غيابات الجب



غيابات الجُب







إذا دققت في العنوان فسترى أن هناك اختلافاً في الكتابة عما تعرفه.

كلمة "غيابات" هذه تختلف عن الكلمة المعهودة التي تقرأها وتسمعها.

ثم لو رجعت إلى الآية لوجدتها قد كُتبت بهذا الشكل: 


﴿قَالَ قَاۤىِٕلࣱ مِّنۡهُمۡ لَا تَقۡتُلُوا۟ یُوسُفَ وَأَلۡقُوهُ فِی غَیَـٰبَتِ ٱلۡجُبِّ یَلۡتَقِطۡهُ بَعۡضُ ٱلسَّیَّارَةِ إِن كُنتُمۡ فَـٰعِلِینَ﴾ [يوسف ١٠]

﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا۟ بِهِ وَأَجۡمَعُوۤا۟ أَن یَجۡعَلُوهُ فِی غَیَـٰبَتِ ٱلۡجُبِّ وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمۡرِهِمۡ هَـٰذَا وَهُمۡ لَا یَشۡعُرُونَ﴾ [يوسف ١٥]


فلماذا الألف المَدّية لا تكتب؟! 

ولماذا التاء رُسِمت مبسوطة، بدلاً من أن تكون مربوطة؟!.



في النسخة الحديثة المطبوعة -والتي هي برواية من يسمى "حفص عن عاصم"-، قاموا بوضع ألف صغيرة بعد الياء، ليُخبروك بوجود ألف مَدّية لا تُكتَب!

نعم، فالألف المدية لا تُكتب في كل المخطوطات التي بقيت إلى هذا اليوم. 

وهذا يرجع لطريقة الكتابة والخط والنسخ التي اصطلح عليها كُتّاب ونُسّاخ المخطوطات التي نعرفها.

-والتي كلها مخطوطات متأخرة جداً عن الذي كتبه النبي والذين آمنوا، ومتفاوتة بشكل كبير في أساليب الكتابة والخط بين بعضها البعض، وحتى المخطوط الواحد نفسه فيه من الاختلاف والتفاوت الكثير الكثير، سواء في تنوع أساليب الكتابة، أو في تعدد النّسّاخ داخل المخطوط الواحد-.


"غيبت"، فيها احتمالان للقراءة:

الأول: بإضافة الألف بعد الياء، لتصبح: "غيابت".

الثاني: بإضافة ألف ثانية أيضاً بعد الباء، لتصبح: "غيابات" بالجمع، وهذا هو الصواب، بسبب كتابة التاء مبسوطة، الأمر الذي يوحي بأنها جمع وليست مفرداً، وقد قمت بتفصيلها ضمن سلسلة دراسات: أخطاء القرّاء.



أمثلة لزيادة التوضيح:


﴿وَمَاۤ أَمۡوَ ٰ⁠لُكُمۡ وَلَاۤ أَوۡلَـٰدُكُم بِٱلَّتِی تُقَرِّبُكُمۡ عِندَنَا زُلۡفَىٰۤ إِلَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَـٰلِحࣰا فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ لَهُمۡ جَزَاۤءُ ٱلضِّعۡفِ بِمَا عَمِلُوا۟ وَهُمۡ فِی ٱلۡغُرُفَـٰتِ ءَامِنُونَ﴾ [سبأ ٣٧].

لاحظ كلمة: "الغرفت"، والتي هي "الغرفات"، بإضافة الألف قبل التاء المبسوطة التي توحي بأن الكلمة جمع، وليست مفرداً.


تنويه: 

التاء المبسوطة تفيد الجمع، لكن ليس على الإطلاق في كل المواطن، لأنه قد يكون بسطها مجرد اختلاف في طريقة رسم الحرف!. 

فمثلاً: شجرت، نعمت، رحمت، بالتاء المبسوطة بدل المربوطة، هي مجرد طريقة رسم، ويُستبعد دلالتها على الجمع، وخذ هذا المثال:


﴿إِنَّ شَجَرَتَ ٱلزَّقُّومِ﴾ [الدخان ٤٣]

﴿أَذَ ٰ⁠لِكَ خَیۡرࣱ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ﴾ [الصافات ٦٢]


وكذلك نعمة:

﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةࣲ فَمِنَ ٱللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَیۡهِ تَجۡـَٔرُونَ﴾ [النحل ٥٣]

﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِی فِی ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِیُرِیَكُم مِّنۡ ءَایَـٰتِهِ إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَـٰتࣲ لِّكُلِّ صَبَّارࣲ شَكُورࣲ﴾ [لقمان ٣١]


فهنا يحصل اختلاف بين نساخ المخطوطات، بل ونساخ المخطوط الواحد في أساليب الخط ورسم الحرف.


وكذلك رحمة:

﴿وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَا وَٱدۡعُوهُ خَوۡفࣰا وَطَمَعًا إِنَّ رَحۡمَتَ ٱللَّهِ قَرِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [الأعراف ٥٦]

﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَهَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ أَعۡظَمُ دَرَجَةً عِندَ ٱللَّهِ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠ يُبَشِّرُهُمۡ رَبُّهُم بِرَحۡمَةٖ مِّنۡهُ وَرِضۡوَٰنٖ وَجَنَّٰتٖ لَّهُمۡ فِيهَا نَعِيمٞ مُّقِيمٌ ٢١﴾ [التوبة]


وهي هنا نفس الرحمة والمغفرة للمؤمنين، الناتجة عن الإحسان والاستجابة -بخلاف الكافرين-، لكنها تكتب تارة بالتاء المبسوطة، وتارة بالتاء المربوطة، لاختلاف طرق الكتابة، فقط لا أكثر.

ولا علاقة لها بوجود معانٍ متفاوتة، أو إشارات رقمية أو بيانية، أو غير ذلك من التفاهات والكذب المتعمد.


والمخطوط الواحد -مخطوط إسطنبول مثلاً-، يحوي تبايناً واضحاً ليس في طرق الكتابة وحسب، بل وفي المُحَسّنات الجمالية لشكل الحروف وزخرفتها، والإفراط في الزخرفة في كثير من المواضع!.

مثل عمل ذيل طويل باتجاه اليمين لحرف الياء في نهاية الكلمات، يصل طوله إلى نصف السطر، أو أقل، أو من دون هذا الذيل. 

أو مد حرف الدال بشكل عرضي مبالغ فيه، ثم كتابته أحياناً بشكل طبيعي. 

وغير ذلك من الاختلافات والزخرفات الكثيرة جداً.

أو استخدام ريشة رفيعة في الكتابة، ثم ريشة عريضة.

أو جعل الحروف ذات زوايا حادة، أو ذات أطراف مقوسة.

وغير ذلك الكثير.

وكل هذه الاختلافات في الأساليب الكتابية تَرِد حتى في المخطوط الواحد -مخطوط إسطنبول مثلاً-.




عودة إلى موضوع البحث:

.. ولأجل هذا الأسلوب في عدم كتابة الألف، فإنك اليوم تكتب كلمات كثيرة من دون أن تضع لها الألف المدّية، فمثلا:


"بسم الله"، بدلاً من "باسم الله".

﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾ [الفاتحة ١]

على الرغم من كتابتها بالألف عند إضافة ربك،" باسم ربك"!

﴿ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِی خَلَقَ﴾ [العلق ١].

وهذا من التفاوت في طريقة الخط والرسم كما أخبرتك، وهو تفاوت تُطبِق عليه كل المخطوطات الموجودة.


الله، إله، الرحمن، هذا، ذلك، هؤلاء.. 

كلها صارت تكتب بدون الألف، وذلك اقتداء بطريقة كتابتها داخل المخطوطات، وإلا فلو قام أحد بإضافة الألف إليها لما تغير شيء: اللاه، إلاه، الرحمان، هاذا، ذالك، هاؤلاء..



لكن..

فعلى الرغم من الاقتداء بطريقة المخطوط في عدم كتابة الألف المدية في الكثير من الكلمات المتداولة اليوم بين الناس؛ إلا أنه بالمقابل تم الاصطلاح في النسخ المطبوعة الحديثة على مخالفة المخطوط في كثير من الكلمات!، فمثلاً:


علا، حتا.. 

تُكتب في المخطوط بألف ممدودة، فاصطلحوا على جعلها بالألف المقصورة، "على، حتى"، وهكذا تم كتابتها في النسخ المطبوعة.

وهذا يرجع إلى التفاوت بين النسخ المخطوطة نفسها، إذ إن مراجع الدين الوضعي المختصة في هذا الباب، تُثبت تفاوت المخطوطات في طريقة كتابتها.



أيضاً: 

الهمزة، فهي لا تُكتب مطلقاً!

لكن تم إضافتها وكتابتها في المطبوع، وكأنها حرف أصلي!.

فكلمات مثل: ماء، سماء، ضياء.. 

كلها تكتب في المخطوط بدون الهمزة: "ما، سما، ضيا".


أما بالنسبة للهمزة في منتصف الكلمات، فيتم كتابة ياء بدلاً منها، أو نبرة من غير همزة فوقها. 



أيضاً: 

على الرغم من كتابة الألف ممدودة في كلمات مثل "علا، حتا" في المخطوط كما أخبرتك، إلا أن بقية المخطوطات لم تلتزم بها بشكل مطلق، بل قامت بالتنويع بين المقصورة والممدودة. 

الأمر الذي حدا ببعض ممن يسمون ب "القراء"، إلى قراءتها والتلفظ بها بصوت يشبه صوت الحرف "A"، كصورة وسطية للنطق بين الألف والياء!.



وقد يحصل الاختلاف لأسباب تتعلق بآلية الكتابة، والورق المستخدم، ولأسباب تخرج عن إرادة الكاتب نفسه، فمثلاً:

كلمة "ملائكة"، تكتب في المخطوط هكذا: "مليكة".

باعتبار وجود ألف بعد اللام، لكنها لا تكتب، وباعتبار الياء بديلاً للهمزة، وقد تكون الياء مجرد نبرة من غير نقط تحتها.

الذي أريد بيانه هو أن هذه الطريقة في الكتابة "مليكة"، قد يجد الكاتب نفسه مرغما على مخالفتها، لعارض خارج عن إرادته.


فقد تم كتابتها -فيما يسمى مخطوط إسطنبول أو طوبقابي سراي- "ملايكة" في ثلاثة مواضع، على خلاف السبعين موضع الأخرى، التي وردت فيها هذه الكلمة في القرآن، والتي كتبت فيها "مليكة"!.

ولو رجعتَ إلى تقصي هذه الكلمة في كل هذه المواضع، فإنك سوف تجد المواضع الثلاث المتميزة -"ملايكة"-، قد انتهى فيها السطر، ولم يعد فيه متسع لكتابة الكلمة كاملة، فقام الناسخ نفسه، أو النساخ المتعددون بكتابة نصف الكلمة "ملا" في نهاية السطر، والنصف الآخر في بداية السطر التالي "يكة"، فأصبحت: "ملايكة"!.



ملاحظات:

في المخطوطات الموجودة اليوم، لا يوجد أرقام للآيات، وإنما فواصل على شكل دوائر أو نجوم أو حتى مربعات، وكل هذا التفاوت في الزخرفة تجده في المخطوط الواحد -مخطوط إسطنبول مثلاً-.


وهناك أيضاً الفواصل بين مقاطع الحروف الاستفتاحية لكثير من السور، بخلاف النسخ المطبوعة -الهجينة- اليوم، التي تضع الفواصل بين المقاطع حيناً، ولا تضعها حيناً آخر، فيأتي المُتَقوّلون المتهوكون ليُدْلوا بدلوهم في هذه الاختلافات، فيتشدقون بنسبتها إلى "إعجاز" وأسرار مُتعَمَّدة!. 

لكنك لو رجعت للمخطوط -مخطوط إسطنبول مثلاً- لوجدتها كلها تفصل بينها الفواصل!.

الأمر الذي يؤكد لك أن كل ذلك هو اختلاف في طريقة كتابة هذا الكتاب، لأن كل النسخ المخطوطة -والموجودة إلى اليوم-، هي نسخ سيئة من حقبة الدين الوضعي المتأخرة عن حقبة نبي القرآن، وهي مجرد حقبة تاريخية خيالية لا حقيقة لها، ومن بعدها جاءت حقبة "القرّاء" الذين لا يحسنون قراءة هذا الكتاب، ويختلفون فيه على عشرات "القراءات"، انبثق عنها مئات الأخطاء.



ولا يوجد أسماء للسور، لكن يوجد زخارف على عرض السطر تفصل بين السورة والتي بعدها، ثم تبدأ السورة التالية بعبارة: ﴿بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾، ثم فاصلة على شكل دائرة أو نجمة، ثم أول آية في السورة وهكذا..

وقد تواطأت كل النسخ المخطوطة -الموجودة اليوم-، على الوقوع في خطأ إسقاط عبارة: (بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَـٰنِ ٱلرَّحِیمِ﴾، من بداية السورة رقم 9، والاكتفاء بالزخرفة الفاصلة بين السور على امتداد السطر.

وهي السورة التي تم التواطؤ فيما بعد على تسميتها بسورة "التوبة" أو "براءة".

وهي في معظمها أسماء تكون أبعد ما يمكن عن المواضيع التي تتناولها السور التي سمّيت بها!.

وكل عصر يحلو له أن يغير في هذه الأسماء -المضحكة-، وصولاً إلى العصر الحديث الذي تم فيه تغير الاسم -المُختَرع سابقاً- للسورة رقم 17، وهو "سورة بني إسرائيل"، إلى الاسم المخترع حديثاً وهو "سورة الإسراء"، وذلك بسبب أحداث تاريخ 1948م!، ظناً منهم أن هؤلاء هم أولئك الذين يتحدث عنهم القرآن!، وأنهم فعلاً يرجعون إلى موسى!، تماماً كما يظنون أن دينهم الوضعي هو الإسلام!، وأنه يعود إلى محمد نبي القرآن!.



وهناك اختلافات لا حصر لها في تقسيم الآيات وعَدِّها، بين من يجعلها آية واحدة مستمرة، وبين من يفصلها إلى آيتين، وكل ذلك بسبب الانفصال التاريخي التام بين حقبة نبي القرآن، وبين حقبة الدين الوضعي المنسوب له.



وهناك اختلافات تم التواطؤ عليها داخل النسخ المخطوطة -مخطوط اسطنبول مثلاً-، مثل كتابة اسم إبراهيم بدون الياء "إبراهم"، فقط في السورة رقم 2، دون بقية السور!

الأمر الذي حدا ببعض "القرّاء" إلى اعتبار وجود ألف مدية -لا تكتب- بعد الهاء، فقرأوها: "إبراهام"!.

ثم يأتي اليوم من يزعم أن هذه الاختلافات هي "أسرار" مقصودة، جاءت من عند الله!، ثم يكذب ويتكلف ويزور، حتى يخرج ببعض النتائج الهزيلة المتناقضة، ليبرهن بها على هذه السخافات!.



قم بالرجوع إلى دراسات تفصيلية متعلقة بهذا الباب، مثل:

سلسلة دراسات: أخطاء القراء.

دراسة بعنوان: كيف تمت كتابة القرآن.

دراسة بعنوان: غَلَبَت الروم.

وغيرها من الدراسات التاريخية التي تنقض الدين الوضعي من أساسه.