ما هو التدمير
((((( كيف نفهم القرآن )))))
((((( التدمير ))))))
من أكبر الأخطاء الشائعة بين الناس، والتي تحُول بينهم وبين فهم رسالات الله … هي إسقاط الأفكار والانطباعات المسبقة على كلام الله الحق، المختلفِ كليا عمّا توافق عليه الناس في طريقة خطابهم، التي يستخدمونها بين بعضهم البعض، في إيصال المعاني والأفكار .
نعم … القرآن يختلف في طريقة طرح المعلومات عن الطريقة التي عهدها الناس، وهذا الاختلاف ليس حديثا بل هو اختلاف قديم جدا جدا، يرجع إلى آلاف من السنين مضت، وهذا من أهم الأسباب التي حَدَت بهم إلى اختراع القصص وما يسمى ب - أسباب النزول - وغيرها من الأمور التي ألصقوها بالقرآن ….
نعم … تم اختراع القصص وأسباب النزول والسّيَر والأحداث التاريخية من أجل فهم الكلام -الغامض- المنتشر في القرآن كله من أوله الى آخره، والذي هو في حقيقة الأمر كلام حق مفصل مبين من لدن حكيم خبير
خلاصة ما في الأمر : لقد تم حياكة القصص والخزعبلات وتم تسطيرها في كتب السير والتاريخ والتفسير من أجل إضفاء معانٍ على كلام الله الذي يُعتبر بالنسبة لهم غامضا وغير مفهوم.
وكلمة " التدمير " تعتبر واحدة من عشرات الكلمات التي تم تحريف معانيها ….
﴿فَقُلۡنَا ٱذۡهَبَاۤ إِلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلَّذِینَ كَذَّبُوا۟ بِـَٔایَـٰتِنَا فَدَمَّرۡنَـٰهُمۡ تَدۡمِیرࣰا﴾
هنا موسى وهارون يُؤمران بالذهاب إلى فرعون وقومه فتكون النتيجة أنهم كذبوا بالايات فتم تدميرهم … والسؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف تم ذلك ؟؟ وما هو نوع الدمار الذي حل بهم ؟؟؟
﴿وَأَوۡرَثۡنَا ٱلۡقَوۡمَ ٱلَّذِينَ كَانُواْ يُسۡتَضۡعَفُونَ مَشَٰرِقَ ٱلۡأَرۡضِ وَمَغَٰرِبَهَا ٱلَّتِي بَٰرَكۡنَا فِيهَاۖ وَتَمَّتۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ ٱلۡحُسۡنَىٰ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ بِمَا صَبَرُواْۖ وَدَمَّرۡنَا مَا كَانَ يَصۡنَعُ فِرۡعَوۡنُ وَقَوۡمُهُۥ وَمَا كَانُواْ يَعۡرِشُونَ﴾
هنا آية أخرى تخبر عن العقوبة التي حلت بفرعون وقومه وهي الدمار ، لكن يبقى السؤال كيف ؟؟؟؟؟
﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ، وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ ، فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٠﴾
نعم هذه هي الكيفية التي تم بها تدمير فرعون وقومه، وتدمير ما كانوا يعرشون، تم أخذه هو وجنوده ونبذهم في اليم وإغراقهم !!!! وهذا ما حصل بكل بساطة …
﴿ وَجَـٰوَزۡنَا بِبَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ ٱلۡبَحۡرَ فَأَتۡبَعَهُمۡ فِرۡعَوۡنُ وَجُنُودُهُۥ بَغۡیࣰا وَعَدۡوًاۖ حَتَّىٰۤ إِذَاۤ أَدۡرَكَهُ ٱلۡغَرَقُ قَالَ ءَامَنتُ أَنَّهُۥ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا ٱلَّذِیۤ ءَامَنَتۡ بِهِۦ بَنُوۤا۟ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ وَأَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُسۡلِمِینَ﴾
أي أن الدمار الذي حل به وبجنوده هو الغرق فقط …. لا أكثر ….
خذ آيات أخرى :
﴿فَٱنظُرۡ كَیۡفَ كَانَ عَـٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَـٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِینَ ﴾
هذه الآية تتحدث عن قوم صالح .. مكروا به ليقتلوه فكان أن جاءهم الدمار .. لكن السؤال كيف تم تدميرهم ؟؟؟ وكيف تقول الآية انظر كيف كان عاقبة مكرهم …
فكيف ينظر والى اين ينظر وقد تم تدميرهم ؟؟؟؟
الجواب في الآية التي تليها مباشرة :
﴿ فَتِلۡكَ بُیُوتُهُمۡ خَاوِیَةَۢ بِمَا ظَلَمُوۤا۟ۚ إِنَّ فِی ذَ ٰلِكَ لَـَٔایَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یَعۡلَمُونَ ﴾
نعم هذا هو الجواب تم تدميرهم، أي إنهاء حياتهم والقضاء عليهم، لكن بيوتهم لا زلت قائمة لم يمسها شيء …
انظر الى هذه الاية :
﴿وَكَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَرۡیَةِۭ بَطِرَتۡ مَعِیشَتَهَاۖ فَتِلۡكَ مَسَـٰكِنُهُمۡ لَمۡ تُسۡكَن مِّنۢ بَعۡدِهِمۡ إِلَّا قَلِیلࣰاۖ وَكُنَّا نَحۡنُ ٱلۡوَ ٰرِثِینَ﴾
مساكنهم لا زالت قائمة لم يمسها شيء من الدمار، الذي مس أصحابها، ثم إن هذه المساكن لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، فقد كان الناس يعلمون ماذا حل بأصحابها، لذلك لم يسكنها من بعدهم إلا المضطرون … فهم يخشون أن يحل بهم ما حل بأصحابها من العذاب ….
﴿فَلَمَّا رَأَوۡهُ عَارِضࣰا مُّسۡتَقۡبِلَ أَوۡدِیَتِهِمۡ قَالُوا۟ هَـٰذَا عَارِضࣱ مُّمۡطِرُنَاۚ بَلۡ هُوَ مَا ٱسۡتَعۡجَلۡتُم بِهِۦۖ رِیحࣱ فِیهَا عَذَابٌ أَلِیمࣱ ، تُدَمِّرُ كُلَّ شَیۡءِۭ بِأَمۡرِ رَبِّهَا فَأَصۡبَحُوا۟ لَا یُرَىٰۤ إِلَّا مَسَـٰكِنُهُمۡۚ كَذَ ٰلِكَ نَجۡزِی ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾
هذه آية أخرى تبين لك كيف يُساء فهم القرآن، الآية تبين أن الريح التي أرسلت عليهم تدمر كل شيء بإذن ربها، فالذي يُسقط مفاهيمه على القران، يظن أن تلك الريح دمرت بيوتهم وأشجارهم وأبنيتهم وصروحهم …. لكن الحقيقة أن تلك الريح دمرت كل شيء اسمه -بشر - في تلك المنطقة الجغرافية المحددة .
والدمار لم يشمل المساكن !!!! … فتلك مساكنهم انظروا اليها لا زالت قائمة تشهد على أصحابها الذين تم تدميرهم !!!!!
﴿وَفِی عَادٍ إِذۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمُ ٱلرِّیحَ ٱلۡعَقِیمَ ، مَا تَذَرُ مِن شَیۡءٍ أَتَتۡ عَلَیۡهِ إِلَّا جَعَلَتۡهُ كَٱلرَّمِیمِ﴾
هنا ايضا الريح العقيم ما تذر من شيء من - الناس - أتت عليه إلا جعلته كالرميم …
﴿ تَنزِعُ ٱلنَّاسَ كَأَنَّهُمۡ أَعۡجَازُ نَخۡلࣲ مُّنقَعِرࣲ ﴾
من هنا تبرز لنا كلمة اخرى من كلمات القرآن يُساء فهمها وهي كلمة " شيء " فالناس تظنها تشمل كل شيء .. لكن هذا خطأ كبير لم يقل به القرآن !!! بل على العكس … الآيات تناقض ذلك تماما .
خذ هذه الأمثلة :
﴿قُلۡ أَیُّ شَیۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَـٰدَةࣰۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِیدُۢ بَیۡنِی وَبَیۡنَكُمۡۚ ﴾
هذه الآية تأمره أن يسألهم : ( أي شيء أكبر شهادة ) ؟؟ ، ثم تأمره أن يجيبهم بقوله : ( الله شهيد بيني وبينكم ) …
هذه الآية أطلقت على الله وصف " شيء " لكن: هل كل كلمة " شيء " في القرآن تَشمل " الله " ؟؟؟؟
بالتأكيد لا ….. خذ هذه الآية مثلا :
﴿ذَ ٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡۖ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۖ خَـٰلِقُ كُلِّ شَیۡءࣲ فَٱعۡبُدُوهُۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ وَكِیلࣱ﴾
لا يقول عاقل بأن كلمة شيء في هذه الآية تشمل كل شيء حتى الله وإنما هي تشمل كل شيء مخلوق ولا تشمل الخالق !!!
خذ مثالا آخر :
﴿ وَیُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِیرُ﴾
الله يحذرنا نفسه … فهل نفسه تذوق الموت كما يبدو لنا من العموم في هذه الآية :
﴿كُلُّ نَفۡسࣲ ذَاۤىِٕقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَیۡنَا تُرۡجَعُونَ﴾
بالتأكيد لا …. بدليل قوله:
﴿وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱلۡحَیِّ ٱلَّذِی لَا یَمُوتُ وَسَبِّحۡ بِحَمۡدِهِۦۚ وَكَفَىٰ بِهِۦ بِذُنُوبِ عِبَادِهِۦ خَبِیرًا﴾
من ذلك نستنتج أن التعميم في القرآن باستخدام كلمة " شيء " أو كلمة " كل " لا يفيد العموم المطلق … وإنما يفيد العموم المخصوص بنوع معين …. فكل نفس من الانفس التي خلقها الله تذوق الموت … لكن الله هو الحي الذي لا يموت !!!!
إذا فهمتَ ما سبق فإنك ستفهم المقصود من هذه الآية :
﴿فَلَمَّا جَاۤءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَـٰلِیَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَیۡهَا حِجَارَةࣰ مِّن سِجِّیلࣲ مَّنضُودࣲ ، مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِیَ مِنَ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِبَعِیدࣲ﴾
هنا تُحاك الخزعبلات … من مثل أن جبريل بطرف جناحه قام برفع قريتهم الى السماء ثم قلبها ثم أسقطها …. إلى آخر هذه الشعوذات التي أُلصقت كذبا بالقرآن، بسبب عدم فهم أساليبه الكلامية
جعلنا عاليها سافلها معناه : قلبنا حالها راسا على عقب !!! فبعد أن كانت قرية آمنة عَمّها الخوف … وبعد أن كانوا مطمئنين عمهم الرعب !!! وبعد أن كانت قرية تنبض بالحياة أصبحت قرية ميتة !!!
﴿ قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡیَـٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَشۡعُرُونَ ﴾
هذا هو حال الأقوام الذين كذبوا من قبل، تم استئصال شأفتهم ( فقطع دابر القوم الذين كذبوا بآياتنا والحمد لله رب العالمين ) وهذا ما يدل عليه قوله ( فاتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم ) أي أنه تم اجتثاثهم … فلم ينجوا منهم احد. فهل يجوز لعاقل أن يقول: كان فوق قريتهم سقف فخر عليهم !! وهل يجوز لعاقل أن يقول: تم ضرب القواعد من تحت أرجلهم فسقطوا كما يسقط البناء الذي ضربت قواعده !!! هل يجوز لعاقل أن يقول بذلك وقد أخبرتنا آيات كثيرة أن بيوتهم لا زالت قائمة ؟؟؟ !!!
نعم … جميع الاقوام الذين كذبوا تم قلب حياتهم عاليها سافلها وتم ضرب قواعدهم وبالتالي خر عليهم السقف من فوقهم .. وتم ذلك عن طريق أخْذهم بالصيحة والرجفة.. وإمطارهم بحجارة من سجيل مسومة.. أي أن كل حجر من هذه الحجارة مسوّم بسيما صاحبه الذي سوف ينزل على رأسه .. فيجعله (كعصف ماكول) او (كالرميم)
أخيرا … إذا مررت بهذه الآية :
﴿وَإِذَاۤ أَرَدۡنَاۤ أَن نُّهۡلِكَ قَرۡیَةً أَمَرۡنَا مُتۡرَفِیهَا فَفَسَقُوا۟ فِیهَا فَحَقَّ عَلَیۡهَا ٱلۡقَوۡلُ فَدَمَّرۡنَـٰهَا تَدۡمِیرࣰا﴾
فإياك أن يرتسم في مخيلتك مشاهد الخراب والبيوت المهدمة والعروش المتساقطة والفوضى المتراكمة … فقد علمتَ الآن ما معنى التدمير في القرآن .
هذا الفهم الصحيح لكلام الله ورسالاته يُمَكن الناس من معرفة سنن الله في الأقوام المكذبة، ويفتح للناس آفاقا جديدة في فهم هذه السنن، إلى جانب إسقاطها على أرض الواقع في هذا الزمن الذي نعيش فيه، وفي كل زمان ومكان …