد اتضحت، إذ إن الآيات المظللة هي مزيد وصف للمشركين الذين يدعون مع الله آلهة أخرى، من دون دعاء الله وحده.