كلمة "ما شاء الله"
كلمة
"ما شاء الله"
﴿وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢ كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗا وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣ وَكَانَ لَهُ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدٗا ٣٥ وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦ قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا ٣٧ لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٣٨ وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩ فَعَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يُؤۡتِيَنِ خَيۡرٗا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرۡسِلَ عَلَيۡهَا حُسۡبَانٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصۡبِحَ صَعِيدٗا زَلَقًا ٤٠ أَوۡ يُصۡبِحَ مَآؤُهَا غَوۡرٗا فَلَن تَسۡتَطِيعَ لَهُ طَلَبٗا ٤١ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢ وَلَمۡ تَكُن لَّهُ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣ هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا ٤٤﴾ [الكهف].
المعنى:
ولولا إذ دخلت جنتك، قلت "مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ"، في حال كنت تراني أنا أقل منك مالاً وولداً.
فتكونَ بذلك قد نسبتَ الفضل لله، وشكرته على ما آتاك، وعلى ما فضّلك به عليّ في الرزق.
لكنك لا تفعل ذلك!.
بل إنك عندما تنظر إليّ فتراني أنا أقل منك مالاً وولداً؛ تغتر بما آتاك الله، وتظن أنك تحصّلت عليه بمشيئتك أنت، لا بمشيئة الله لك، وتظن أنك مَلَكته بقوتك أنت، لا بقوة الله الذي أَمَدّك به.
فهلّا علمتَ أن ما لديك هو بمشيئة الله لك: "مَا شَآءَ ٱللَّهُ"، مَلَكتَه بقوةٍ منه، لا بقوةٍ منك أنت: "لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ"!.
*** والقول في هذه الآية: (وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ)، هو الظن والاعتماد الذي ينبثق عنه العمل، وليس مجرد التلفظ بهذه الكلمة: (مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ)!.
فهو لو ظن بها، واعتمدها، وآمن بمقتضاها، لَمَا دخل جنته كافراً بالله، ظالماً لنفسه: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِ)، وَلَما اغتر بها: (مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدٗا)، ولَمَا جحد الساعة التي ينذرهم إياها الرُسل: (وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ)، ولَما ظن أن الله يحبه ويحابيه أكثر من غيره من خلقه: (وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا)!.
وهذا هو المراد من وراء المقولة التي أمره صاحبه المؤمن أن يقولها، أي أن يظن بها ويعمل بمقتضاها، وهي مقولة لا يقولها إلا المؤمنون، فإذا قالها يكون قد آمن!.
لكنه أصرّ على كفره، فدمر الله جنته، وأصبحت خاوية على عروشها، ثم ندم على إشراكه مع الله نفسَه وفئته وولده وقوتَه، التي ظن أنه بها تَحَصّل على هذه الجنة، ولم يعلم أن القوة لله جميعاً، ولم تنصره فئته ونَفَره وولده الكثيرون، ولم يستطيعوا دفع العذاب عنه:
(وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصۡبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيۡهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي لَمۡ أُشۡرِكۡ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا ٤٢ وَلَمۡ تَكُن لَّهُ فِئَةٞ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا ٤٣).
خذ بعض البراهين على أن "القول" الذي أمره أن يقوله، هو توجهٌ واعتمادٌ والتزام، وليس مجرد ترديد كلمة (مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ) باللسان:
1- ﴿فَأَمَّا ٱلۡإِنسَٰنُ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ رَبُّهُ فَأَكۡرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ ١٥ وَأَمَّآ إِذَا مَا ٱبۡتَلَىٰهُ فَقَدَرَ عَلَيۡهِ رِزۡقَهُ فَيَقُولُ رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ ١٦ كـَلَّا بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ ١٧ وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ ١٨ وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا ١٩ وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا ٢٠﴾ [الفجر].
الإنسان الكافر إذا ما ابتلاه ربه بالكرامة والنعمة يقول: (رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ)، أي يظن أنه صاحب كرامة على الله لأنه أعطاه أكثر من غيره، وبالتالي يستمر في غيّه وشركه وإفساده!.
وأما إذا ما ابتلاه بضيق الرزق، فإنه يقول: (رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ)، أي يظن أن الله ظلمه وأهانه، وبالتالي يستمر أيضاً على شركه أكثر فأكثر، لعل شركاءه وأولياءه يشفعون له عند الله فيرفع عنه الظلم والهوان وضيق الرزق!.
هذا على الرغم من أن سعة الرزق وضيقه هو من آيات الله للناس، وليس بسبب إكرامه لفلان أو إهانته له، بل هو مجرد ابتلاء لهذا بالسعة، وابتلاء لذاك بالضيق!.
فالإنسان الكافر عندما يقول: (رَبِّيٓ أَكۡرَمَنِ)، وعندما يقول: (رَبِّيٓ أَهَٰنَنِ)، فهو يعتمد ويظن ويرى أن الله يحابيه أو يظلمه، وعلى كلا الحالتين يظل على كفره وشركه.
فهذا القول منه هو التزام وعمل، وليس مجرد نطق باللسان.
2- ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقۡرَبَهُم مَّوَدَّةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ٨٦﴾ [المائدة].
فهؤلاء المسلمون من أهل الكتاب، الذين تفيض أعينهم من الدمع عند سماعهم لكلام الله الجديد المنزل على محمد، يقولون: (رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣)، وقولهم هذا هو تعبير عن موقفهم من هذا القرآن، وبيان أنهم آمنوا به، بالتالي سوف يستجيبون لما يأمرهم من نصرة الرسول، وينتهون عن ما ينهاهم من تولي الكافرين من قومهم.
ثم يكون جزاؤهم: (جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا)، بسبب أنهم محسنون: (وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ)، يعملون الصالحات، ويتبعون ما جاءهم به النبي الأمي (مِنَ ٱلۡحَقِّ).
وكل هذا هو قولهم -ظنهم واعتمادهم والتزامهم- الذي قالوه: (فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ).
3- ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤﴾ [الأحقاف].
فهؤلاء الذين قالوا: (رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ)، هم: (أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا)، جزاءً عن أعمالهم الصالحة: (جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ).
بالتالي فإن قولَهم: (رَبُّنَا ٱللَّهُ)، هو ظنهم واعتمادهم والتزامهم الذي يعيشون عليه، ويعملون انطلاقاً منه، وليس مجرد التلفظ باللسان.
4- ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ رَضُواْ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ سَيُؤۡتِينَا ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّآ إِلَى ٱللَّهِ رَٰغِبُونَ ٥٩﴾ [التوبة].
وهذا القول ليس مجرد التلفظ، وإنما هو عمل يناقض عمل المنافقين الذين: (مِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ ٥٨).
5- ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُم مَّنَٰسِكَكُمۡ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ كَذِكۡرِكُمۡ ءَابَآءَكُمۡ أَوۡ أَشَدَّ ذِكۡرٗا فَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا وَمَا لَهُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ ٢٠٠ وَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ٢٠١ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّمَّا كَسَبُواْ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٢٠٢﴾ [البقرة].
من الناس من هو كافر، يقول -يظن ويعتمد-: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا)، ويكذب بالآخرة، ولا يرجو لقاء الله: (وَمَا لَهُ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖ).
ومنهم من هو مؤمن يقول -يظن ويعتمد-: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ)، ويعمل بمقتضى ذلك. فكونوا منهم!.
إذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كثيراً، أي تذكروا أمره ونهيه واستقيموا على ذلك، ولا تكونوا من الكافرين أو المنافقين الذين لا يذكرون الله -بالاستجابة لذكره أي للقرآن- إلا قليلاً.
فالذي يقول: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗ وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ حَسَنَةٗ)، هو مؤمن يظن بلقاء الله، وبالآخرة، ويسعى لها.
والذي يقول: (قِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ)، هو مؤمن مشفق من عذاب الله، يستقيم على أمره.
أما الذي يقول: (رَبَّنَآ ءَاتِنَا فِي ٱلدُّنۡيَا)، ولا يذكر الآخرة، فإنه هو الكافر المكذب بها، الذي لا يستقيم على الصالحات، بل يشرك ويفسد.
بالتالي فالقول هنا هو الظن والاعتماد، والتزام ما يقتضيه ذلك القول.
6- ﴿لَقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ وَقَالَ ٱلۡمَسِيحُ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمۡ إِنَّهُ مَن يُشۡرِكۡ بِٱللَّهِ فَقَدۡ حَرَّمَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ ٱلۡجَنَّةَ وَمَأۡوَىٰهُ ٱلنَّارُ وَمَا لِلظَّٰلِمِينَ مِنۡ أَنصَارٖ ٧٢ لَّقَدۡ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ وَمَا مِنۡ إِلَٰهٍ إِلَّآ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ٧٣ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى ٱللَّهِ وَيَسۡتَغۡفِرُونَهُ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٧٤ مَّا ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ وَأُمُّهُۥ صِدِّيقَةٞ كَانَا يَأۡكُلَانِ ٱلطَّعَامَ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ ٱنظُرۡ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٧٥ قُلۡ أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا وَٱللَّهُ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٦ قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوٓاْ أَهۡوَآءَ قَوۡمٖ قَدۡ ضَلُّواْ مِن قَبۡلُ وَأَضَلُّواْ كَثِيرٗا وَضَلُّواْ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٧٧﴾ [المائدة].
لاحظ أن قولهم: (إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ مَرۡيَمَ)، وقولهم: (إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلَٰثَةٖۘ)، هو عبادتهم لهم: (أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا)، وليس مجرد لفظ يقولونه بلسانهم.
وهذا الشرك، وهذه العبادة لهم، تم اختزالها في مقالتهم الذي يقولونها ويعتمدونها: (وَإِن لَّمۡ يَنتَهُواْ عَمَّا يَقُولُونَ)، أي عن ظنهم واعتمادهم والتزامهم بمقتضى هذا القول، من عبادتهم ودعائهم، من دون عبادة الله وحده.
ثم يدعوهم للتوبة والاستغفار منه بالإيمان وعبادة الله وحده: (أَتَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَكُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا)، في دلالة على أنه يريد العمل الناتج عن القول، وليس مجرد ذلك القول.
7- ﴿وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوۡ نَصَٰرَىٰ تَهۡتَدُواْ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَٰهِـۧمَ حَنِيفٗا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٣٥ قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَٱلۡأَسۡبَاطِ وَمَآ أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَآ أُوتِيَ ٱلنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمۡ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّنۡهُمۡ وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ ١٣٦ فَإِنۡ ءَامَنُواْ بِمِثۡلِ مَآ ءَامَنتُم بِهِ فَقَدِ ٱهۡتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا هُمۡ فِي شِقَاقٖ فَسَيَكۡفِيكَهُمُ ٱللَّهُ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ١٣٧ صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗ وَنَحۡنُ لَهُ عَٰبِدُونَ ١٣٨﴾ [البقرة].
فهذا القول الذي يُؤمرون بقوله: (قُولُوٓاْ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا..)، هو للتعبير عن الملة التي يتبعونها ويلتزمونها: (وَنَحۡنُ لَهُ مُسۡلِمُونَ)، وليس لمجرد الأمر بالتلفظ بها.
*** الآن، ما علاقة هذه الآية: (وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩).
بكلمة "ما شاء الله"، التي اصطلح الدين الوضعي على استخدامها عند رؤية مظهر حسن، أو نعمة، أو رزق، أو شيء جميل محبب لدى أصحابه، خوفاً من حصول ما يسمونه "الحسد"، أو ما يسمونه "العين"، وإلحاق الضرر بهذه النعمة وزوالها بمجرد النظر إليها؟!.
فما يسمى الحسد أو العين، هو مجرد شعوذات وسخافات من افتراء الدين الوضعي، نتيجةً لسوء فهمه لهذه الآية وغيرها من الآيات.
وإليك تفصيل بعضها:
﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ١ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾ [الفلق].
فمن خلال هذه السورة القصيرة التي لا يفهم منها الدين الوضعي أي كلمة، يلجأ إلى اختراع الشعوذات التي يرقع بها جهله بعموم كلام الله.
عندما يقول موسى لقومه: (إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم)، فإنه يُصرح باستعاذته بالله منهم، وتوكله عليه، والمضي في تبليغ رسالة ربه:
﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ ذَرُونِيٓ أَقۡتُلۡ مُوسَىٰ وَلۡيَدۡعُ رَبَّهُ إِنِّيٓ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمۡ أَوۡ أَن يُظۡهِرَ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡفَسَادَ ٢٦ وَقَالَ مُوسَىٰٓ إِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُم مِّن كُلِّ مُتَكَبِّرٖ لَّا يُؤۡمِنُ بِيَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ٢٧﴾ [غافر].
﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا قَبۡلَهُمۡ قَوۡمَ فِرۡعَوۡنَ وَجَآءَهُمۡ رَسُولٞ كَرِيمٌ ١٧ أَنۡ أَدُّوٓاْ إِلَيَّ عِبَادَ ٱللَّهِ إِنِّي لَكُمۡ رَسُولٌ أَمِينٞ ١٨ وَأَن لَّا تَعۡلُواْ عَلَى ٱللَّهِ إِنِّيٓ ءَاتِيكُم بِسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٖ ١٩ وَإِنِّي عُذۡتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمۡ أَن تَرۡجُمُونِ ٢٠ وَإِن لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ لِي فَٱعۡتَزِلُونِ ٢١ فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمٞ مُّجۡرِمُونَ ٢٢ فَأَسۡرِ بِعِبَادِي لَيۡلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٢٣ وَٱتۡرُكِ ٱلۡبَحۡرَ رَهۡوًا إِنَّهُمۡ جُندٞ مُّغۡرَقُونَ ٢٤﴾ [الدخان].
وهذا نفسه الأمر لمحمد بالتوكل على الله:
﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩ إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠ وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١ وَإِذَا وَقَعَ ٱلۡقَوۡلُ عَلَيۡهِمۡ أَخۡرَجۡنَا لَهُمۡ دَآبَّةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ تُكَلِّمُهُمۡ أَنَّ ٱلنَّاسَ كَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا لَا يُوقِنُونَ ٨٢﴾ [النمل].
ولاحظ كيف يصف الله له ما سيحل بهم عندما يقع قول الهلاك عليهم، بإخراج دابة من الأرض تكلمهم، ثم يتم إهلاكهم والحكم بينه وبينهم:
﴿قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي شَكّٖ مِّن دِينِي فَلَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِنۡ أَعۡبُدُ ٱللَّهَ ٱلَّذِي يَتَوَفَّىٰكُمۡ وَأُمِرۡتُ أَنۡ أَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٠٤ وَأَنۡ أَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٥ وَلَا تَدۡعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلۡتَ فَإِنَّكَ إِذٗا مِّنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٦ وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٠٧ قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ قَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡ فَمَنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَا وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِوَكِيلٖ ١٠٨ وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ وَٱصۡبِرۡ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ١٠٩﴾ [يونس].
فباتباعه لما يوحى إليه، وصبره حتى يحكم الله بينه وبينهم، يكون قد توكل عليه، واستعاذ به منهم.
وكذلك كل الرسل يتوكلون على الله، ويستعيذون به، ويصبرون على أذى أقوامهم حتى يحكم الله بينهم:
﴿وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ قَدۡ جَآءَتۡكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٨٥ وَلَا تَقۡعُدُواْ بِكُلِّ صِرَٰطٖ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ مَنۡ ءَامَنَ بِهِ وَتَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ كُنتُمۡ قَلِيلٗا فَكَثَّرَكُمۡ وَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٨٦ وَإِن كَانَ طَآئِفَةٞ مِّنكُمۡ ءَامَنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُرۡسِلۡتُ بِهِ وَطَآئِفَةٞ لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ فَٱصۡبِرُواْ حَتَّىٰ يَحۡكُمَ ٱللَّهُ بَيۡنَنَا وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٨٧ قَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ مِن قَوۡمِهِ لَنُخۡرِجَنَّكَ يَٰشُعَيۡبُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرۡيَتِنَآ أَوۡ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوۡ كُنَّا كَٰرِهِينَ ٨٨ قَدِ ٱفۡتَرَيۡنَا عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا إِنۡ عُدۡنَا فِي مِلَّتِكُم بَعۡدَ إِذۡ نَجَّىٰنَا ٱللَّهُ مِنۡهَا وَمَا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّعُودَ فِيهَآ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيۡءٍ عِلۡمًا عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا ٱفۡتَحۡ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَ قَوۡمِنَا بِٱلۡحَقِّ وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰتِحِينَ ٨٩ وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِ لَئِنِ ٱتَّبَعۡتُمۡ شُعَيۡبًا إِنَّكُمۡ إِذٗا لَّخَٰسِرُونَ ٩٠ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دَارِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩١ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَا ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ شُعَيۡبٗا كَانُواْ هُمُ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٩٢ فَتَوَلَّىٰ عَنۡهُمۡ وَقَالَ يَٰقَوۡمِ لَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُمۡ رِسَٰلَٰتِ رَبِّي وَنَصَحۡتُ لَكُمۡ فَكَيۡفَ ءَاسَىٰ عَلَىٰ قَوۡمٖ كَٰفِرِينَ ٩٣﴾ [الأعراف].
وكذلك هذه السورة القصيرة:
﴿قُلۡ أَعُوذُ بِرَبِّ ٱلۡفَلَقِ ١ مِن شَرِّ مَا خَلَقَ ٢ وَمِن شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ ٣ وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾.
من أولها إلى آخرها تفيد نفس البيان السابق الذي يستعيذ فيه الرسل بالله من محاولة قتلهم أو إخراجهم، ويصبرون على أذاهم، حتى يحكم الله بينهم.
وبالنسبة ل: (ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ)، فقد أخطأوا في قراءتها.
والصواب هو: "النَّفَثَات" وليس "النفاثات"، والنَّفَثَات جمع "نَفْثَة".
ومثلها الخطأ في قراءة "تَفَثَهم"، والتي هي على الحقيقة "نَفْثَهم"، كالتي قبلها:
﴿وَأَذِّن فِي ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَجِّ يَأۡتُوكَ رِجَالٗا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٖ يَأۡتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٖ ٢٧ لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ ٢٨ ثُمَّ لۡيَقۡضُواْ تَفَثَهُمۡ وَلۡيُوفُواْ نُذُورَهُمۡ وَلۡيَطَّوَّفُواْ بِٱلۡبَيۡتِ ٱلۡعَتِيقِ ٢٩﴾ [الحج].
ونَفْثم الذي يقضونه في الحج: هي الشؤون العامة المتعلقة بقوام حياتهم، التي ينفثون فيها الرأي، ويسعون لقضائها وإتمامها.
وكذلك استعاذته بالله من شر النَّفَثَات التي ينفثها الكافرون، في العقد التي يعقدها هو والذين آمنوا معه.
والعقد هي العقود المتفق عليها:
(وَلَا تَعۡزِمُوا۟ عُقۡدَةَ ٱلنِّكَاحِ حَتَّىٰ یَبۡلُغَ ٱلۡكِتَـٰبُ أَجَلَهُ) [البقرة ٢٣٥].
فالمؤمنون يعقدون العقد لإقامة القسط، والحكم بين الناس بالحق، وإقامة الكتاب، ويسعون ويعملون في سبيل ذلك.
والكافرون يأتون لهذه العقد، فينفثون فيها ضلالهم وكفرهم، لإفسادها وإفشالها، من أجل الصد عن سبيل الله.
وبالنسبة ل: (شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، فهم الذين يحسدون النبي والذين آمنوا معه، على ما آتاهم الله من فضله، من هذا الكتاب الذي أنزله عليهم، والملك المتعلق به:
﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُم بَلِ ٱللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَآءُ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلًا ٤٩ ٱنظُرۡ كَيۡفَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَكَفَىٰ بِهِ إِثۡمٗا مُّبِينًا ٥٠ أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا ٥١ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَعَنَهُمُ ٱللَّهُ وَمَن يَلۡعَنِ ٱللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ٥٢ أَمۡ لَهُمۡ نَصِيبٞ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذٗا لَّا يُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِيرًا ٥٣ أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا ٥٤ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ٥٥﴾ [النساء].
فهؤلاء الذين يزكون أنفسهم الذين يقولون: (لَن یَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ) [البقرة ١١١]، عندهم نصيب من ملك الكتاب، لكنهم يكتمونه عن الناس ولا يبينونه، ولا يؤتونهم نقيراً منه: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَبِئۡسَ مَا یَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧].
ثم يحسدون الأميين. يحسدون النبي والذين آمنوا معه على ما آتاهم الله من فضله من هذا الكتاب والملك العظيم -ملك الكتاب-، فيبين الله لهم أن فضله يؤتيه من يشاء من عباده، كما آتاهم هم من هذا الفضل من قبل، وكما آتى إبراهيم وآله الكتاب والحكمة والملك العظيم.
وهذا هو الحسد المُراد في هذه الآية: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ)، حسد اليهود والنصارى للنبي وآله والذين آمنوا معه والأميين على هذا الفضل والملك، الأمر الذي يحملهم على الكيد له وصد الناس عنه، والزعم أن الكافرين الضالين من الأميين أهدى سبيلاً من الذين آمنوا: (وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا)!.
فهؤلاء هم الحاسدون، وهكذا يحسدون ويكيدون.
*** والآن، ما علاقة هذه الآيات: (وَمِن شَرِّ ٱلنَّفَّٰثَٰتِ فِي ٱلۡعُقَدِ ٤ وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾، بشعوذات الدين الوضعي التي يسميها بِ "العين"، و"الحسد"، و"العين حق"، و"الساحرات"، و"النفخ في عقد الحبال"... إلى آخر شعوذات وسخافات الدين الوضعي، التي يلصقها بهذه الآيات؟!
الذي حصل، هو أن الدين الوضعي ربط بين الآية السابقة: (وَلَوۡلَآ إِذۡ دَخَلۡتَ جَنَّتَكَ قُلۡتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالٗا وَوَلَدٗا ٣٩)، وبين الآية: (وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ ٥﴾، وظن أن الرجل المؤمن يأمر صاحبه أن يقول بلسانه: "ما شاء الله لا قوة إلا بالله" في حال هو دخل جنته، خوفاً من أن "يحسد" هذه الجنة، ويصيبها "بالعين"!
ثم أضاف إلى ذلك بقية السخافات، من قيام الساحرين "بسحر" الناس عن طريق التعاون مع الجن!.
أما بالنسبة لمراد القرآن من كلمة "السحر"، فهي الوسائل التي يستخدمها الساحر المختص للتزييف والخداع والتلبيس على الناس، وإيهامهم أنه يأتي بالخوارق والأمور المستحيلة، ولا علاقة له بالجن والشياطين لا من قريب ولا من بعيد.
وبالنسبة ل"التفريق بين المرء وزوجه"، فهو عن طريق الزعم بحصول أشياء تستدعي التفريق بين المرء وزوجه، أو قيامها هي باللجوء إليهم، والتعاون معهم ليُلَبسوا عليه ويسترهبوه ويفرقوا بينه وبينها، وكل ذلك مقابل منافع مادية.
*** خلاصة:
كلمة "ما شاء الله" بالاستخدام المعهود، هي كلمة اخترعها الدين الوضعي الجاهل بمراد آيات القرآن، وظن أنها تُقال لدفع السخافات التي يسمونها "العين والحسد"، وصار الناس يقولونها عند الإعجاب بأي شيء، خوفاً من تأثير أعينهم فيه وتخريبه!
بل إن المرء إذا أعجبه شيء فإنه يصرح بإعجابه بأي طريقة يريدها، كأن يقول: ما أجمله، ولا شيء في ذلك.
وهؤلاء إخوة يوسف يتعجبون منه أشد العجب عندما علموا أنه العزيز، ولم يقولوا "ما شاء الله"، ولم يأمرهم هو بقولها خوفاً على نفسه من "أعينهم"!.
وتلك النسوة اللواتي أكبرن يوسف لما رأينه وقلن أنه ملك كريم وليس بشراً، أيضاً لم يقلن "ما شاء الله".
ويوسف لما رفع أبويه على العرش، لم يقل أحد منهم "ما شاء الله" كيلا "يحسده" ويحسد عرشه وملكه!.