وكلم الله موسى تكليما
وكلم الله
موسى
تكليما
(تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلّم اللهُ ورفع بعضهم درجات)
(يا موسى ، إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي فخذ ما اتيتُك وكن من الشاكرين)
(ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه)
القران كلام الله ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه )
( سيقول المخلفون اذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل )
ما الذي قاله الله من قبل ؟؟؟
( فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا )
إذاً : قول الله حسب هذه الاية هو ( لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا ) هذا القول من المُفترض أن يقوله النبي لهم .
نخلص من ذلك بعدة نتائج :
نتيجة 1 : القران كلام الله يحتوي قوله .
نتيجة 2 : كلام الله لا يُشترط فيه أن يكون صَدر عنه مباشرة ، بل يكون مُصاغا بعشرات الكيفيات الخطابية المتنوعة .
نتيجة 3 : كل ما في الكتاب من - قول- هو كلام الله، سواء كان قولا مباشرا منه، أو قولا على لسان خلقه، مؤمنهم وكافرهم، (أنزله بعلمه).
* (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم ، وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا)
أي أنَّا أوحينا إليك روحا من أمْرنا كما أوحينا إلى الذين من قبلك .... كيف تم هذا الوحي ؟؟
تم عن طريق ارسال (رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء) من هو هذا الرسول ؟؟
(قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله) جبريل نزل الكتاب على قلبك بإذن الله ... ثم تكمل الآيات :
(من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكيل فإن الله عدو للكافرين)
لماذا ذكر هنا اسم آخر -ميكيل- أُضيف إلى جبريل ؟؟
ذُكر لأنه أيضا يختص بالوحي ... كيف ؟؟
(وإنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)، الروح الأمين هو جبريل ، بدليل (على قلبك) كما جاء في الآيتين . فأين ميكيل ؟؟؟
(وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون ، قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين امنوا).
قلنا أن الروح الأمين نزله (على قلبك)، وهنا روح القدس نزله (من ربك) ، حيث ذكر روح القدس بعد قولهم (إنما أنت مفتر) ليبين لهم أنه هو الذي يبدل الآيات مكان بعضها البعض، وليس محمدا من تلقاء نفسه (ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي) ليستقر الوحي في نهاية الأمر على شكله الحالي.
لماذا هذه الكيفية ؟؟؟
(وقالوا لولا نزل عليه القران جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا).
(وقرءانا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا).
يسأل سائل : أوليس القران قد أُنزل في (شهر رمضان) وتحديدا في (ليلة مباركة) (ليلة القدر)، فكيف يفرق على مدة زمنية طويلة ؟؟؟
الجواب : شهر رمضان ثلاثون يوما، (فصيام شهرين متتابعين) (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) عن كل يوم مسكين، اذن الشهر ثلاثون يوما . فيمكن تقسيم القران الى ثلاثين قسم - جزء-
الليلة المباركة ليلة القدر، هي ميقات زماني دقيق، يمتد شهرا كاملا (شهر رمضان ) !!!!!
كيف ذلك ، أوليست الليلة ليلة ؟؟؟ !!!!!
الجواب : لا ... لا الليلة ليلة ، ولا اليوم يوم !!!!!
(إنا ارسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر ) كم استمر هذا اليوم ؟؟ ( سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما ). كم يساوي اليوم عند الله ( كألف سنة مما تعدون ) . إذن المدة الزمنية - يوم/ليلة - يعتمد طولها أو قصرها على طريقة العد. اذن ليلة القدر تمتد شهرا كاملا ( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة )، لها ميقات دقيق (وأتممناها بعشر ) لماذا ؟؟ لأنه تعجل الميقات بعشر ليال ( وما أعجلك عن قومك يا موسى) (فتم ميقات ربه أربعين ليلة ) أي أن الليالي التي استعجلها لم يتنزل عليه فيها شئ لأنها ليست من ( شهر رمضان ).
نرجع الى السؤال الأساسي : هل نزل القران ( جملة واحدة ) في ليلة القدر التي تساوي ( شهر رمضان ) أم أنه نزل مفرقا ( لتقرأه على الناس على مكث )، ثم بعد ذلك تم ترتيبه على الوجه النهائي ( وإذا بدلنا آية مكان آية ) ؟؟؟
الجواب : أنزله ( الروح الأمين )، (جبريل )، على قلبه في ليلة القدر (ثلاثين ليلة) بثلاثين جزءا بنفس الميقات، ونفس المكان ( سدرة المنتهى ) الذي أنزله فيه على موسى من قبل . لكن الفارق أن موسى عاد به ( في الألواح ) ، أما محمد فقد عاد به في قلبه !!!
هنا يأتي دور تأييده ب ( روح القدس ) (ميكيل) الذي ( نزّله ) على لسانه آيات متفرقة، فكلم بها الناس ، تماما كما أيد الله به من قبل، عيسى ابن مريم ( تكلم الناس في المهد وكهلا ).
ملاحظة: ميكيل وليس ميكال ، وقد تكلمت عن ذلك من قبل بعنوان -الاسماء في القران- فارجع إليه.
نتيجة :
هذه هي الكيفية الأولى لتكليم الله للبشر بأن (يرسل رسولا - جبريل أو ميكيل - فيوحي بإذنه ما يشاء ) ، وبهذه الطريقة كلم الله جميع رسله، مثل : نوح ( يا نوح إنه ليس من أهلك ...)، إبراهيم ( فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ...) ، موسى ( فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملئه .... ).
لكن موسى له شأن آخر !! .
الكيفية الثانية ( وحيا ) :
( وأوحى ربك إلى النحل أن : اتخذي من الجبال بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون )
هذا الوحي هو الجِبلّة التي جُبل عليها النحل.
( وإذ أوحيتُ إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي قالوا امنا ) في هذا السياق يُذكّر الله عيسى ابن مريم بنعمته عليه، أن ألهم الحواريين وأوصل إليهم رسالاته، فقالوا آمنا واشهد - يا عيسى - بأننا مسلمون .
ملاحظة : الحواريون اهتَدَوا ف ( زادَهم هدى وآتاهم تقواهم ) ولو أنهم ضلوا لما أوحى أليهم أن يؤمنوا ( من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها )
* ( وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فاذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه اليك وجاعلوه من المرسلين )، وقد تكلمت عنها في وقت سابق بعنوان - أم موسى - فارجع إليه.
* ( وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة ) هنا الوحي إلهام لموسى وأخيه، فقد اضطّرتهم الأحداث إلى أن يتمايز المؤمنون عن الكافرين، بأن يتبوؤوا لأنفسهم بيوتا - مساجد - ويجعلوها قبلة أي يتركون بيوتهم المنتشرة ويجتمعوا في تلك البيوت، ويقيموا الصلاة، وذلك تحضيرا للخروج، بعد أن اشتد عليهم بطش فرعون ( سنقتل ابناءهم ونستحيي نساءهم ).
ملاحظة : هذا التقتيل للأبناء هو عذاب جديد على الذين آمنوا مع موسى، غير العذاب القديم الذي كان موجها الى طائفة منهم (يستضعف طائفة منهم يذبح ابناءهم )، ومنهم من تعرض للعذابين (أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا ).
* ( وأوحينا الى موسى أن : أسر بعبادي فاضرب لهم طرقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى )، هنا الوحي إلهام أيضا ، فقد حان وقت الخروج بعد أن تجمعوا في البيوت التي اتخذوها لإقامة الصلاة، كما جاء في الاية السابقة، حق عليهم الخروج بعد الاستضعاف ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) ؟؟!
الكيفية الثالثة : ( من وراء حجاب ) !!!
وهذا عندما ( كلم الله موسى تكليما ) وليست لأحد في - الدنيا - إلا له، ( إني اصطفيتك على الناس برسالالتي وبكلامي )، تكرر ذلك معه ثلاث مرتين :
* المرة الاولى :
هي عندما ( قضى موسى الأجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا ... ).
فلما : ....
(أتاها نودي يا موسى إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى ..... )
( أتاها نودي من شاطئ الواد الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة أن : يا موسى إني أنا الله رب العالمين ..... )
( جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين ، يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم ..... )
المرة الثانية : عندما أخذ الألواح :
( وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة ..... ).
( ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه قال رب أرني أنظر إليك، قال لن تراني ... ) .
ونتج عن هذا الميقات أن ( كتبنا له في الألواح من كل شئ موعظة وتفصيلا لكل شئ فخذها بقوة ..... ) ، وهذه هي المرة الثانية التي كلمه فيها ربه.
ملاحظة : كلام الله لموسى في المرتين ، كان على الكيفيات الثلاث ، فتارة يكلمه ( تكليما ) أي كلاما مباشرا منه إليه من وراء حجاب، وهذه خصوصية له كما بينت لك، وتارة وحيا ، وتارة بإرسال (رسول) من مثل جبريل وميكيل .
وكل هذه الكيفيات في الكلام ، مصدرها واحد وهو الله، فلا يُوحى لبشر، ولا يُرسَل إليه رسول إلا بإذنه وأمره.
مثال توضيحي يثبت ذلك :
( قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون، وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون، قال - سنشد - عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون ).
جاءه الجواب بصيغة الجمع - سنشد - أي أن -المجموعة - هم الذين ردوا له الجواب، بإرسال (رسول) - جبريل أو ميكيل - فأوحى إليه الرسول هذا ( القول ) بإذن الله .. حصل هذا على الرغم من ورود لفظ ( قال ) الذين يشير إلى ان المتكلم هو الله، وهذا يثبت أن تصريف شؤون السماوات والأرض وما فيهن لا يخرج عن إحاطته، فهم ما قالوا ذلك إلا بعد إذنه لهم.
ملاحظة : ما قالوه لموسى هو قول الله، لأن القول، أي (الوحي) كله يُنسب لله (أفلم يدبروا القول).
ملاحظة أخرى : جاءت آية أخرى على النحو التالي :
( قال رب إني أخاف أن يُكذبون، ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون، ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون، قال - كلا - فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون .... )
هنا قال له الله : كلا، ثم استمر السياق بكلام من المجموعة، كما حصل في الآية التي قبلها، وهذا يثبت ان ما يتم صياغته من البيان في هذا القران، هو كلام المجموعة المتكلمة، تارة يجعلونه بيانا صادرا عن الله، وفي معظم الايات يتكلمون بشكل مباشر، وتارة يجمعون بين الكيفيتين في نفس الاية الواحدة، او في نفس السياق الواحد.
وهنا فائدة : أجابه الله بقوله (كلا ) عند قوله ( فأخاف أن يقتلون ) أي انه ضمن له أنه لن يُقتل ، أما عند قوله ( إني أخاف أن يكذبون) فلم يضمن له عدم تكذيبهم إياه!.
مثال آخر يصب في نفس السياق :
( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى، قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)
لاحظ ورود لفظة - قال - التي تبين لنا أن الجواب أتاهم من الله، لكن الغريب أن السياق يبين لنا أن المتكلم هم "المجموعة" (كذلك أتتك آياتنا فنسيتها .... ).
وهذا أيضا يثبت أنهم يتكلمون نيابة عن الله، فهم ينسبون قولهم إلى الله، كما ينسبونه إلى أنفسهم على حد سواء.
وهم المتكلمون في هذه الايات، لكنهم جعلوا هذا الكلام، وهذا الرد منسوباً لله، فهو لم يكلمهم مباشرة، بل كلمتهم المجموعة بالنيابة عنه، ونسبوا ذلك التكليم له.
أيضاً على للتحقيق، فليسوا هم الذين يكلمون هؤلاء، بل الملائكة وخزنة جهنم!، لكنهم في النهاية ينسبون ذلك الكلام -وذلك الرد الذي يتوجه الى الكافرين- لأنفسهم تارة، ولله تارة أخرى.