أخطاء القراء 6
أخطاء
"القرّاء"
المجموعة السادسة
تم إخفاء الحقبة التاريخية الحقيقية لخاتم النبيين ﴿مُّحَمَّد رَّسُولُ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ مَعَهُ)، واستبدالها بحقبة متأخرة ومزيفة لا تمت لها ولا للقرآن بصلة.
بل وقاموا باختراع دين وضعي جديد حرّفوا به معاني القرآن، ونسبوه لذلك النبي "الأميّ"!.
لم يسْلَم لفظ "الأميّ" أيضاً من التحريف، حيث جعلوه وصفاً يُسقطونه على الرجل الذي "لا يعرف القراءة والكتابة" على حد زعمهم!.
الأمر الذي يناقض القرآن بأبشع صور المخالفة لوحي الله، ويُسيء بالضرورة لرسوله!.
"الأميون":
هم الغافلون عن دراسة الكتاب وما فيه من الهدى، في الحقبة المحصورة بين موسى ومحمد، لأنه كان مُستحفظاً بأيدي مجموعة محددة من الناس هم أهل الكتاب.
والنبي الأمي هو النبي المبعوث في الأميين، وهو مثلهم كان ضالاً عن هدى الله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَاۤلࣰّا فَهَدَىٰ ٧﴾ [الضحى].
الأميون هم الذين يشير إليهم القرآن بكلمة "الناس"، وهم قوم النبي الخاتم، وبقية أهل القرى.
أمّا كلمة: "العالمين"، و كلمة: "كافة الناس"، وكلمة: "الناس أجمعين"، فهي كلمات تشير إلى كافة الناس زمان محمد، بقسميهم: الأميون وأهل الكتاب من بني إسرائيل:
﴿فَإِنۡ حَاۤجُّوكَ فَقُلۡ أَسۡلَمۡتُ وَجۡهِیَ لِلَّهِ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡأُمِّیِّـۧنَ ءَأَسۡلَمۡتُمۡ فَإِنۡ أَسۡلَمُوا۟ فَقَدِ ٱهۡتَدَوا۟ وَّإِن تَوَلَّوۡا۟ فَإِنَّمَا عَلَیۡكَ ٱلۡبَلَـٰغُ وَٱللَّهُ بَصِیرُ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠﴾ [آل عمران].
فكافة الناس والعالمين في زمانه هم إما أميون لا يعلمون الكتاب، وإما أهل كتاب -الذين منهم هؤلاء الذين أوتوا الكتاب-.
ملاحظة:
حتى أهل الكتاب من ضمنهم أناس أميون لا يعلمون الكتاب، إلا أمانيّ كاذبة ينسبونها له:
﴿وَمِنۡهُمۡ أُمِّیُّونَ لَا یَعۡلَمُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّاۤ أَمَانِیَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا یَظُنُّونَ ٧٨﴾ [البقرة].
والذي يعنينا هنا، هو بيان أن القرآن العظيم تم الاختلاف في قراءته ونطق كلماته على وجوه كثيرة جداً!، ثم تم التواطؤ على تسميتها "قراءات"، ولكل "قراءة" منها رجل متخصص تم الاصطلاح على تسميته "قارئ"!.
ثم صاروا ينسبون تلك الاختلافات لله، ويضعون فيها "أحاديث" تخبر كذباً أنها جميعاً نزلت من عند الله!.
واليوم عند دراسته كما أمر الله:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُؤۡتِیَهُ ٱللَّهُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحُكۡمَ وَٱلنُّبُوَّةَ ثُمَّ یَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا۟ عِبَادࣰا لِّی مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَـٰكِن كُونُوا۟ رَبَّـٰنِیِّـۧنَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ ٧٩﴾ [آل عمران].
كونوا ربانيين بما كنتم "تَعْلَمون" الكتاب، وبما كنتم تدرسون من آياته.
وهنا أخطأوا في قراءة كلمة "تعلمون"، والصواب كما كتبتها لك، فهم أهل كتاب يعلَمونه، بخلاف الأميين الذين لا يعلمونه!.
وقد تحدثت عنها في موضعها ضمن هذه السلسلة.
﴿فَخَلَفَ مِن بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ یَأۡخُذُونَ عَرَضَ هَـٰذَا ٱلۡأَدۡنَىٰ وَیَقُولُونَ سَیُغۡفَرُ لَنَا وَإِن یَأۡتِهِمۡ عَرَضࣱ مِّثۡلُهُ یَأۡخُذُوهُ أَلَمۡ یُؤۡخَذۡ عَلَیۡهِم مِّیثَـٰقُ ٱلۡكِتَـٰبِ أَن لَّا یَقُولُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّ وَدَرَسُوا۟ مَا فِیهِ وَٱلدَّارُ ٱلۡـَٔاخِرَةُ خَیۡرࣱ لِّلَّذِینَ یَتَّقُونَ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٦٩﴾ [الأعراف].
فخلف من بعدهم "خَلَف"، ورثوا الكتاب، لكنهم قالوا على الله غير الحق، على الرغم من أنهم درسوا ما فيه، وعلموا ما يأمرهم به، وما ينهاهم عنه!.
ولاحظ الخطأ في قراءة "خلف"، والصواب هو بفتح اللام، كما كتبتُها أمامك، وقد تحدثت عنها في موضعها من هذه السلسلة.
﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُم مِّن كُتُبࣲ یَدۡرُسُونَهَا وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ ٤٤﴾ [سبأ].
فالأميون -الذين منهم قوم محمد-، لم يؤتهم الله كتباً يدرسونها، ولم يرسل إليهم نذيراً قبلك يا محمد، فمن أين جاؤوا بمزاعمهم التي ينسبونها لله، كزعم اتخاذه الولد من الملائكة: ﴿وَیَوۡمَ یَحۡشُرُهُمۡ جَمِیعࣰا ثُمَّ یَقُولُ لِلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ أَهَـٰۤؤُلَاۤءِ إِیَّاكُمۡ كَانُوا۟ یَعۡبُدُونَ ٤٠﴾ [سبأ].
وهي الآية التي سبقتها.
وكذلك موضع آخر مشابه:
﴿أَمۡ لَكُمۡ كِتَـٰبࣱ فِیهِ تَدۡرُسُونَ ٣٧ إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ ٣٨﴾ [القلم].
هل لكم كتاب من عند الله تدرسونه، فتتخيرون منه ما تشاؤون من هذا الزور الذي تنسبونه لله؟!
بالطبع لا، فإنهم أميون لا كتاب لهم ليدرسوه!، فضلاً عن أن الله لا يأمر بالفحشاء التي يأتون بها!، وإنما هي من أهوائهم وشياطينهم.
﴿وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥ أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦ أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَا سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧﴾ [الأنعام].
هذه الآيات تصف احتجاج الأميين الضالين -من قوم محمد وأهل القرى في زمانه-، في حال لم يرسل الله إليهم رسولاً بالكتاب بشيراً ونذيراً.
فإنهم حينها سوف يزعمون أنهم لو أُنزل إليهم الكتاب لكانوا أهدى من الطائفتين اليهود والنصارى!.
فها هو الكتاب قد نزل عليكم، ونبيكم منكم، فلماذا لا تستجيبون وتؤمنون.
عند دراسته كما أمَرَنا الله؛ نستطيع استخراج وكشف تلك الأخطاء وإرجاعها إلى الصواب الموافق للحق، والمتّسق مع بقية الكتاب!.
فالقرآن كتاب متكامل، وهو آية بيّنة يشهد لنفسه بنفسه.
ولا يمكن لأحد أن يتقول عليه وينسب الخطأ إليه؛ إلا ويخبرك من داخله أن هذا الموضع هو خطأ، ثم يلفظه أمامك ولا يبقي عليه، ثم يُفَصّل لك الصواب فيه تفصيلاً، ويصحح لك الخطأ تصحيحاً!.
ولأجل ذلك..
فهذه سلسلة متّصلة من "الدراسات"، أقوم من خلالها بتفصيل وبيان وتصحيح تلك الأخطاء.
فقم بدراستها ومراجعتها باستمرار، علَّك تكون من "الربانيين" الذين يتعلمون الكتاب ويدرسونه، ويعبدون ربهم حتى يأتيهم اليقين.
الخطأ السادس والثلاثون:
﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَآءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٨٤ ثُمَّ أَنتُمۡ هَـٰۤؤُلَاۤءِ تَقۡتُلُونَ أَنفُسَكُمۡ وَتُخۡرِجُونَ فَرِیقࣰا مِّنكُم مِّن دِیَـٰرِهِمۡ تَظَـٰهَرُونَ عَلَیۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰنِ وَإِن یَأۡتُوكُمۡ أُسَـٰرَىٰ تُفَـٰدُوهُمۡ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَیۡكُمۡ إِخۡرَاجُهُمۡ أَفَتُؤۡمِنُونَ بِبَعۡضِ ٱلۡكِتَـٰبِ وَتَكۡفُرُونَ بِبَعۡضࣲ فَمَا جَزَاۤءُ مَن یَفۡعَلُ ذَ ٰلِكَ مِنكُمۡ إِلَّا خِزۡیࣱ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یُرَدُّونَ إِلَىٰۤ أَشَدِّ ٱلۡعَذَابِ وَمَا ٱللَّهُ بِغَـٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ٨٥﴾ [البقرة].
الخطأ: تَظاهَرون، بفتح التاء والهاء.
الصواب: تُظاهِرون، بضم التاء وكسر الهاء.
تَقتُلون أنفسكم..
تُخرِجون فريقاً منكم..
تُظاهِرون عليهم بالإثم والعدوان..
تَقتُلون.. تُخرِجون.. تُظاهِرون.
فهو يوجه الخطاب إليهم: "تَقتُلون.. تُخرِجون"، ثم نتفاجأ بأنه يتحدث عن مظاهرتهم بصيغة لا تفيد مخاطبتهم: "تَظَاهَرُونَ"، وهنا مكمن الخطأ، ولا تستقيم بأي حال، وهي خطأ تركيبي واضح!.
فيجوز القول: "هم تَظَاهروا"، في وصف أناس قاموا بهذا الفعل في وقت سابق.
ويجوز القول: "هم يُظاهِرون"، في وصف قيامهم بهذا الفعل، وهم مستمرون إلى الآن.
ويجوز القول: "أنتم تُظاهِرون"، في توجيه الخطاب إليهم، وبيان استمرارهم بالفعل حتى الآن.
ويجوز القول: "لا تُظَاهِروا"، في نهيهم عن القيام بالفعل.
لكن لا يجوز القول: "أنتم تَظَاهَرون"، في وصف استمرار قيامهم بالفعل!.
فهو خطأ بياني تركيبي، ولا يصح استخدام الكلمات بهذه الطريقة!.
ومعنى: (تُظَاهِرُونَ عَلَیۡهِم بِٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَ ٰنِ)، أي تُحَرِّضون عليهم.
خذ الأمثلة التي تثبت لك الخطأ في قراءتها بالفتح بدل الضم، والخطأ في البناء للغائب بدلاً من البناء للمخاطَب:
1- ﴿مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلࣲ مِّن قَلۡبَیۡنِ فِی جَوۡفِهِ مَا جَعَلَ أَزۡوَ ٰجَكُمُ ٱلَّـٰۤـِٔی تُظَـٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَـٰتِكُمۡ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِیَاۤءَكُمۡ أَبۡنَاۤءَكُمۡ ذَ ٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَ ٰهِكُمۡ وَٱللَّهُ یَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ یَهۡدِی ٱلسَّبِیلَ ٤﴾ [الأحزاب].
تُظاهِرون، وليس تَظاهَرون كما هي موضع الخطأ.
ومعناها: تُحَرِّضون أنفسكم على كرههن، أو تَحمِلون أنفسكم على ذلك.
2- ﴿إِلَّا ٱلَّذِینَ عَـٰهَدتُّم مِّنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ ثُمَّ لَمۡ یَنقُصُوكُمۡ شَیۡـࣰٔا وَلَمۡ یُظَـٰهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا فَأَتِمُّوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ عَهۡدَهُمۡ إِلَىٰ مُدَّتِهِمۡ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَّقِینَ ٤﴾ [التوبة].
(لَمۡ یُظَاهِرُوا۟ عَلَیۡكُمۡ أَحَدࣰا): أي لم يُحَرِّضوا عليكم أحداً.
لم يقوموا بالتحريض عليكم.
3- ﴿ٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَاۤىِٕهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَـٰتِهِمۡ إِنۡ أُمَّهَـٰتُهُمۡ إِلَّا ٱلَّـٰۤـِٔی وَلَدۡنَهُمۡ وَإِنَّهُمۡ لَیَقُولُونَ مُنكَرࣰا مِّنَ ٱلۡقَوۡلِ وَزُورࣰا وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورࣱ ٢ وَٱلَّذِینَ یُظَـٰهِرُونَ مِن نِّسَاۤىِٕهِمۡ ثُمَّ یَعُودُونَ لِمَا قَالُوا۟ فَتَحۡرِیرُ رَقَبَةࣲ مِّن قَبۡلِ أَن یَتَمَاۤسَّا ذَ ٰلِكُمۡ تُوعَظُونَ بِهِ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ ٣﴾ [المجادلة].
ولاحظ كيف تم قراءتها بالضم بالشكل الصحيح "یُظَاهِرُونَ".
ومعناها: يتحاملون عليهن، ويُلزِمون أنفسهم كرهَهُن، ويسعَون في التخلص منهن.
4- ﴿فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ٤٨﴾ [القصص].
لاحظ كيف يوصفان بأنهما تَظَاهرا، أي تعاونا وتعاضدا.
ولو تَوَجَّه الخطاب إليهما لكانت: "أنتما تُظَاهِران علينا"، أي تُوَطِّنان نفسَيْكما على مُعاداتنا.
ولا يصح أن تكون بالفتح عند توجيه الخطاب إليهما: "أنتم تَظَاهران" كما هو موضع الخطأ!.
وبالنسبة ل "القراء"، فقد قام معظمهم بتشديد الظاء، مع المحافظة على تشكيل الكلمة كما هو، "تَظَّاهَرون". وهو أيضاً خطأ.
وهذا يوحي بأنهم استشكل عليهم الأمر، وعلموا أن هناك خطأً في الصياغة والبناء والتركيب لهذه الكلمة، لكن لم يصل أحد منهم إلى الشكل الصحيح للقراءة، والمتوافق مع مثيلاتها في القرآن، وهو الذي بَيّنتُه لك.
وهناك خطأ آخر يندرج تحت نفس التصنيف، أبينه لك في المثال الآتي:
الخطأ السابع والثلاثون:
(وَإِذۡ أَسَرَّ ٱلنَّبِيُّ إِلَىٰ بَعۡضِ أَزۡوَٰجِهِ حَدِيثٗا فَلَمَّا نَبَّأَتۡ بِهِ وَأَظۡهَرَهُ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ عَرَّفَ بَعۡضَهُ وَأَعۡرَضَ عَن بَعۡضٖ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتۡ مَنۡ أَنبَأَكَ هَٰذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡخَبِيرُ ٣ إِن تَتُوبَآ إِلَى ٱللَّهِ فَقَدۡ صَغَتۡ قُلُوبُكُمَا وَإِن تَظَٰهَرَا عَلَيۡهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ هُوَ مَوۡلَىٰهُ وَجِبۡرِيلُ وَصَٰلِحُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَعۡدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ ٤) [التحريم].
الخطأ: تَظاهَرا، بفتح التاء والهاء.
الصواب: تُظاهِرا، بضم التاء وكسر الهاء.
وهو على نفس مبدأ الخطأ في المثال السابق، إذ تم قراءة الكلمة لتتوجه للغائب!، على الرغم من أن السياق يخاطبهما مباشرة -اثنتين من أزواج النبي-.
إن تتوبا -أنتما- فقد صغت قلوبكما.
وإن تُظَاهِرا -أنتما- عليه فإن الله مولاه..
أما بالنسبة لموضع الخطأ..
فهو لا يصلح إلا للحديث عنهما: "هما تَظاهَرا عليه".
ولا يصح في توجيه الخطاب إليهما "إن تَظاهَرا عليه"!.
بل يجب أن تكون: "إن تُظَاهِرا عليه".
مثال:
﴿فَلَمَّا جَاۤءَهُمُ ٱلۡحَقُّ مِنۡ عِندِنَا قَالُوا۟ لَوۡلَاۤ أُوتِیَ مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰۤ أَوَلَمۡ یَكۡفُرُوا۟ بِمَاۤ أُوتِیَ مُوسَىٰ مِن قَبۡلُ قَالُوا۟ سِحۡرَانِ تَظَـٰهَرَا وَقَالُوۤا۟ إِنَّا بِكُلࣲّ كَـٰفِرُونَ ٤٨﴾ [القصص].
عند الحديث عنهما: "هما تَظَاهرا".
أما عند توجيه الخطاب إليهما وإدانتهما: "أنتما تُظَاهِرا".
وعند الوعيد والتهديد تصبح: "إن تُظَاهِرا"
ملاحظة:
هناك خطأ في قراءة "ساحران"، إذ إنهم لم يضيفوا لها الألف المدية، فقرأوها "سحران"!، وسيأتي بيانها في الأجزاء القادمة.
والساحران المقصودان اللذان تظاهرا -على حد زعمهم-، هما موسى وهارون.
وبالنسبة ل "القراء" فقد قام معظمهم بتشديد الظاء "تَظَّاهَرا"، وهو خطأ كما بينت لك في المثال السابق، ولم يُفلح أحد منهم في الوصول إلى الصواب فيها.
الخطأ الثامن والثلاثون:
﴿فَلۡيَنظُرِ ٱلۡإِنسَٰنُ إِلَىٰ طَعَامِهِ ٢٤ أَنَّا صَبَبۡنَا ٱلۡمَآءَ صَبّٗا ٢٥ ثُمَّ شَقَقۡنَا ٱلۡأَرۡضَ شَقّٗا ٢٦ فَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا حَبّٗا ٢٧ وَعِنَبٗا وَقَضۡبٗا ٢٨ وَزَيۡتُونٗا وَنَخۡلٗا ٢٩ وَحَدَآئِقَ غُلۡبٗا ٣٠ وَفَٰكِهَةٗ وَأَبّٗا ٣١ مَّتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِأَنۡعَٰمِكُمۡ ٣٢﴾ [عبس].
الخطأ: أَنّا، بفتح الهمزة.
الصواب: إِنّا، بكسرها.
تم قراءتها بطريقة خاطئة بفتح الهمزة.
الأمر الذي يعطي معنى لفظة: "أَنّى" بالألف المقصورة، والمتكررة كثيراً في القرآن، والتي تفيد بيان الاستغراب وعدم جواز الشيء.
وإليك بعض الأمثلة على لفظة "أنّى":
﴿وَقَالَ لَهُمۡ نَبِیُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكࣰا قَالُوۤا۟ أَنَّىٰ یَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَیۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ یُؤۡتَ سَعَةࣰ مِّنَ ٱلۡمَالِ.. ٢٤٧) [البقرة].
﴿أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِي هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُ.. ٢٥٩) [البقرة].
﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ یَكُونُ لِی غُلَـٰمࣱ وَلَمۡ یَمۡسَسۡنِی بَشَرࣱ وَلَمۡ أَكُ بَغِیࣰّا ٢٠﴾ [مريم].
وتفيد أيضاً السَّعة والخَيَار، كمثل:
﴿نِسَاۤؤُكُمۡ حَرۡثࣱ لَّكُمۡ فَأۡتُوا۟ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡ وَقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُمۡ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّكُم مُّلَـٰقُوهُ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ٢٢٣﴾ [البقرة].
أما بالنسبة لموضع الخطأ، فلفظة "أَنّا" لا تعطي أي معنى، بل وتخالف مُراد الآية، بل ولا تُكتب بالألف الممدودة أصلاً!، وإنما بالألف المقصورة "أَنّى"، لكن ليس هو المراد.
المعنى المراد من الآيات هو كالآتي:
فلينظر الإنسان إلى طعامه..
"إنّا" صببنا الماء صباً..
ثم شققنا الأرض شقاً..
فأنبتنا فيها حباً..
-إلى آخر الآيات-.
هم يتحدثون عن أنفسهم بقولهم "إنّا".
ثم يبينون طريقة حصول الطعام للإنسان، بداية من قيامهم بصب الماء من السماء، مروراً بشقهم للأرض شقاً، وانتهاءً بذكر أصناف الطعام التي يُنبِتونها لهم.
وتلقائياً، فالمتحدث هم المجموعة المتكلمة في القرآن كله، وبإمكانك الذهاب للدراسة التفصيلية التي بعنوان: المجموعة المتكلمة في القرآن.
وبالنسبة ل "القراء"، فقد قاموا في معظمهم بقراءتها بالطريقة الصحيحة "إنّا" بكسر الهمزة.
الخطأ التاسع والثلاثون:
﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِی سِتَّةِ أَیَّامࣲ ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُ حَثِیثࣰا وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومَ مُسَخَّرَ ٰتٍ بِأَمۡرِهِ أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَـٰلَمِینَ ٥٤﴾ [الأعراف].
الخطأ: والشمسَ والقمرَ والنجومَ مسخراتٍ بأمره، بنصب كل من الشمس والقمر والنجوم، ومسخرات.
الصواب: والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ، بالضم.
قف عند كلمة "حثيثاً"، ثم ابتدِئ كلاماً جديداً بقولك:
"والشمسُ والقمرُ والنجومُ مسخراتٌ"، جميعها بالضم.
انتهى الحديث عن الغَشَيان المختص فقط بالليل والنهار:
"یُغۡشِی ٱلَّیۡلَ ٱلنَّهَارَ یَطۡلُبُهُ حَثِیثࣰا".
ثم ابتُدِئ حديث جديد عن تسخير الشمس والقمر والنجوم:
"وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمۡرِهِ"
وبالنسبة ل "القراء"، فقد أصاب في قراءتها واحد منهم فقط.
وبالنسبة للعلة في ذلك، فهي لأن القرآن يَفْصِل في بيان التسخير بين الليل والنهار من جهة، وبين الشمس والقمر والنجوم من جهة أخرى، وسوف أضع لك البراهين على ذلك في المثال المشابه القادم.
الخطأ الأربعون:
﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ وَٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَ ٰتٌ بِأَمۡرِهِ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ ١٢﴾ [النحل].
الخطأ: والشمسَ والقمرَ، بالنصب.
الصواب: والشمسُ والقمرُ، بالرفع.
ولاحظ أن الخطأ هنا هو: إلحاق الشمس والقمر، بالليل والنهار، وعطفهما عليهما!
ثم ابتِداء الكلام عن النجوم، وجعلها لوحدها هي "مسخراتٌ" بأمره!.
أي أن كلمة "وسخر" التي في بداية الآية، جعلوها لليل والنهار والشمس والقمر، أما النجوم فتم فصلها عن تلك المجموعة، وجعلوا كلمة مسخرات تعود بالوصف عليها فقط!.
لكن الصواب هو: إلحاق الشمس والقمر بالنجوم، والحديث عن تسخيرهم جميعاً، بشكل منفصل عن تسخير الليل والنهار.
فتصبح:
(وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ. وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ مُسَخَّرَ ٰتٌ بِأَمۡرِهِ).
وهذا هو الصواب الموافق لبقية الآيات التي تَفْصِل في التسخير بين الشمس والقمر والنجوم من جهة، وبين الليل والنهار من جهة أخرى، وإليك البراهين:
1- ﴿وَلَىِٕن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ. وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَیَقُولُنَّ ٱللَّهُ فَأَنَّىٰ یُؤۡفَكُونَ ٦١﴾ [العنكبوت].
لاحظ ارتباط الشمس بالقمر في الحديث عن التسخير.
2- ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی رَفَعَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ بِغَیۡرِ عَمَدࣲ تَرَوۡنَهَا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّى یُدَبِّرُ ٱلۡأَمۡرَ یُفَصِّلُ ٱلۡـَٔایَـٰتِ لَعَلَّكُم بِلِقَاۤءِ رَبِّكُمۡ تُوقِنُونَ ٢﴾ [الرعد].
ولاحظ ارتباط الشمس بالقمر، وجريان كل منهما.
3- ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ دَاۤىِٕبَیۡنِ. وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلَّیۡلَ وَٱلنَّهَارَ ٣٣﴾ [إبراهيم].
لاحظ كيف تم فصل تسخير الشمس والقمر، عن تسخير الليل والنهار.
4- ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ یُولِجُ ٱلَّیۡلَ فِی ٱلنَّهَارِ وَیُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِی ٱلَّیۡلِ. وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلࣱّ یَجۡرِیۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ مُّسَمࣰّى وَأَنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِیرࣱ ٢٩﴾ [لقمان].
5- ﴿یُولِجُ ٱلَّیۡلَ فِی ٱلنَّهَارِ وَیُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِی ٱلَّیۡلِ. وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمࣰّى ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ وَٱلَّذِینَ تَدۡعُونَ مِن دُونِهِ مَا یَمۡلِكُونَ مِن قِطۡمِیرٍ ١٣﴾ [فاطر].
لاحظ كيف تم وصف الليل والنهار بإيلاج كل منهما في الآخر، وفَصْلِهما عن الشمس والقمر اللذين وُصِفا بالجريان.
6- ﴿خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّ یُكَوِّرُ ٱلَّیۡلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ وَیُكَوِّرُ ٱلنَّهَارَ عَلَى ٱلَّیۡلِ. وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ كُلࣱّ یَجۡرِی لِأَجَلࣲ مُّسَمًّى أَلَا هُوَ ٱلۡعَزِیزُ ٱلۡغَفَّـٰرُ ٥﴾ [الزمر].
تم ذكر الليل والنهار وبيان تكوير كل منهما على الآخر، ثم تم فصلهما عن الشمس والقمر الموصوفين بالجريان.
وبالنسبة ل "القراء"، فقد أصاب فيها واحد منهم فقط، وهو نفسه الذي أصاب في المثال السابق.
** فائدة:
الفصل في التسخير بين "الليل والنهار" من جهة، وبين "الشمس والقمر والنجوم" من جهة أخرى.
هو تماماً كالفصلِ بين "القلب والسمع" من جهة، وبين "البصر" لوحده من جهة أخرى!.
حيث اختُص القلب والسمع بالختم، أما البصر لوحده فقد اختُص بالغشاوة:
﴿خَتَمَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَعَلَىٰ سَمۡعِهِمۡ. وَعَلَىٰۤ أَبۡصَـٰرِهِمۡ غِشَـٰوَةࣱ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِیمࣱ ٧﴾ [البقرة].
﴿أَفَرَءَیۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَىٰهُ وَأَضَلَّهُ ٱللَّهُ عَلَىٰ عِلۡمࣲ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمۡعِهِ وَقَلۡبِهِ. وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَـٰوَةࣰ فَمَن یَهۡدِیهِ مِنۢ بَعۡدِ ٱللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٣﴾ [الجاثية].
وهذان الموضعان تم قراءتهما بالشكل الصحيح من غير أخطاء.