خصوصية البيان القرآني. 3 . الناس






خصوصية البيان القرآني


الفصل الثالث:


" الناس "




مقدمة مختصرة للغاية:


أولاً:

القرآن لا يستخدم لفظة "ناس" إلا للإشارة إلى الأميين الذين منهم قوم محمد خاتم النبيين، والذين يقابلون أهل الكتاب من بني إسرائيل.


فهو يميزهم بهذه الكلمة -"الناس"- عن أولئك، وهذا ما يشكل الغالبية العظمى من المواطن التي يستخدم فيها القرآن هذه الكلمة.


فالناس هم الأمّيون الضالّون الغافلون عن الكتاب، وهم ما يقابل بني إسرائيل في حقبة محمد، الذين منهم أهل الكتاب، لكن مع الأخذ بالاعتبار استخدام هذه الكلمة "ناس" عند الحديث عنهم قصصهم وخبرهم هم، كمثل: 

﴿وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَیۡنࣰا قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسࣲ مَّشۡرَبَهُمۡ كُلُوا۟ وَٱشۡرَبُوا۟ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِینَ﴾ [البقرة ٦٠]، فهنا كلمة "ناس" تشير إلى أفراد بني إسرائيل الذين استسقى لهم.


ثانياً:

يستخدم هذه الكلمة أيضاً ليشير إلى أهل القرى الغابرة في أرض النبيين، التي أرسل إليها الرسل، ثم تم إهلاكها.

فالناس من الأميين زمان محمد، هم امتداد لأهل القرى، لكنهم أصبحوا أميين بعد موسى، لانقطاع الرسل عنهم -بعد أن كانت الرسل فيهم تترا-، واستحفاظ الكتاب في بني إسرائيل، وجعلهم مستأمنين عليه ليبلغوه لأولئك الناس الأميين.


ثالثاً: 

عبارة "يا أيها الناس" لا يخاطب بها القرآن إلا الأميين الذين نزل فيهم، والذين بعث فيهم هذا النبي الخاتم، وإن توهّم منها المتوهمون أنها تشير إلى عموم البشر في كل زمان ومكان.

لكن يمكن أن ينتج عن هذا الخطاب المتوجه إلى الأميين ب "يا أيها الناس"، يمكن أن ينتج عنه فائدة تعم غيرهم من الناس الذين جاؤوا من بعدهم، لكن ليس هذا هو مراد الآيات، وقد بينت ذلك في مواضعه من هذا الفصل.


رابعاً:

القرآن لا يتوجه بالبيان إلا إلى الرجال.

فهو عندما يصف الأقوام وأهل القرى، والناس في تلك القرى، وفي حقبة النبي الأمي، وعندما يصف الذين آمنوا، أو الذين كفروا، وكل أحد، فإنه تلقائياً يتوجه بالبيان الى الرجال دون النساء.

وهو في حالات بيان عاقبة الإيمان، أو الكفر والنفاق والشرك، على الرجال والنساء على حد سواء، فإنه يشير إليهن بالضمائر البيانية المخصصة لهنّ، ويؤكد على استحقاقهن للجزاء، خيراً أم شراً، هن والرجال على حد سواء.


وهو لا يقوم بذلك إلا لأنه لا يخاطبهن مطلقاً، ولا يتوجه بالبيان إليهن، فربما ظننّ أو ظن الرجال -القوم- أنهن غير مشمولات بالعاقبة والحساب، فتأتي الآيات التي تجعلهن جنباً إلى جنب في بيان شموليتهن بأمر الله ونهيه وحلاله وحرامه -وإن نزل كل ذلك مُتوجّهاً حصراً إلى الرجال-.


فالنساء هم تَبعٌ للرجال، وهذه هي الخلقة التي خلق الله الناس عليها، وهي الخلقة التي توعد الشيطان بتبديلها.

وهو السبب الذي من أجله يتعجب الهدهد.

فكيف لقوم أن يجعلوا امرأة تملكهم؟!

لكن يزول ذلك العجب عندما يذكر أنهم يسجدون للشمس من دون الله، فهؤلاء فَعَل فيهم الشيطان ما فعل، من تغيير لخلقة الله وفطرته، ومن تزيين السجود للشمس بدلاً من السجود له.


وقد بينتُ في دراسة مختصرة أن تلك المرأة التي ملكتهم، أودت بهم إلى الهلاك والدمار والخراب -على خلاف ما يظنه الناس- بسبب تعنتها وغرورها.

إذ إن قومها أشاروا إليها بأنهم يجعلون الأمر النهائي لها، وبينوا لها أنهم أولوا قوة وأولوا بأس شديد في حال أرادت الحرب، ويصرحون لها ضمنياً أنهم مستعدون للإسلام لله رب العالمين، الذي دعاهم إليه سليمان، ولن يعترضوا على قرارها في حال اختارت الإسلام -والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين-.

لكنها مع الأسف اختارت المداهنة وإرسال الهدية. الأمر الذي نتج عنه إرسال الجنود إليهم، وإخراجهم أذلة صاغرين، ثم بعد ذلك جاؤوه مسلمين لله رب العالمين.


بعد هذه المقدمة الموجزة، أقدم لك الآيات التي ترد فيها كلمة "ناس" في كل مكان في الكتاب، من أوله إلى آخره، وأقوم بشرح السياقات التي ترد فيها هذه الكلمة، فأشرحُ ما قبلها وما بعدها في معظم المواضع، وأتوسع في مواضع دون أخرى، وأبين فوائد كثيرة لا حصر لها، نتجت من شرح الآيات المتعلقة بهذه الكلمة "ناس".


ملاحظة:

سوف أقوم بإخراج الشرح شيئاً فشيئاً، حتى يكتمل هذا الفصل بالإتيان على كل لفظة "ناس" في القرآن.








سورة 2 "البقرة"



الم ﴿١﴾ ذَٰلِكَ الْكِتَابُ [الذي ينزله الله على رسله: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ﴾ [الحديد ٢٥]. وها نحن ننزله عليكم يا قوم محمد الأميين، كما أنزلناه على موسى من قبل] لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ ﴿٢﴾ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴿٣﴾ وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [يا محمد. وهو القرآن] وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [وهو كتاب موسى: ﴿قَالُوا۟ یَـٰقَوۡمَنَاۤ إِنَّا سَمِعۡنَا كِتَـٰبًا أُنزِلَ مِن بَعۡدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ یَهۡدِیۤ إِلَى ٱلۡحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِیقࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [الأحقاف ٣٠].] وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ [يذكرهم بالآخرة لأنهم يكفرون بها: ﴿وَقَالُوۤا۟ إِنۡ هِیَ إِلَّا حَیَاتُنَا ٱلدُّنۡیَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِینَ﴾ [الأنعام ٢٩].] ﴿٤﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴿٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الذين كفروا من قوم محمد الأميين، الذين يتنزل عليهم هذا القرآن] سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿٦﴾ خَتَمَ اللَّـهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴿٧﴾ وَمِنَ النَّاسِ [من قومه الأميين أنفسهم، الذين تتوجه إليهم هذه الآيات] مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّـهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ [منافقون: ﴿إِذَا جَاۤءَكَ ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ قَالُوا۟ نَشۡهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ یَعۡلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَٱللَّهُ یَشۡهَدُ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ لَكَـٰذِبُونَ﴾ [المنافقون ١].] ﴿٨﴾ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا [الذين آمنوا من قومهم الأميين] وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ ﴿٩﴾ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّـهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ﴿١٠﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ ﴿١١﴾ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـٰكِن لَّا يَشْعُرُونَ [﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُعۡجِبُكَ قَوۡلُهُ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيُشۡهِدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلۡبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ ٱلۡخِصَامِ ٢٠٤ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي ٱلۡأَرۡضِ لِيُفۡسِدَ فِيهَا وَيُهۡلِكَ ٱلۡحَرۡثَ وَٱلنَّسۡلَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلۡفَسَادَ ٢٠٥ وَإِذَا قِيلَ لَهُ ٱتَّقِ ٱللَّهَ أَخَذَتۡهُ ٱلۡعِزَّةُ بِٱلۡإِثۡمِ فَحَسۡبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ٢٠٦ وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ ٢٠٧﴾ [البقرة].] ﴿١٢﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ [كما آمن الذين آمنوا منكم -من الأميين-. فالناس هنا هم الذين آمنوا من الأميون الذين منهم النبي الخاتم، والذين يتنزل عليهم هذا القرآن] قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ [وهؤلاء السفهاء من الذين كفروا من الأميين هم من سوف يقولون فيما بعد: (ما ولاهم عن قبلتهم). ﴿سَیَقُولُ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَ ٱلنَّاسِ مَا وَلَّاهُمۡ عَن قِبۡلَتِهِمُ ٱلَّتِی كَانُوا۟ عَلَیۡهَا قُل لِّلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ﴾ [البقرة ١٤٢].] وَلَـٰكِن لَّا يَعْلَمُونَ ﴿١٣﴾ وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ [شياطينهم من الذين كفروا منهم -من الأميين-. ﴿وَكَذَ ٰ⁠لِكَ جَعَلۡنَا لِكُلِّ نَبِیٍّ عَدُوࣰّا شَیَـٰطِینَ ٱلۡإِنسِ وَٱلۡجِنِّ یُوحِی بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضࣲ زُخۡرُفَ ٱلۡقَوۡلِ غُرُورࣰا﴾ [الأنعام ١١٢].] قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [وهذا هو دَيْدَن المنافقين الكاذبين] إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ﴿١٤﴾ اللَّـهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴿١٥﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ  [لأنهم أميون ضالون عن هدى الله، اختاروا اتباع الضلال على الهدى -القرآن- الذي أنزله الله إليهم. بخلاف الذين كفروا من أهل الكتاب -المغضوب عليهم-، الذين ليسوا بضالين، بل هم على هدى من الكتاب لكنهم كفروا به، فغضب الله عليهم] فَمَا رَبِحَت تِّجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴿١٦﴾ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّـهُ بِنُورِهِمْ [طلبوا النور بإيقاد النار، فجاءهم النور فرفضوه، فذهب الله به بإطفاء مصدره -النار التي أوقدوها-. وهذا حالهم برفضهم للقرآن -نور الله-] وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَّا يُبْصِرُونَ ﴿١٧﴾ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ ﴿١٨﴾ أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّـهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿١٩﴾ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا [فمن كان هذا حاله، فهل يُرجى منه سمع أو بصر أو عقل او التفات لآيات الله؟!] وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ [لو شاء لذهب بسمع هؤلاء الذين كفروا وأبصارهم، فأصبحوا لا يسمعون مطلقاً ولا يبصرون شيئاً. فما الفائدة مما حباهم الله من السمع والأبصار، إن لم يكونوا يعقلون بها ويؤمنون؟!] إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [لكنه ام يشأ ذلك. فهم يسمعون ويبصرون كما تسمع وتبصر باقي الدوابّ، لكن من غير عقل وإيمان] ﴿٢٠﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [قوم محمد من الأميين، الذين نزل عليهم هذا القرآن يخاطبهم، ويبين لهم] اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿٢١﴾ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ [أرضكم، أرض النبيين. انظر الفصل الثاني من هذه السلسلة، والذي يبين خصوصية كلمة "الأرض"] فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّـهِ أَندَادًا [يدعونهم وينسبون إليهم الفضل، بدلاً من نسبته لله وشكره عليه بالإيمان والتقوى: ﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَا رَبَّهُ مُنِیبًا إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعۡمَةࣰ مِّنۡهُ نَسِیَ مَا كَانَ یَدۡعُوۤا۟ إِلَیۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادࣰا لِّیُضِلَّ عَن سَبِیلِهِ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِیلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ [الزمر ٨]. وهذا هو حال الذين كفروا من قوم محمد للأميين] وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٢٢﴾ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ [من مثل السورة رقم 1 مثلاً. إذ إن هذه السورة هي سورة رقم 2] وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم [الذين يشهدون معكم بأن القرآن افتراه محمد من عند نفسه. فاجتمعوا أنتم وشهداؤكم وأتوا بسورة من مثل هذا القرآن] مِّن دُونِ اللَّـهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٢٣﴾ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا [وهذا بيان صريح في أنهم يعلمون علم اليقين أن هذا القرآن ليس بكلام ونظم بشر، بل هو فوق مقدرتهم وفوق إدراكهم، لكنهم يُكابرون!: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُ لَیَحۡزُنُكَ ٱلَّذِی یَقُولُونَ فَإِنَّهُمۡ لَا یُكَذِّبُونَكَ وَلَـٰكِنَّ ٱلظَّـٰلِمِینَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ یَجۡحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣].] فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ [منكم أيها الأميون الكافرون. ولا شك أن النار وقودها الكافرون من كل الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، لكن ليس هذا هو المُراد بكلمة "الناس"، بل هي لا تعود بالوصف إلا على أولئك الأميين المكذبين] وَالْحِجَارَةُ [نار تأكل الحجارة بدل الخشب!] أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿٢٤﴾. 



يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ﴿٤٠﴾ وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ [بما أنزلت من آيات هذا القرآن، كتاب محمد] مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ [من الكتاب، كتاب موسى: ﴿وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَـٰبِ وَمُهَیۡمِنًا عَلَیۡهِ﴾ [المائدة ٤٨].] وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي [التي عندكم في كتاب موسى، والتي أنزلتها عليكم في هذا القرآن] ثَمَنًا قَلِيلًا [بأن تكفروا بها محاباة للكافرين، أو طمعاً في ما عندهم] وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ ﴿٤١﴾ وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ [الذي عندكم، والمصدق لما جاءكم به هذا النبي الأمي] وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿٤٢﴾ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [بإقامة كتاب الله، واتباع هذا النبي الأمي، والتمكين له في الأرض] وَآتُوا الزَّكَاةَ [بدفع الأموال المطلوبة في سبيل ذلك] وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ [والراكعون هم الذين استجابوا لذلك. ﴿یَـٰمَرۡیَمُ ٱقۡنُتِی لِرَبِّكِ وَٱسۡجُدِی وَٱرۡكَعِی مَعَ ٱلرَّ ٰ⁠كِعِینَ﴾ [آل عمران ٤٣].] ﴿٤٣﴾ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ [تأمرون الأميين الذين لم يكن لديهم كتاب قبل هذا القرآن. فالناس هم الأميون الذين منهم قوم محمد] بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ [بالكفر بكتاب محمد، وعدم اتباعه] وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ [الذي عندكم -كتاب موسى-، والذي يأمركم بعدم التفرقة بين رسل الله، وبالإيمان بهم كلهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيۡنَ ٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤۡمِنُ بِبَعۡضٖ وَنَكۡفُرُ بِبَعۡضٖ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيۡنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا ١٥٠ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ حَقّٗا وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٗا مُّهِينٗا ١٥١﴾ [النساء].] أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٤٤﴾ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴿٤٥﴾ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿٤٦﴾ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ [فضلتكم بالكتاب على العالمين في أرض النبيين في الزمان الذي بين موسى ومحمد، ثم فضلت الأميين باصطفاء النبي الخاتم منهم] ﴿٤٧﴾ وَاتَّقُوا يَوْمًا لَّا تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ [لا يقبل شفاعة نفس في نفس] وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ [لا يؤخذ من النفس الكافرة عدل تفتدي به نفسها من العذاب -فَرَضاً في حال ملكوا شيئاً يفتدون به أنفسهم!- ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَمَاتُوا۟ وَهُمۡ كُفَّارࣱ فَلَن یُقۡبَلَ مِنۡ أَحَدِهِم مِّلۡءُ ٱلۡأَرۡضِ ذَهَبࣰا وَلَوِ ٱفۡتَدَىٰ بِهِ أُو۟لَئكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِیمࣱ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِینَ﴾ [آل عمران ٩١]] وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ ﴿٤٨﴾.



وَإِذِ اسْتَسْقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ [من بني إسرائيل الذين خرجوا مع موسى، بعد أن نجاهم الله وأغرق فرعون] مَّشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِن رِّزْقِ اللَّـهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿٦٠﴾. 



وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ [في كتاب موسى] لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّـهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ [للناس من الأميين من أهل زمانكم وممن حولكم في أرض النبيين، وانتهاء بمحمد الذي بُعث في أولئك الأميين] حُسْنًا [بتذكيرهم بآيات الله التي معكم، وعدم كتمانها عنهم. فأحسن الحديث هو آيات الله في كتابه: ﴿ٱللَّهُ نَزَّلَ أَحۡسَنَ ٱلۡحَدِیثِ كِتَـٰبࣰا مُّتَشَـٰبِهࣰا مَّثَانِیَ﴾ [الزمر ٢٣].] وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ [بإقامة كتاب موسى. وهو كإقامة التوراة والإنجيل والقرآن بعد كتاب موسى: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ [القرآن] لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِمۚ مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱۖ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٦].] وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ ﴿٨٣﴾. 



وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَىٰ بِالْبَيِّنَاتِ [تسع آيات بينات أُرسل بها إلى فرعون، ورآها بنو إسرائيل: ﴿وَأَدۡخِلۡ یَدَكَ فِی جَیۡبِكَ تَخۡرُجۡ بَیۡضَاۤءَ مِنۡ غَیۡرِ سُوۤءࣲ فِی تِسۡعِ ءَایَـٰتٍ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَقَوۡمِهِ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ﴾ [النمل ١٢].] ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ [لما تعجل عنكم، وتوجه إلى جانب الطور الأيمن ليتلقى الكتاب: ﴿وَمَآ أَعۡجَلَكَ عَن قَوۡمِكَ يَٰمُوسَىٰ ٨٣ قَالَ هُمۡ أُوْلَآءِ عَلَىٰٓ أَثَرِي وَعَجِلۡتُ إِلَيۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ ٨٤ قَالَ فَإِنَّا قَدۡ فَتَنَّا قَوۡمَكَ مِنۢ بَعۡدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ ٨٥﴾ [طه].] وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿٩٢﴾ وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ [ميثاق الكتاب الذي جاءهم به موسى] وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ [بذلك الميثاق، لتخويفهم من نقضه: ﴿وَإِذۡ نَتَقۡنَا ٱلۡجَبَلَ فَوۡقَهُمۡ كَأَنَّهُ ظُلَّةࣱ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُ وَاقِعُ بِهِمۡ خُذُوا۟ مَاۤ ءَاتَیۡنَـٰكُم [من الكتاب] بِقُوَّةࣲ وَٱذۡكُرُوا۟ مَا فِیهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾ [الأعراف ١٧١].] خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم [من الكتاب] بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا [لنبيكم] قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُم بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿٩٣﴾ قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللَّـهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ [من دون الذين آمنوا من الأميين: ﴿وَقَالُوا۟ لَن یَدۡخُلَ ٱلۡجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ تِلۡكَ أَمَانِیُّهُمۡ قُلۡ هَاتُوا۟ بُرۡهَـٰنَكُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾ [البقرة ١١١].] فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٤﴾ وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ ﴿٩٥﴾ وَلَتَجِدَنَّهُمْ [الذين كفروا من بني إسرائيل] أَحْرَصَ النَّاسِ [أحرص الناس من أهل زمانهم] عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا [أيضاً الذين أشركوا من الأميين، فيهم من هم أحرص الناس على حياة] يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ ﴿٩٦﴾ قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ [أظهروا عداءهم لجبريل، فجاء هذا الرد] فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّـهِ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴿٩٧﴾ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّـهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ [ميكيل وليس ميكال، وهو روح القدس الذي يفرق القرآن عليه. وقد صححت هذا الخطأ في سلسلة دراسات: أخطاء القرّاء] فَإِنَّ اللَّـهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ ﴿٩٨﴾ وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ [﴿قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّاۤ إِلَّاۤ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡنَا وَمَاۤ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَـٰسِقُونَ﴾ [المائدة ٥٩].] ﴿٩٩﴾ أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم [﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىٰ خَاۤئنَةࣲ مِّنۡهُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنۡهُمۡ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱصۡفَحۡ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [المائدة ١٣].] بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ﴿١٠٠﴾ وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ [بالقرآن، كتاب محمد] مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ [من الحق] نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّـهِ [كتاب موسى الذي عندهم] وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴿١٠١﴾ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ [أحاديث وأقاصيص وشعوذات آبائهم. كتلك التي اخترعها كهان المسلمين بعد محمد، ثم نسبوها إليه وإلى الله] وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ [إذ إن هذا الذي يتبعونه -وهو في الأساس من وحي الشياطين بعد سليمان- هو كفر، فكيف تنسبونه لسليمان؟!] وَلَـٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ [الذين أوحَوْا إليهم بتلك التفاهات] كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ [من أهل بابل في ذلك الزمان، من أميين وأهل كتاب] السِّحْرَ [فنون وعلوم وكيمياء وخفة يد، يوهمون الناس من خلالها أنهم يأتون بالخوارق، ليستعبدوهم و"يستحمروهم". ﴿قَالَ بَلۡ أَلۡقُوا۟ فَإِذَا حِبَالُهُمۡ وَعِصِیُّهُمۡ یُخَیَّلُ إِلَیۡهِ مِن سِحۡرِهِمۡ أَنَّهَا تَسۡعَىٰ﴾ [طه ٦٦].] وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ [المَلِكين بكسر اللام وليس بفتحها. وانظر بيانها في سلسلة: أخطاء القرّآء] بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ [مَلِكان كانا ببابل. تنزلت عليهما الشياطين بوحي كاذب مُزَخرَف، إلى جانب علوم السحر، للتدليس على الناس وسوقهم من رقابهم. ﴿وَمَا تَنَزَّلَتۡ بِهِ ٱلشَّيَٰطِينُ ٢١٠ وَمَا يَنۢبَغِي لَهُمۡ وَمَا يَسۡتَطِيعُونَ ٢١١ إِنَّهُمۡ عَنِ ٱلسَّمۡعِ لَمَعۡزُولُونَ ٢١٢﴾ [الشعراء]. فالقرآن لم تتنزل به الشياطين كما تنزلت على هاروت وماروت، بل إنهم لم يعودوا يستطيعون السمع في زمن نزول القرآن: ﴿وَأَنَّا لَمَسۡنَا ٱلسَّمَاۤءَ فَوَجَدۡنَـٰهَا مُلِئَتۡ حَرَسࣰا شَدِیدࣰا وَشُهُبࣰا ٨ وَأَنَّا كُنَّا نَقۡعُدُ مِنۡهَا مَقَـٰعِدَ لِلسَّمۡعِ فَمَن یَسۡتَمِعِ ٱلۡـَٔانَ یَجِدۡ لَهُ شِهَابࣰا رَّصَدࣰا ٩﴾ [الجن]. فالقرآن لا ينفي وحي شياطين الجن لأوليائهم من الإنس، لكن ينفي أن يكون القرآن من وحيهم، كما زعم قوم محمد] وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ [هاروت وماروت كانا يحذران الناس من الكفر بسبب تبِعات ما سوف يتعلمونه منهما من وحي الشياطين الذي أُنزل عليهما. فيقولان للواحد منهم: احذر! فإنك بعد أن تتعلمه منا سوف تُسَوّل لك نفسك بمباشرة العمل به للتدليس على الناس، ليعظموك ويعبدوك، ويأتمروا وينتهوا بنهيك، لتكون بذلك قد شاركت الله في ألوهيته، وجعلت من نفسك ندّاً له، على الرغم من أنك كذاب مخادع، لا تضر ولا تنفع، وسوف يصبح أتباعك مشركون] فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ [الكافرون يتعلمون منهما ما يؤدي بالناس إلى الكفر والتفريق بينهم وبين أزواجهم، إذ إن المؤمنة لا تحل للكافر: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا جَاۤءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَ ٰ⁠تࣲ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِهِنَّ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَـٰتࣲ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ یَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة ١٠].] وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّـهِ [فلا يظنوا أنهم بسحرهم وشعوذاتهم وكذبهم يستطيعون أن يفعلوا في الناس شيئاً خارجاً عن إذن الله!] وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ [وهنا ينتقل الحديث إلى وصف بني إسرائيل زمان محمد: فهم إن توهموا فيه نفعاً من علو في الأرض، وتخويفٍ للناس وتذليلهم لهم، فإن عاقبة ذلك من الخسران والنيران أعظم من تلك المنافع القليلة] وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ [فإنهم يعلمون ما جرى بين موسى والسحرة: ﴿وَأَلۡقِ مَا فِی یَمِینِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوۤا۟ إِنَّمَا صَنَعُوا۟ كَیۡدُ سَـٰحِرࣲ وَلَا یُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَیۡثُ أَتَىٰ﴾ [طه ٦٩]. ويعلمون عاقبة أمر السامري الساحر المُدَلِّس: ﴿قَالَ فَٱذۡهَبۡ فَإِنَّ لَكَ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوۡعِدࣰا لَّن تُخۡلَفَهُ وَٱنظُرۡ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِكَ ٱلَّذِی ظَلۡتَ عَلَیۡهِ عَاكِفࣰا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِی ٱلۡیَمِّ نَسۡفًا﴾ [طه ٩٧].] وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ [لبئس ما باعوا به أنفسهم: ﴿وَشَرَوۡهُ [باعوه] بِثَمَنِ بَخۡسࣲ دَرَ ٰ⁠هِمَ مَعۡدُودَةࣲ وَكَانُوا۟ فِیهِ مِنَ ٱلزَّ ٰ⁠هِدِینَ﴾ [يوسف ٢٠]، إذ إنهم يطلبون مكاسب قليلة بذلك السحر، مقابل أن يخسروا أنفسهم الخسران المبين: ﴿قُلۡ إِنَّ ٱلۡخَـٰسِرِینَ ٱلَّذِینَ خَسِرُوۤا۟ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِیهِمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَلَا ذَ ٰ⁠لِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِینُ﴾ [الزمر ١٥].] لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٢﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ خَيْرٌ [خير من مكاسب الشعوذة والسحر والتدليس] لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ﴿١٠٣﴾


 

وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا [إماماً للناس في قرى أرض النبيين، في زمانه وما بعده، وهو وإسحق ويعقوب أئمة لمن جاء بعدهم وترك ملة الشرك، وأسلم لله رب العالمين. ﴿وَٱتَّبَعۡتُ مِلَّةَ ءَابَاۤءِیۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَإِسۡحَـٰقَ وَیَعۡقُوبَ مَا كَانَ لَنَاۤ أَن نُّشۡرِكَ بِٱللَّهِ مِن شَیۡءࣲ ذَ ٰ⁠لِكَ مِن فَضۡلِ ٱللَّهِ عَلَیۡنَا وَعَلَى ٱلنَّاسِ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا یَشۡكُرُونَ﴾ [يوسف ٣٨]. وبنو إسرائيل لم يتخذوا إبراهيم إماماً، إذ إنهم تلبسوا بالشرك بكونهم -في مجملهم- هوداً ونصارى، والقلة منهم مسلمون حنفاء على ملة إبراهيم، وهؤلاء هم الذين استجابوا للنبي الأمي وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. وكان إبراهيم إماماً للمؤمنين المتبعين لخاتم النبيين محمد: ﴿وَقَالُوا۟ كُونُوا۟ هُودًا أَوۡ نَصَـٰرَىٰ تَهۡتَدُوا۟ قُلۡ بَلۡ مِلَّةَ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ حَنِیفࣰا وَمَا كَانَ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِینَ﴾ [البقرة ١٣٥]. ويلزم من ذلك -بالتبعية- أن يكون إبراهيم إماماً للناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد خاتم النبيين، لأن الله يجعله أسوة مُطلقة في الإسلام ونبذ الشرك، والبراءة من أهله من غير تلكؤ ولا مداهنة: ﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةࣱ فِیۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِیمَ وَٱلَّذِینَ مَعَهُ إِذۡ قَالُوا۟ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَ ٰۤ⁠ ؤُا۟ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمُ ٱلۡعَدَ ٰ⁠وَةُ وَٱلۡبَغۡضَاۤءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُوا۟ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ﴾ [الممتحنة ٤].] قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ﴿١٢٤﴾ وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا [هنا يلتفت الكلام لوصف حال الأميين من الناس زمان محمد، وتذكيرهم بنعمة الأمن والكفاية التي يحققها لهم هذا البيت: ﴿وَقَالُوۤا۟ إِن نَّتَّبِعِ ٱلۡهُدَىٰ مَعَكَ نُتَخَطَّفۡ مِنۡ أَرۡضِنَاۤ أَوَلَمۡ نُمَكِّن لَّهُمۡ حَرَمًا ءَامِنࣰا یُجۡبَىٰۤ إِلَیۡهِ ثَمَرَ ٰ⁠تُ كُلِّ شَیۡءࣲ رِّزۡقࣰا مِّن لَّدُنَّا وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [القصص ٥٧].] وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى [هنا أمر للذين آمنوا مع محمد، بأن يتخذوا من المسجد الحرام مصلى، يجتمعون فيه لإقامة الصلاة بإقامة كتاب الله المنزل إليهم، وبسبب هذا الأمر أصبح السفهاء من الناس يتعجبون من تغيير قبلتهم -مكان صلاتهم- التي كانوا عليها سابقاً] وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ ﴿١٢٥﴾ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ [ثمرات ونتاج مختلف قرى أرض النبيين، يأتون بها إليه في سياراتهم. ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِلسَّیَّارَةِ﴾ [المائدة ٩٦]. ﴿وَجَاۤءَتۡ سَیَّارَةࣱ فَأَرۡسَلُوا۟ وَارِدَهُمۡ فَأَدۡلَىٰ دَلۡوَهُ قَالَ یَـٰبُشۡرَىٰ هَـٰذَا غُلَـٰمࣱ وَأَسَرُّوهُ بِضَـٰعَةࣰ وَٱللَّهُ عَلِیمُ بِمَا یَعۡمَلُونَ﴾ [يوسف ١٩].] مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا [أيضاً من كفر من أهل هذا البلد فسوف أرزقه وأمتعه من متاع الدنيا القليل، وليس فقط من آمن] ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَىٰ عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴿١٢٦﴾ 



سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ [الناس هم الأميون الذين منهم قوم محمد، والسفهاء هم الذين كفروا منهم: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ ءَامِنُوا۟ كَمَاۤ ءَامَنَ ٱلنَّاسُ قَالُوۤا۟ أَنُؤۡمِنُ كَمَاۤ ءَامَنَ ٱلسُّفَهَاۤءُ أَلَاۤ إِنَّهُمۡ هُمُ ٱلسُّفَهَاۤءُ وَلَـٰكِن لَّا یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٣].] مَا وَلَّاهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ [المسجد الذي كانوا يجتمعون فيه لإقامة الصلاة -إقامة الحق الذي ينزله عليهم في هذا القرآن-، قبل أن يأمرهم فيما بعد باتخاذ المسجد الحرام قبلة للاجتماع وإقامة الصلاة. ﴿وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَىٰ مُوسَىٰ وَأَخِیهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوۡمِكُمَا بِمِصۡرَ بُیُوتࣰا [مساجد] وَٱجۡعَلُوا۟ بُیُوتَكُمۡ قِبۡلَةࣰ [تَخَيَّرا لقومكما بيوتاً تجعلانها قبلة لهم يأتونها للاجتماع فيها، تحضيراً للخروج من مصر والتحرر من عبودية فرعون، والتي هي أحد أسباب إرسال موسى إليه: ﴿فَأۡتِیَاهُ فَقُولَاۤ إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرۡسِلۡ مَعَنَا بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ وَلَا تُعَذِّبۡهُمۡ قَدۡ جِئۡنَـٰكَ بِـَٔایَةࣲ مِّن رَّبِّكَ وَٱلسَّلَـٰمُ عَلَىٰ مَنِ ٱتَّبَعَ ٱلۡهُدَىٰۤ﴾ [طه ٤٧].] وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ [أقيموا الصلاة في تلك البيوت، بالتشاور والبحث في كيفية تنفيذ خطة الهروب] وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [يونس ٨٧]. ثم ليوحي الله لموسى ببدء التنفيذ: ﴿وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢ فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ [شرذمة من المؤمنين مع موسى، اجتمعوا في تلك البيوت التي جعلها لهم قبلة، ثم ها هم الآن يبدأون بالتحرك للخروج، فتصل أخبارهم مباشرة إلى فرعون، فيبدأ بملاحقتهم] ٥٤ وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦﴾ [الشعراء].] الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا [إذ إنهم جاءهم الأمر من الله في وقت سابق بإقامة الصلاة: ﴿وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَمَا تُقَدِّمُوا۟ لِأَنفُسِكُم مِّنۡ خَیۡرࣲ تَجِدُوهُ عِندَ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [البقرة ١١٠]. فصاروا يتخذون مساجد الله -الموجودة سلفاً في أرض النبيين حول المسجد الحرام- قبلة يجتمعون فيها طرفي النهار وزلفاً من الليل لإقامة الصلاة -إقامة القرآن كتاب نبيهم المنزل إليهم-] قُل لِّلَّـهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ [جواب من الله إلى نبيه ليقوله لهم، عندما يحتجون عليه بحجة تغيير القبلة -تغيير مكان الاجتماع الخاص به هو والذين آمنوا معه-. والمشرق والمغرب هما مشرق ومغرب الشمس على أرضهم أرض النبيين، ومُراد ذلك هو الإخبار عن أن أرضهم بحدودها الشرقية والغربية هي كلها لله، ولا يهم المكان -في الوقت الحالي قبل التحوّل إلى المسجد الحرام- بقدر ما يهم تنفيذ أمر إقامة الصلاة -الاجتماع بالعشي والإبكار لإقامة ما يأمرهم به في الكتاب-]  ﴿١٤٢﴾ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ [أيها الذين آمنوا مع محمد] أُمَّةً وَسَطًا [فأنتم آمنتم بالله واتبعتم رسوله، على الرغم من أنكم -في الأساس- من الأميين الضالين عن الحق من كتاب الله، ولستم -في نفس الوقت- من أهل الكتاب، الذين لديهم الحق من كتاب الله الذي عندهم، لكنهم كفروا به فغضب الله عليهم!. فأنتم وسط بين الأميين الضالّين، وأهل الكتاب المغضوب عليهم] لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ [على الأميين الذين منهم قوم محمد، والذين يتنزل عليهم هذا القرآن. فأنتم أيها الذين آمنوا مع محمد، شهداء على الذين كفروا من قومكم الأميين عند الله يوم القيامة، تشهدون أن الله لم يتركهم ضالّين عن كتابه، بل أرسل إليهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياته، لكنهم كفروا به وكذبوه، فتدحَضُ بذلك حجة عدم إرسال رسول إليهم بالكتاب. وهؤلاء هم الشهداء، وقد قام كهان المسلمين بأخذ هذه الكلمة -شهداء- وتحريف معناها بجعلها تُطلق على من يُقتَل في معركة!. أما بالنسبة للآية: ﴿إِن يَمۡسَسۡكُمۡ قَرۡحٞ فَقَدۡ مَسَّ ٱلۡقَوۡمَ قَرۡحٞ مِّثۡلُهُ وَتِلۡكَ ٱلۡأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيۡنَ ٱلنَّاسِ وَلِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمۡ شُهَدَآءَ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٤٠ وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ [فالقرح الذي أصابكم أيها الذين آمنوا مع محمد، هو لأجل أن يعلم الله المؤمنين حقاً والصابرين، ولأجل أن يتخذ منكم شهداء يشهدون على الناس أن النبي بلغهم لكنهم قابلوه بالعداء وبالحرب والقتل. فأنتم أيها الذين آمنوا كلكم شهداء على الناس، سواء أقُتلتم في سبيل الله أم لم تقتلوا. وهذا هو مراد الآيات، ولا علاقة لشعوذات كهان المسلمين بالقرآن لا من قريب ولا من بعيد] وَيَمۡحَقَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٤١﴾ [آل عمران].] وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا [فكما أنتم -أيها الذين آمنوا- تشهدون على الناس من قومكم بأن الله أرسل إليهم رسولاً، وأنزل إليهم كتاباً؛ فكذلك سوف يكون الرسول شهيداً عليكم أنتم أيضاً، بأنه بلغكم ما أوحي إليه من ذلك الكتاب -القرآن-، ولن يكون لكم عذر عند الله في حال عدتم فكفرتم به -فرَضاً-، أو في حال تركتم الاستجابة لبعض ما أمركم الله به في ذلك الكتاب] وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا [مكان الاجتماع السابق قبل الأمر بالانتقال إلى المسجد الحرام. وقد كان الله أقرّهم على ما كانوا يتوجهون للاجتماع فيه من مساجد الله في شرق أرضهم وغربها حول المسجد الحرام: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَٰجِدَ ٱللَّهِ أَن يُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ [ممن منع المؤمنين من الاجتماع في مساجد الله -الموجودة سلفاً- في شرق الأرض وغربها حول المسجد الحرام، لإقامة الصلاة -إقامة القرآن-] وَسَعَىٰ فِي خَرَابِهَآ [بتعطيلها عن غايتها التي وجدت لأجلها، وهي إقامة الصلاة] أُوْلَٰٓئِكَ مَا كَانَ لَهُمۡ أَن يَدۡخُلُوهَآ إِلَّا خَآئِفِينَ [بعد أن ينصر الله المؤمنين عليهم، فلا يدخلون مساجد الله -في حال دخلوها- إلا خائفين] لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١١٤ وَلِلَّهِ ٱلۡمَشۡرِقُ وَٱلۡمَغۡرِبُ فَأَيۡنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجۡهُ ٱللَّهِ [وهنا كان قد أقرّهم على المسجد أو المساجد التي كانوا يجعلونها قبلة ليجتمعوا فيها لإقامة الصلاة] إِنَّ ٱللَّهَ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ١١٥﴾ [البقرة]. ثم بعد ذلك أمرهم بأن يتخذوا من مقام إبراهيم -الكعبة في المسجد الحرام- مُصلّى، في توطئة وتمهيد لتغيير القبلة بشكل كلّي! ﴿وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَیۡتَ مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ [مثابةً وأمناً للأميين أهل ذلك البيت ومن حوله زمان محمد] وَأَمۡنࣰا وَٱتَّخِذُوا۟ [أيها الذين آمنوا مع محمد] مِن مَّقَامِ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ مُصَلࣰّى وَعَهِدۡنَاۤ إِلَىٰۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمَ وَإِسۡمَـٰعِیلَ أَن طَهِّرَا بَیۡتِیَ لِلطَّاۤئفِینَ وَٱلۡعَـٰكِفِینَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ﴾ [البقرة ١٢٥]، وهذه الآية هي بمثابة بيان "معترض" يأمر الذين آمنوا مع محمد باتخاذ مقام إبراهيم مصلى -تمهيداً لتحويل القبلة إليه-، على الرغم من أن السياق الذي يحوي هذه الآية هو سياق قصصي يتحدث عن إبراهيم! وقد قمت بشرحها ضمن سلسلة: جمل اعتراضية] إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ [فأصبح تغيير القبلة من الأمور التي يُبتلى بها الذين آمنوا، ليعلم الله المؤمنين حقاً، من الذين يزعمون الإيمان كذباً فينقلبون على أعقابهم كافرين، ويظنون أن الرسول يأتي بالأوامر من عنده، ويغيرها متى شاء!. وهنا سوف يعلم الله -علم واقع وعلم شهادة- مَن يتبع الرسول ممن ينقلب على عقبيه، على الرغم من كونه يعلم ذلك سلفاً علم غيب!، لكنه لا يحاسب الناس على ما علمه منهم بالغيب، بل يحاسبهم على ما ظهر من حالهم، وعلى ما شَاهَدَه منهم] وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّـهُ [لم يكن تغيير القبلة بالأمر الهَيّن، بل كان شديداً إلا على الذين هدى الله، وهم المؤمنون حقاً الذين استجابوا مباشرة لهذا الأمر الجديد] وَمَا كَانَ اللَّـهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ [ما كان ليضيع إيمانكم السابق، حيث كنتم تتخذون من المساجد في شرق أرضكم وغربها قبلة تجتمعون فيها لإقامة الصلاة] إِنَّ اللَّـهَ بِالنَّاسِ [الناس هم نفسهم هؤلاء الذين آمنوا مع محمد من الأميين، والذين غيروا مكان إقامة الصلاة -القبلة- وتوجهوا إلى المسجد الحرام. ولا شك أن الله رؤوف رحيم بالمؤمنين من الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، لكن ليس هذا هو المراد هنا بكلمة الناس، بل هي مختصة بهم هم] لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ ﴿١٤٣﴾ قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا [فبعد أن أمرهم الله بأن يتخذوا من مقام إبراهيم في المسجد الحرام مصلى، أصبح النبي يقلب وجهه في السماء، يرجو الله أن يأمرهم باتخاذ المسجد الحرام قبلتهم الدائمة، فيترك الذين آمنوا -أينما وُجِدوا- كل المساجد، ويتوجهوا حصراً إلى المسجد الحرام. وهذا ما سوف يترتب عليه الأمر بالهجرة، والتوجه للمدينة للالتحاق بالنبي في المسجد الحرام. وقد كان المؤمنون متفرقين يُصَلّون في كل المساجد في شرق الأرض وغربها حول المسجد الحرام، وكان الله قد أقرهم على ذلك: ﴿وَأَنَّ ٱلۡمَسَـٰجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدۡعُوا۟ مَعَ ٱللَّهِ أَحَدࣰا﴾ [الجن ١٨]، ﴿قُلۡ أَمَرَ رَبِّی بِٱلۡقِسۡطِ وَأَقِیمُوا۟ وُجُوهَكُمۡ عِندَ كُلِّ مَسۡجِدࣲ وَٱدۡعُوهُ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ كَمَا بَدَأَكُمۡ تَعُودُونَ﴾ [الأعراف ٢٩]. ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ ٱللَّهُ أَن تُرۡفَعَ وَيُذۡكَرَ فِيهَا ٱسۡمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ ٣٦ رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧ [النور].] فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [وهنا جاء الأمر لكل المؤمنين بترك الإقامة في مشارق أرضهم ومغاربها، والتوجه إلى المسجد الحرام، للالتحاق بالنبي وإقامة الصلاة معه فيه] وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ [الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذا الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام هو الحق من ربهم، ولم يأتِ به النبي من عنده كما زعم ذلك السفهاء من الأميين] وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ [إذ إن هؤلاء الذين أوتوا الكتاب لا يستجيبون لهذا الحق الذي يأمرهم به ربهم في الكتاب الذي ينزله على النبي الأمي، والذي هو -في الأساس- مصدق للحق الذي معهم في كتاب موسى: ﴿وَلَمَّا جَاۤءَهُمۡ رَسُولࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِیقࣱ مِّنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ كِتَـٰبَ ٱللَّهِ [الذي عندهم والذي يأمرهم بالإيمان بالنبي الأميّ] وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠١]. بدلاً من أن يؤمنوا به: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُوا۟ وَٱتَّقَوۡا۟ لَمَثُوبَةࣱ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَیۡرࣱ لَّوۡ كَانُوا۟ یَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة ١٠٣].] ﴿١٤٤﴾ وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ [لو أتيتهم بكل آية من آيات هذا القرآن، ما توجهوا معك إلى المسجد الحرام، وَلَمَا التحقوا ولا آمنوا بك. إذ إنهم قد نَبَذوا كتاب الله الذي معهم وراء ظهورهم، فكيف سيؤمنون لك؟!] وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ [بالصلاة في مساجدهم. لا ينبغي لك ذلك بعد أن جاءك الحق من ربك، وهو الحق الموافق لما عندهم. فهم أيضاً مأمورون في كتابهم بالتوجه إلى المسجد الحرام لإقامة الصلاة فيه، لكنهم لم يستجيبوا لذلك الحق، بل ولم يستجيبوا له بعد أن نزل القرآن يؤكد عليه!] وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ [إذ إن الذين أوتوا الكتاب، منهم اليهود والنصارى، الذين -هم بدورهم- يكفرون ببعضهم البعض: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ﴾ [البقرة ١١٣]. ويتبعون وحي الشياطين: ﴿وَٱتَّبَعُوا۟ مَا تَتۡلُوا۟ ٱلشَّیَـٰطِینُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَیۡمَـٰنَ﴾ [البقرة ١٠٢]. ويتخذ كل فريق منهم قبلة يجتمعون فيها، لا ليقيموا الصلاة بإقامة كتاب الله، بل ليقيموا ما اتبعوه من وحي الشياطين وطقوسهم! ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ [القرآن] لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ [مؤمنة مقتصدة، لكن ليست مؤمنة سابقة بالخيرات] وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ [كثير منهم كافرون]﴾ [المائدة ٦٦].] وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم [فيما يأمرونك به من جواز الصلاة في مساجدهم، أو من مراعاتهم والتجاوز عنهم في تركهم اتباعك بالتوجه للمسجد الحرام] مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ [العلم المتعلق بتغيير القبلة، وهو الآية السابقة الصريحة في ذلك: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ).] إِنَّكَ إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ [فلو اتبع النبي هوى أحد من البشر فيما يخالف ما يوحى إليه من القرآن لكان من الظالمين "الكافرين"] ﴿١٤٥﴾ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ [وهم الطائفة المؤمنة من بني إسرائيل: ﴿ٱلَّذِینَ ءَاتَیۡنَـٰهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ یَتۡلُونَهُ [يتلون كتابهم، كتاب موسى] حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُو۟لَـٰۤئكَ یُؤۡمِنُونَ بِهِ [بهذا القرآن] وَمَن یَكۡفُرۡ بِهِ [بالقرآن، من أهل الكتاب] فَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ﴾ [البقرة ١٢١]. فالذين "آتيناهم الكتاب"، هم غير الذين "أوتوا الكتاب"] يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ [يعرفون هذا الحق المتعلق بوجوب التوجه للمسجد الحرام واتخاذه قبلة، والهجرة إليه وإقامة الصلاة فيه تمهيداً للسيطرة عليه. وهذا هو الذي يُؤمر به النبيون في أرضهم، إذ إن الله يرسلهم لإقامة القسط بين الناس: ﴿لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَأَنزَلۡنَا مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡمِیزَانَ لِیَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلۡقِسۡطِ [ولأجل ذلك أمرهم بالقتال وذكر إنزال "تمكينهم من:" الحديد، لتحقيق تلك الغاية:] وَأَنزَلۡنَا ٱلۡحَدِیدَ فِیهِ بَأۡسࣱ شَدِیدࣱ وَمَنَـٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِیَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن یَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِٱلۡغَیۡبِ [بالقتال في سبيله لأجل إقامة القسط في تلك الأرض "أرض النبيين" ولأجل تخليص المسجد الحرام من المفسدين] إِنَّ ٱللَّهَ قَوِیٌّ عَزِیزࣱ﴾ [الحديد ٢٥]. ولا يتم ذلك إلا بوضع اليد على المسجد الحرام الذي فيه الكعبة البيت الحرام الذي هو قوام حياتهم: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة ٩٧]. وإليه تأتي السيارة من كل فج عميق من قرى أرض النبيين: ﴿أُحِلَّ لَكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُ مَتَـٰعࣰا لَّكُمۡ وَلِلسَّیَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَیۡكُمۡ صَیۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمࣰا وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ٱلَّذِیۤ إِلَیۡهِ تُحۡشَرُونَ﴾ [المائدة ٩٦]. وفيه كان داوود يحكم بين الناس: ﴿یَـٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَـٰكَ خَلِیفَةࣰ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَیۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَیُضِلَّكَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَضِلُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابࣱ شَدِیدُ بِمَا نَسُوا۟ یَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ﴾ [ص ٢٦]. وكذلك محمد نبي هذا القرآن: ﴿فَلِذَ ٰ⁠لِكَ فَٱدۡعُ وَٱسۡتَقِمۡ كَمَاۤ أُمِرۡتَ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَاۤءَهُمۡ وَقُلۡ ءَامَنتُ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِن كِتَـٰبࣲ [فأمْر الله في الكتاب واحد، سواء كتاب موسى أم كتاب محمد، والمؤمنون منهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، والكافرون يكتمونه]﴾ [الشورى ١٥]. ثم بعد ذلك أُمِر النبي بإخراج المشركين من الأميين من هذا المسجد الحرام: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡمُشۡرِكُونَ نَجَسࣱ فَلَا یَقۡرَبُوا۟ ٱلۡمَسۡجِدَ ٱلۡحَرَامَ بَعۡدَ عَامِهِمۡ هَـٰذَا﴾ [التوبة ٢٨]، الذي هو قيام حياتهم، ووجود المشركين فيه يتعارض وهذه الغاية، فهو "عاصمة" أرض النبيين، والفساد فيه يتعدى ويؤثر على كل القرى والمدائن. وأيضاً أمر بإخضاع الكافرين من الذين أوتوا الكتاب: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا یَدِینُونَ دِینَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ حَتَّىٰ یُعۡطُوا۟ ٱلۡجِزۡیَةَ عَن یَدࣲ وَهُمۡ صَـٰغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]. الموالين والمظاهرين للأميين المشركين] وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ [من أهل الكتاب] لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ [المتعلق بالهجرة إلى المسجد الحرام واتخاذه قبلة] وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٤٦﴾ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ [في كتابهم وكتابك] فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ [بهذا الحق] ﴿١٤٧﴾ وَلِكُلٍّ [من الذين آمنوا مع النبي، والمؤمنون سلفاً من بني إسرائيل، وهم طائفة: "الذين آتيناهم الكتاب". وما يقابلهم من اليهود والنصارى] وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا [فاليهود لهم وجهة "قبلة" يتجهون إليها وكذلك النصارى، وهي أماكن في المشرق والمغرب حول المسجد الحرام، وقد سبق بيان أنهم مختلفون في القبلة، ولا يتبعون قبلة بعض. والمؤمنون لهم وجهتهم الأم، وهي المسجد الحرام] فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ [استبقوا -أيها الذين آمنوا- الخيرات بالإسراع بالامتثال لأمر الله، والتوجه والهجرة إلى المسجد الحرام] أَيْنَ مَا تَكُونُوا [في قرى أرض النبيين حول المدينة] يَأْتِ بِكُمُ اللَّـهُ جَمِيعًا [إلى المسجد الحرام] إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿١٤٨﴾ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ [من قريتك التي أُخرِجتَ منها: ﴿وَكَأَیِّن مِّن قَرۡیَةٍ هِیَ أَشَدُّ قُوَّةࣰ مِّن قَرۡیَتِكَ ٱلَّتِیۤ أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَـٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ [محمد ١٣].] فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [توجه إليه للإقامة فيه واتخاذه قبلة. فهذا الأمر بتغيير القبلة من المسجد القديم في قريته التي أُخرج منها إلى المسجد الحرام -قلب المدينة-، كان متزامناً مع إخراجه من قريته. ﴿مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِینَةِ [قرية المسجد الحرام] وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن یَتَخَلَّفُوا۟ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا یَرۡغَبُوا۟ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِ﴾ [التوبة ١٢٠]] وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ [فلا تتردد، ولا تتمارى، وتوكل على الله. ﴿فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِینِ﴾ [النمل ٧٩].] وَمَا اللَّـهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ﴿١٤٩﴾ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [تأكيد] وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ [أيها المؤمنون، في قرى أرض النبيين حول المدينة] فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [وهاجروا إليه] لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ [للأميين، ممن هم في المدينة -في المسجد الحرام- أو خارجها] عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ [فأنتم حنفاء على ملّة إبراهيم! أفلا تتخذون مقامه، والمسجد الذي فيه البيت -الذي رفع هو قواعده- قبلة؟!. والناس من الأميين يعلمون هذه الحقيقة، ويحجون إلى البيت في الأشهر الحرم، لكن بالشرك، وممارسة النسيء في الشهور الحرم، والاعتداء فيها، والإفساد في الأرض، والصد عن سبيل الله، والكفر باليوم الآخر، وأكل أموال الناس بالباطل، وأكل الربا، وجعل الملائكة بنات لله، وعبادتهم واتخاذهم شفعاء لجلب منافع دنيوية أو دفع ضرر… فهؤلاء سوف يكون لهم حجة على المؤمنين المتبعين لملة إبراهيم في حال لم يتخذوا المسجد الحرام قبلة!. ولا تنسَ أن الله أمر المؤمنين بأن يفيضوا في الحج من حيث أفاض الناس: ﴿ثُمَّ أَفِیضُوا۟ مِنۡ حَیۡثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسۡتَغۡفِرُوا۟ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [البقرة ١٩٩]. لأن الناس -الأميين- يحجون البيت منذ أول يوم!، والحج والأشهر الحرم والهدي والقلائد هي أمور لا تقوم حياتهم إلا بها شاؤوا ذلك أم أبَوَ: ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ [للأميين] وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤئدَ﴾ [المائدة ٩٧].  ﴿لِإِيلَٰفِ قُرَيۡشٍ ١ إِۦلَٰفِهِمۡ رِحۡلَةَ ٱلشِّتَآءِ وَٱلصَّيۡفِ [ رحلة الربيع، رحلة الحج من قرى أرض النبيين إلى المسجد الحرام] ٢ فَلۡيَعۡبُدُواْ رَبَّ هَٰذَا ٱلۡبَيۡتِ ٣ ٱلَّذِيٓ أَطۡعَمَهُم مِّن جُوعٖ [لأنه يجبى إليهم ثمرات -"وموارد"- كل شيء في الحج] وَءَامَنَهُم مِّنۡ خَوۡفِۭ [لأنه فيه البيت] ٤﴾ [قريش].] إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [فالذين كفروا منهم يتم دحض حجتهم بالتوجه إلى المسجد الحرام واتخاذه قبلة، فلا يبقى لهم حجة، ولا خيار أمامهم بعد ذلك إلا الإيمان. أما الذين ظلموا منهم، فهم -رغم كفرهم- يظلمون الناس ويبغون في الأرض، ويستخدمون المسجد الحرام والحج لتحقيق أمجاد ومكاسب شخصية، بالصد عن سبيل الله وإضلال واستغلال الأمم في قرى أرض النبيين، فهؤلاء -من الأساس- لا يُجدي معهم الاحتجاج! ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ ضَلَٰلَۢا بَعِيدًا ١٦٧ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ طَرِيقًا ١٦٨ إِلَّا طَرِیقَ جَهَنَّمَ خَـٰلِدِینَ فِیهَاۤ أَبَدࣰا وَكَانَ ذَ ٰ⁠لِكَ عَلَى ٱللَّهِ یَسِیرࣰا ١٦٩﴾ [النساء].] فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ [بإتمام الحق في الكتاب المنزل إليكم. فها أنتم الآن توجهتم إلى المسجد الحرام، وسوف يكون هذا المسجد خالصاً للمؤمنين، وسوف يظهر دينكم على كل الدين، وسوف أُمَكّنُ لكم في أرضكم أرض النبيين. وقد تم بالفعل كل ذلك] وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿١٥٠﴾ كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ [بشراً مثلكم: ﴿لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ إِذۡ بَعَثَ فِیهِمۡ رَسُولࣰا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡهِمۡ ءَایَـٰتِهِ وَیُزَكِّیهِمۡ وَیُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبۡلُ لَفِی ضَلَـٰلࣲ مُّبِینٍ﴾ [آل عمران ١٦٤].] يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ ﴿١٥١﴾ فَاذْكُرُونِي [تذكروني دائماً، واعرفوا نعمتي وفضلي عليكم، بهذا الكتاب الذي أنزلته إليكم بعد أن كنتم ضالّين عنه] أَذْكُرْكُمْ [وأزيدكم من فضلي. ولا أنساكم كما أنسى من ينساني: ﴿ٱلۡمُنَـٰفِقُونَ وَٱلۡمُنَـٰفِقَـٰتُ بَعۡضُهُم مِّنۢ بَعۡضࣲ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡمُنكَرِ وَیَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمَعۡرُوفِ وَیَقۡبِضُونَ أَیۡدِیَهُمۡ نَسُوا۟ ٱللَّهَ فَنَسِیَهُمۡ إِنَّ ٱلۡمُنَـٰفِقِینَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾ [التوبة ٦٧].] وَاشْكُرُوا لِي [بدوام الاستجابة لما آمركم به في الآيات التي أنزلها عليكم، والتضحية في سبيل تحقيقها] وَلَا تَكْفُرُونِ ﴿١٥٢﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ [بالصبر على ما أصابكم من القتل في سبيل الله. في إشارة إلى الموقعة التي أصابهم فيها القرح -يوم التقى الجمعان- ثم صبروا وثبتوا وانتصروا] وَالصَّلَاةِ [فالصلاة هي "التطبيق العملي" لما يأمرهم به في الآيات التي تتنزل عليهم] إِنَّ اللَّـهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٣﴾ وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ [يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان، يوم أن أصابتهم مصيبة كانوا قد أصابوا مثليها من قبل، ثم بعد ذلك نصر الله المؤمنين بالريح وبالجنود من الملائكة، وكفاهم إكمال القتال] أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَـٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ [﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَمۡوَٰتَۢا بَلۡ أَحۡيَآءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ يُرۡزَقُونَ [لم يموتوا، بل انتقلوا من حياة الدنيا إلى حياة أعلى منها عند ربهم. وهم تماماً كعيسى ابن مريم الذي كفاه الله القتل على أيدي الكافرين من بني إسرائيل، ثم توفاه وفاة عادية، ورفعه إليه ليحيا حياة كحياة هؤلاء الذين قتلوا في سبيله. وكذلك إدريس الذي رفعه مكاناً علياً] ١٦٩ فَرِحِينَ بِمَآ ءَاتاهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ وَيَسۡتَبۡشِرُونَ بِٱلَّذِينَ لَمۡ يَلۡحَقُواْ بِهِم مِّنۡ خَلۡفِهِمۡ أَلَّا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٧٠ يَسۡتَبۡشِرُونَ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٧١ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢﴾ [آل عمران].] ﴿١٥٤﴾ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ﴿١٥٥﴾ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ [القتل في سبيل الله في ذلك الموطن] قَالُوا إِنَّا لِلَّـهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [﴿ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣ فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ [بعودة الدائرة لهم بأن نصرهم الله] لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ [إذ قد كفاهم القتال بعد أن صبروا وبايعوا النبي تحت الشجرة، وكف الله أيدي الناس عنهم من غير جهد منهم] وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤﴾ [آل عمران]. ﴿١٥٦﴾ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ [بالآيات الجديدة التي تتنزل عليهم، يبشرهم فيها بثوابه وبالنصر، ويبشرهم بحياة من قتل منهم عند الله] وَرَحْمَةٌ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴿١٥٧﴾  إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ [أماكن يعرفونها، متعلقة بالبيت والمسجد الحرام] مِن شَعَائِرِ اللَّـهِ [فكل شيء متعلق بالحج -الذي هو قوام حياتهم- هو شعار من شعائر الله التي جعلها لهم] فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ [منكم أيها الذين آمنوا مع النبي] أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا [لا جناح عليه أن يَمُرّ عليهما. وهما كالتطواف والمرور بالبيت العتيق، إذ إن كل تلك الأماكن هي شعائر جعلها الله لهم ليذكروه -يتذكروه- كثيراً، ويعرفوا نعمته وفضله عليهم بجعل البيت قواماً لحياتهم، وليتذكروا أباهم إبراهيم الأسوة للمسلمين الحنفاء من بعده] وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا [بالمرور بهما وذكر الله -استشعار ومعرفة فضله- عندهما] فَإِنَّ اللَّـهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ [وكما أخبرتك سابقاً، فإن المسجد الحرام والحج وما يتعلق به من أماكن وشعائر كالصفا والمروة، كان الناس من الأميين يعرفونها، ويحجون البيت، لكن يشركون ويصدون عن سبيل الله، ويأكلون أموال الناس بالباطل، في تحريف وقلب للغاية والمقصد الذي من أجله جعل الله لهم هذا البيت وهذا الحج. وسوف أتكلم عن الحج بتوسع في شرح السورة رقم 22 والتي اصطلح الناس على تسميتها بسورة الحج، وسوف أدحض شعوذات كهّان المسلمين المتعلقة به] ﴿١٥٨﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ [من أهل الكتاب، كتاب موسى] مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ [في كتابهم، والمتعلقة بالحج والمسجد الحرام، واتخاذه قبلة لإقامة الصلاة فيه] مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ [للأميين الضالّين عن هذه البينات، وهذا الهدى] فِي الْكِتَابِ [كتاب محمد، القرآن] أُولَـٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّـهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ [يلعنهم الله، ويلعنهم اللاعنون من الملائكة والمؤمنين] ﴿١٥٩﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا [بينوا هذا الهدى من بعد كتمانه، وشهدوا للنبي الأمي وأيّدوه] فَأُولَـٰئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [الذين كفروا بهذا القرآن المنزل إليهم من الأميين الضالّين] وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَـٰئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّـهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [كل الناس من حولهم في ذلك الزمان، من مؤمنين وكافرين. فحتى الكافرون يلعنون بعضهم البعض: ﴿يَوۡمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمۡ فِي ٱلنَّارِ يَقُولُونَ يَٰلَيۡتَنَآ أَطَعۡنَا ٱللَّهَ وَأَطَعۡنَا ٱلرَّسُولَا۠ ٦٦ وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعۡنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا ٱلسَّبِيلَا۠ ٦٧ رَبَّنَآ ءَاتِهِمۡ ضِعۡفَيۡنِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ وَٱلۡعَنۡهُمۡ لَعۡنٗا كَبِيرٗا ٦٨﴾ [الأحزاب]. ولاحظ أن الذين كفروا من الأميين، هم في زمرة الملعونين من الكافرين مع أهل الكتاب، الذين يكتمون الآيات البينات التي عندهم في كتاب موسى. فالكافرون ملعونون سواء أكانوا أميين أم أهل الكتاب -طبعاً في تلك الحقبة من الزمان، فالقرآن بيان خاص بهم-] ﴿١٦١﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿١٦٢﴾ وَإِلَـٰهُكُمْ [أيها المؤمنون -من الأميين وأهل الكتاب-] إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ [ودينه واحد: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًا إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ [مجتمعة على الإسلام] وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢﴾ [المؤمنون].] لَّا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَـٰنُ الرَّحِيمُ ﴿١٦٣﴾ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ [الأميين في أرض النبيين. ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِی خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَخۡرَجَ بِهِ مِنَ ٱلثَّمَرَ ٰ⁠تِ رِزۡقࣰا لَّكُمۡ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ لِتَجۡرِیَ فِی ٱلۡبَحۡرِ بِأَمۡرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ ٱلۡأَنۡهَـٰرَ [وهكذا معظم القرآن يتوجه بالبيان إلى الناس من الأميين، والذين منهم قوم محمد]﴾ [إبراهيم ٣٢].] وَمَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا [أرضكم أيها الأميون] وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ [منكم] يَعْقِلُونَ [فيؤمنون] ﴿١٦٤﴾ وَمِنَ النَّاسِ [من الأميين. والذين يتوجه إليهم هذا القرآن، ويخاطبهم ويصفهم ويتحدث عنهم] مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّـهِ أَندَادًا [فهم مشركون، وهم أكثر الناس من الأميين: ﴿وَمَا یُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ [أكثر الناس من الأميين زمان نزول القرآن لا يؤمنون بالله -إذ إنهم من الأساس لا ينكرونه- إلا ويشركون به!]﴾ [يوسف ١٠٦].] يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّـهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّـهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا [منهم. وهؤلاء لم يكتفوا بالكفر، بل زادوا عليه ظلم المؤمنين مع النبي] إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّـهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ ﴿١٦٥﴾ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ ﴿١٦٦﴾ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا [الذين أشركوا مع الله متبوعيهم وسادَتهم وكبراءَهم، وأطاعوهم في الحلال والحرام والكفر، وظلم الذين آمنوا مع النبي، وإخراجهم من أرضهم] لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ اللَّـهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ﴿١٦٧﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الناس من الأميين زمان محمد. والذين نزل هذا القرآن بياناً خاصاً مُتَعلِّقاً بهم] كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا [إذ إن الأميين لهم شركاء يحرمون عليهم الطيبات!] وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ [في تحريم ما أحله الله لكم: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هَٰذِهِ ٱلۡأَنۡعَٰمِ خَالِصَةٞ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَىٰٓ أَزۡوَٰجِنَا وَإِن يَكُن مَّيۡتَةٗ فَهُمۡ فِيهِ شُرَكَآءُ سَيَجۡزِيهِمۡ وَصۡفَهُمۡ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ١٣٩ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ قَتَلُوٓاْ أَوۡلَٰدَهُمۡ سَفَهَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَحَرَّمُواْ مَا رَزَقَهُمُ ٱللَّهُ ٱفۡتِرَآءً عَلَى ٱللَّهِ قَدۡ ضَلُّواْ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ١٤٠… قُل لَّاۤ أَجِدُ فِی مَاۤ أُوحِیَ إِلَیَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمࣲ یَطۡعَمُهُ إِلَّاۤ أَن یَكُونَ مَیۡتَةً أَوۡ دَمࣰا مَّسۡفُوحًا أَوۡ لَحۡمَ خِنزِیرࣲ فَإِنَّهُ رِجۡسٌ أَوۡ فِسۡقًا أُهِلَّ لِغَیۡرِ ٱللَّهِ بِهِ.. ١٤٥﴾ [الأنعام].] إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿١٦٨﴾ إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّـهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥ وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦﴾ [النحل]. فتحريمهم للطيبات هو من قولهم على الله ما لا يعلمون، وما لم ينزل به سلطاناً في كتابٍ يتلى عليهم] ﴿١٦٩﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّـهُ [ما أنزل الله عليكم في هذا القرآن بعد ضلالكم عنه] قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [فآباؤهم هم أيضاً أميون ضالون عن هدى الله. هذا بخلاف آبائهم الأولين الذين أرسل إليهم يوسف وموسى. أما بعد موسى فقد فَتَرَ عنهم الرسل إلى أن أُرسِل فيهم رسول منهم -محمد- بالقرآن. ﴿أَفَلَمۡ یَدَّبَّرُوا۟ ٱلۡقَوۡلَ [القرآن] أَمۡ جَاۤءَهُم مَّا لَمۡ یَأۡتِ ءَابَاۤءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِینَ [؟!] ٦٨ أَمۡ لَمۡ یَعۡرِفُوا۟ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُ مُنكِرُونَ [؟! بل لقد لبث فيهم عمراً من قبل أن يرسله الله إليهم، وهم يعرفونه حق المعرفة، ويعرفون عقله وصدقه] ٦٩ [المؤمنون].] ﴿١٧٠﴾ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا [من هؤلاء الأميين الضالّين] كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً [كمثل الذي ينعق بما لا يُسْمِع -بالضم وليس بالفتح، وانظر بيانها في سلسلة أخطاء القراء- إلا دعاءً ونداءً. فهو ينعِق بصوت لا يُفهم منه شيء!. لا يُسْمِعُ الناسَ إلا دعاءً ونداءً!. لا يَسمَعُ الناسُ منه إلا نعيقاً غير مفهومٍ مُرادُه منه!. فعندما يُقال لهم: اتبعوا ما أنزل الله -من الحق في هذه الآيات البينات-، لا يكون جوابهم إلا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا!. بالله أهذا جواب؟!. هل الحق أحقّ أن يُتَّبع أم شعوذات الآباء؟!. وأين الضرر في مخالفة ما عليه الآباء في حال كانوا هم أيضاً ضالّين لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟!. وهكذا الذين كفروا بالقرآن من الأميين، مَثَلُهم إذا تكلموا، كالذي يَنعِق بصوت لا يُفهَمُ منه بيانٌ عقلانيٌّ، غير أن هناك شخصاً يُصدِر ضجيجاً!.] صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ [فهم صم لا يسمعون، وبُكم لا يصدر عنهم بيان مفهوم، وعُميّ لا يرون الحقيقة: ﴿وَقَالُواْ لَوۡ كُنَّا نَسۡمَعُ أَوۡ نَعۡقِلُ مَا كُنَّا فِيٓ أَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١٠ فَٱعۡتَرَفُواْ بِذَنۢبِهِمۡ فَسُحۡقٗا لِّأَصۡحَٰبِ ٱلسَّعِيرِ ١١﴾ [الملك].] ﴿١٧١﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ [ولا تلتفتوا لكذب المشركين من تحريم ما أحله الله -الطيبات-: ﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ [كل شيء خارج الأصناف الأربعة المحرمة هو مما ذُكر اسم الله عليه، وهو من الطيبات] وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِ﴾ [الأنعام ١١٩].] وَاشْكُرُوا لِلَّـهِ [بمعرفة فضله عليكم ورحمته بكم، وبرهان ذلك هو الاستجابة، وترك ما عليه قومكم من الأميين الضالين] إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴿١٧٢﴾ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّـهِ [فما كان ضمن هذه الأصناف الأربعة فهو من الخبائث المحرمة، وهو مما لم يُذكر اسم الله عليه: ﴿وَلَا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا لَمۡ یُذۡكَرِ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ  [وهو أي طعام يندرج تحت أحد هذه الأصناف الأربعة. والميتة هي الفاسد عكس الخالص، سواء أكان لحماً أم نباتاً] وَإِنَّهُ لَفِسۡقࣱ وَإِنَّ ٱلشَّیَـٰطِینَ لَیُوحُونَ إِلَىٰۤ أَوۡلِیَاۤئهِمۡ لِیُجَـٰدِلُوكُمۡ وَإِنۡ أَطَعۡتُمُوهُمۡ إِنَّكُمۡ لَمُشۡرِكُونَ﴾ [الأنعام ١٢١].] فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٧٣﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ مِنَ الْكِتَابِ [وهم الذين أوتوا الكتاب من أهل الكتاب، يكتمون الحق الذي في كتابهم، والموافق للحق الذي يأتيهم به القرآن: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ لَتُبَیِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاۤءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَبِئۡسَ مَا یَشۡتَرُونَ﴾ [آل عمران ١٨٧].] وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا [ينسبون للكتاب ما ليس فيه، للتلبيس على قومهم وعلى الأميين، ولتحقيق مكاسب مادية عن طريق التقرب منهم، وموافقتهم على كفرهم، والتبرير لهم، ونسبة كل ذلك لله!. ﴿فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَـٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰا فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ﴾ [البقرة ٧٩].] أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿١٧٤﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ﴿١٧٥﴾ ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّـهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ [وهم الذين أوتوه وراثة: ﴿كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰ [أمة واحدة على الإسلام. فاختلفوا بين الإسلام والشرك، وابتدأ ذلك بقوم نوح] فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِیِّـۧنَ مُبَشِّرِینَ وَمُنذِرِینَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِیَحۡكُمَ بَیۡنَ ٱلنَّاسِ فِیمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ [بين الإسلام والشرك، وبين الحق والباطل] وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِیهِ [في ذلك الكتاب الذي ينزله مع النبيين] إِلَّا ٱلَّذِینَ أُوتُوهُ [من بني إسرائيل بعد موسى، إذ إنهم ورثوه وراثة، ولم يأتهم به نبي بعد موسى: ﴿فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفࣱ وَرِثُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ﴾ [الأعراف ١٦٩].] مِن بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَـٰتُ [بينات ذلك الكتاب] بَغۡیَۢا بَیۡنَهُمۡ [حسداً واختلافاً، ومسارعة في تحقيق المكاسب والحظوة، واستغلاله للاستعلاء في الأرض، وكتمان الحق الذي يخالف ما يذهبون إليه] فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ [مع محمد، هداهم بالقرآن] لِمَا ٱخۡتَلَفُوا۟ فِیهِ [هداهم لما اختلف فيه الذين أوتوا الكتاب] مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِ [فعلموه وعملوا به] وَٱللَّهُ یَهۡدِی مَن یَشَاۤءُ إِلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمٍ﴾ [البقرة ٢١٣].] لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴿١٧٦﴾  لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ [أيها الذين أوتوا الكتاب] قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ [إذ لكل طائفة منهم وجهة هو موليها، فبعضهم في المشرق، وبعضهم في المغرب، ولا يتبعون قبلة بعض] وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّـهِ [فهم يكفرون به ويجعلون له الولد: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ عُزَیۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَى ٱلۡمَسِیحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِ﴾ [التوبة ٣٠].] وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [فهم لا يؤمنون باليوم الآخر: ﴿قَـٰتِلُوا۟ ٱلَّذِینَ لَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَلَا یُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا یَدِینُونَ دِینَ ٱلۡحَقِّ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ حَتَّىٰ یُعۡطُوا۟ ٱلۡجِزۡیَةَ عَن یَدࣲ وَهُمۡ صَـٰغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩]. وهم حريصون على الحياة الدنيا، ولا يرجون الدار الآخرة ولقاء الله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَیَوٰةࣲ وَمِنَ ٱلَّذِینَ أَشۡرَكُوا۟ یَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ یُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةࣲ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن یُعَمَّرَ وَٱللَّهُ بَصِیرُۢ بِمَا یَعۡمَلُونَ﴾ [البقرة ٩٦].] وَالْمَلَائِكَةِ [فهم يكفرون ببعضهم ويعادونهم: ﴿قُلۡ مَن كَانَ عَدُوࣰّا لِّجِبۡرِیلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیۡهِ وَهُدࣰى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِینَ﴾ [البقرة ٩٧].] وَالْكِتَابِ [فهم يكفرون بالقرآن كتاب محمد: ﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ ءَامِنُوا۟ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ [القرآن] قَالُوا۟ نُؤۡمِنُ بِمَاۤ أُنزِلَ عَلَیۡنَا [كتاب موسى] وَیَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَاۤءَهُ [كتاب محمد] وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقࣰا لِّمَا مَعَهُمۡ [من كتاب موسى] قُلۡ فَلِمَ تَقۡتُلُونَ أَنۢبِیَاۤءَ ٱللَّهِ مِن قَبۡلُ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ [فكتابكم يحرم عليكم القتل بغير حق، فكيف تقتلون الأنبياء إن كنتم حقاً تؤمنون بما أنزل إليكم كما تزعمون]﴾ [البقرة ٩١].] وَالنَّبِيِّينَ [فهم يكفرون بمحمد النبي الأميّ: ﴿ٱلَّذِینَ قَالُوۤا۟ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَیۡنَاۤ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ یَأۡتِیَنَا بِقُرۡبَانࣲ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُ قُلۡ قَدۡ جَاۤءَكُمۡ رُسُلࣱ مِّن قَبۡلِی بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَبِٱلَّذِی قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَـٰدِقِینَ﴾ [آل عمران ١٨٣].] وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ [بأن يكون محباً له ومحتاجاً إليه] ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ [فهم لا ينفقون مما رزقهم الله، بل ويأكلون أموال الناس بالباطل: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ﴾ [التوبة ٣٤]. ﴿أَمۡ لَهُمۡ نَصِیبࣱ مِّنَ ٱلۡمُلۡكِ فَإِذࣰا لَّا یُؤۡتُونَ ٱلنَّاسَ نَقِیرًا﴾ [النساء ٥٣]] وَأَقَامَ الصَّلَاةَ [فهم لا يقيمونها: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ [القرآن] لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٦].] وَآتَى الزَّكَاةَ [فهم لا يؤتون الزكاة: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ لَا تَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ وَبِٱلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ إِحۡسَانࣰا وَذِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینِ وَقُولُوا۟ لِلنَّاسِ حُسۡنࣰا وَأَقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ ثُمَّ تَوَلَّیۡتُمۡ إِلَّا قَلِیلࣰا مِّنكُمۡ وَأَنتُم مُّعۡرِضُونَ﴾ [البقرة ٨٣].] وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا [فهم ينبذون العهود ولا يوفون بها: ﴿أَوَكُلَّمَا عَـٰهَدُوا۟ عَهۡدࣰا نَّبَذَهُ فَرِیقࣱ مِّنۡهُم بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا یُؤۡمِنُونَ﴾ [البقرة ١٠٠].] وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ [والذين أوتوا الكتاب ليسوا منهم! ﴿أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ [الأميين] بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ [البقرة ٤٤].] ﴿١٧٧﴾ 



يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [مع محمد] كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ [يقصد الصيام عموماً، وليس صيام شهر رمضان الذي سوف يأتي ذكره] كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ [من المؤمنين] لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴿١٨٣﴾ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ [مثل ثلاثة أيام لكفارة الأيمان. وقد قمت بكتابة دراسة شاملة عن الصيام بإمكانك قراءتها] فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٤﴾ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ [أنزل القرآن في شهر رمضان هدى للناس من الأميين الضالّين عن هدى الله: ﴿وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمۡ [بالقرآن] وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِ لَمِنَ ٱلضَّاۤلِّینَ﴾ [البقرة ١٩٨]. فالناس هم حصراً الأميون الذين نزل عليهم هذا القرآن. وهذه الكلمة لا تشمل أهل الكتاب من بني إسرائيل في زمانهم، فقد كانوا على هدى من ربهم بخلاف هؤلاء الأميين الضالّين عن هداه. لكن أهل الكتاب في مُجملهم فاسقون مغضوبٌ عليهم، لكفرهم وإعراضهم عن الهدى الذي لديهم -كتاب موسى- إلا قليلاً منهم] وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ [أيها الذين آمنوا مع محمد] الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [ولا يشترط أن يكون الأمر بصيام شهر كامل -شهر رمضان- قد أُمر به المؤمنون من قبلهم، بل هو على الأغلب أمر خاص بالذين آمنوا مع محمد، بخلاف الصيام عموماً فقد كتب أيضاً على مَن قبلَهم] وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّـهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّـهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿١٨٥﴾ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴿١٨٦﴾ أُحِلَّ لَكُمْ [أيها الذين آمنوا مع محمد، خلافاً للمؤمنين من قبلكم] لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّـهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّـهُ لَكُمْ [من إِتيانهن] وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ [هنا بَيّن لهم حدود الليل الذي أباح لهم فيه الرفث إلى نسائهم. بينه لهم ليجتنبوه في النهار] وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّـهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ [لهؤلاء الناس من الأميين الذين نزل القرآن هدىً موجهاً إليهم] لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [لعلهم يتقون الله فيؤمنون برسوله وكتابه، ويتركوا كفرَهم ودين آبائهم الضالّين] ﴿١٨٧﴾ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ [منكم، من قومكم، من الأميين، فالنبي بُعِث في الأميين، والقرآن يخاطبهم ويتحدث عنهم، وكذلك كل الرُسل من قبل موسى الذين بعثوا في أقوامهم، وكتاب كل رسول منهم مختص بقومه. وقد بَيّن القرآن أن من الأحبار والرهبان من بني إسرائيل من يأكلون أموال الناس -الأميين- بالباطل، لكن النهي هنا يتعلق حصراً بالناس الأميين، ينهاهم عن أكل أموال بعضهم البعض] بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ ﴿١٨٨﴾  يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ [مواقيت للأميين الذين كانوا ضالّين قبل القرآن، لكن كانوا يحُجّون البيت، ويستخدمون الأهلة لمعرفة ميعاد الحج بدخول الأشهر الحرم في الربيع. وسوف أقوم بالحديث عن الحج بشكل كامل في موضعه من هذه الدراسة المُطَوّلة] وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَن تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا [بيوت الناس في الحج داخل حدود المسجد الحرام، يظنون ذلك من البر] وَلَـٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا [وهذه من المخالفات التي ينهاهم عنها القرآن. كما أنه يُقِرّهم على ما لم يخطئوا فيه، كالطواف -المرور- بالصفا والمروة، أو الإفاضة من عرفات] وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٨٩﴾ 



الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ [الأشهر الحرم الأربعة، أشهر الربيع التي بين الشتاء والصيف] فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّـهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴿١٩٧﴾ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ [مكان متعلق بالبيت، يُفيضون منه] فَاذْكُرُوا اللَّـهَ [تذكروه] عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ [مكان آخر يأتي بعد عرفات يُقبل عليه الداخل للبيت] وَاذْكُرُوهُ [تذكروه واعرفوا فضله عليكم أيها الأميون] كَمَا هَدَاكُمْ [بهذا القرآن] وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ [عن هدى الله] ﴿١٩٨﴾ ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ [من حيث أفاض الأميون الذين يأتون حاجّين للبيت] وَاسْتَغْفِرُوا اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿١٩٩﴾ فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ [تذكروه] كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ [فالأميون يُعَظمون آباءهم] أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ [الأميين] مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا [لأنهم كافرون بالآخرة، ولا يرجون لقاء الله] وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ﴿٢٠٠﴾ وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [وهؤلاء هم الذين استجابوا لله، وآمنوا به وبكتابه وبنبيه] ﴿٢٠١﴾ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا [لهم نصيب في الآخرة مما كسبوا من أعمالٍ في هذه الدنيا، بخلاف أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار، وحبط فيها ما كسبوا في الدنيا من أعمال] وَاللَّـهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿٢٠٢﴾  وَاذْكُرُوا اللَّـهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ [أيام يعرفونها تكفيهم للإفاضة من عرفات، ثم قضاء مناسكهم -ذبح الهدي وإطعام الفقراء-] فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ﴿٢٠٣﴾ وَمِنَ النَّاسِ [الأميون الضالّون] مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّـهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ [منافقون] ﴿٢٠٤﴾ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ﴿٢٠٥﴾ وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّـهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ [يظن نفسه مصلحاً] فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿٢٠٦﴾ وَمِنَ النَّاسِ [الأميون الذين آمنوا واستجابوا] مَن يَشْرِي نَفْسَهُ [يبيع نفسه] ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ وَاللَّـهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ ﴿٢٠٧﴾ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [مع محمد] ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [بالاعتصام بالإسلام الذي يُبَينه لهم في هذا القرآن] وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ﴿٢٠٨﴾ فَإِن زَلَلْتُم [باتباع خطوات الشيطان، ومخالفة ما نأمركم به في هذا القرآن] مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ [في هذه الآيات] فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [فسوف يعذبكم، ولن تقبل منكم معذرتكم] ﴿٢٠٩﴾ هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّـهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّـهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الكافرون من الأميين يستعجلون العذاب ويستهزؤون به، فماذا ينتظر هؤلاء المستهزؤون؟ لا ينتظرون إلا أن يتم أخذهم على حين غِرة، ليقفوا للحساب أمام الله الذي سوف يأتيهم في ظلل من الغمام، ومعه الملائكة] ﴿٢١٠﴾ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ [من آيات الكتاب -كتاب موسى-. اسألهم ماذا فعل الله بهم بعد نقضهم مواثيقهم، وبعد أن جاءتهم البينات. فقد ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، والتِّيه، وسوف يظل يبعث عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب] وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّـهِ [من هؤلاء الأميين] مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ [بإرسال النبي الأميّ يتلو عليهم آيات الله] فَإِنَّ اللَّـهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿٢١١﴾ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [من الأميين] الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا [هم نفسهم الذين آمنوا، الذين اتقوا عذاب الله بإيمانهم برسوله وكتابه] فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [لأن الذين كفروا حينئذ سيكون مستقرهم النار، فمن الذي سوف يسخر من الآخر اليوم؟!] وَاللَّـهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ [في هذه الحياة الدنيا التي زُيِّنت للذين كفروا، فكانوا مُفَضلين في الرزق على الذين آمنوا، فصاروا يسخرون منهم بسبب ذلك. ألم يعلموا أن الله هو الذي يرزق بغير حساب؟! فلماذا إذاً يسخرون من الذين آمنوا بسبب كونهم دونهم في الرزق؟!] بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿٢١٢﴾ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً [أمة واحدة على الإسلام، ثم اختلفوا بين الإيمان والكفر، فبعث الله النبيين ابتداءً من نوح. والناس هنا هم بنو آدم إلى حقبة نوح، وهم ما يقابل الجِنّة، والجنة والناس هم ذرية آدم وإبليس، لذلك تم هنا استخدام كلمة "ناس" لوصف تلك الحقبة من آدم إلى نوح] فَبَعَثَ اللَّـهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ [أقوام كل نبي] فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ [من الحق والباطل، فهم بين مؤمنين وكافرين] وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ [في الكتاب -الذي ينزله الله مع النبيين بعد نوح-] إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ [وأصبح اسمهم: الذين أوتوا الكتاب، وهم بنو إسرائيل الذين ورثوا كتاب موسى من بعده] مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ [جاءتهم البينات في كتاب موسى، الذي جاءهم به الملائكة في التابوت، وهو البقية مما ترك آل موسى وآل هارون] بَغْيًا بَيْنَهُمْ [فسبب اختلافهم في الكتاب هو بغيهم فيما بين بعضهم البعض -صراع على مكاسب مادية دنيّة-] فَهَدَى اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا [مع محمد] لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ [بإنزال هذا القرآن عليهم، وهو كتاب محمد من بعد كتاب موسى] وَاللَّـهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴿٢١٣﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ [أيها الذين آمنوا -مع محمد-] أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم [من الذين آمنوا مع رُسُلهم] مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ [منهم] وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّـهِ [يتعجبون "لماذا لم يأتنا النصر رغم ما صبرنا على كل تلك الشدة"؟!. بل يظنون أن الله كذبهم ما وعدهم! ﴿حَتَّىٰۤ إِذَا ٱسۡتَیۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ [ظنوا أن الله قد كذبهم وعده لهم بالنصر، لشدة ما نزل بهم، ولانعدام أسباب النصر -فيما يظهر لهم-] جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا [في تلك اللحظة] فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [يوسف ١١٠].] أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّـهِ قَرِيبٌ ﴿٢١٤﴾ 



يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ [في الخمر والميسر إثم كبير، ومنافع للناس من أهل القرى في أرض النبيين، وهناك آيات تُذَكّرهم بهذه المنافع والنعم: ﴿وَمِن ثَمَرَ ٰ⁠تِ ٱلنَّخِیلِ وَٱلۡأَعۡنَـٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرࣰا وَرِزۡقًا حَسَنًا إِنَّ فِی ذَ ٰ⁠لِكَ لَـَٔایَةࣰ لِّقَوۡمࣲ یَعۡقِلُونَ﴾ [النحل ٦٧].] وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا [لذلك ينبغي على العموم اجتنابهما: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَیۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَـٰمُ رِجۡسࣱ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّیۡطَـٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ﴾ [المائدة ٩٠]. لكن لا جناح على الذين اتقوا وعملوا الصالحات وأحسنوا في بعضها خارج أوقات الصلاة: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَقۡرَبُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَأَنتُمۡ سُكَـٰرَىٰ حَتَّىٰ تَعۡلَمُوا۟ مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء ٤٣]، إذ لا جناح عليهم فيها لأنها ليست من محرمات الطعام الأربعة: ﴿لَیۡسَ عَلَى ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ جُنَاحࣱ فِیمَا طَعِمُوۤا۟ إِذَا مَا ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ وَعَمِلُوا۟ ٱلصَّـٰلِحَـٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّءَامَنُوا۟ ثُمَّ ٱتَّقَوا۟ وَّأَحۡسَنُوا۟ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [المائدة ٩٣]، وهؤلاء الموصوفون لا يبتغون منها جانب الإثم الذي فيها، ولا سلطان للشيطان عليهم فيه، بخلاف غيرهم الذين ينبغي عليهم اجتنابه بالمطلق] وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ [العفو عن الناس، لمن لا يملك ما ينفق: ﴿ٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ فِی ٱلسَّرَّاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَٱلۡكَـٰظِمِینَ ٱلۡغَیۡظَ وَٱلۡعَافِینَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ﴾ [آل عمران ١٣٤]. وإلا فإنفاق المال واجب: ﴿وَأَنفِقُوا۟ مِن مَّا رَزَقۡنَـٰكُم مِّن قَبۡلِ أَن یَأۡتِیَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ فَیَقُولَ رَبِّ لَوۡلَاۤ أَخَّرۡتَنِیۤ إِلَىٰۤ أَجَلࣲ قَرِیبࣲ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ ٱلصَّـٰلِحِینَ﴾ [المنافقون ١٠].] كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّـهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴿٢١٩﴾ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَىٰ قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِن تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّـهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّـهُ لَأَعْنَتَكُمْ [لأعنتكم فيما يتعلق باليتامى، فيحرم عليكم مخالطتهم والأكل من أموالهم بالمعروف، والتشديد في حفظ أموالهم، لكنه لم يفعل، بل خفف عنكم، وأباح الأكل بالمعروف: ﴿وَٱبۡتَلُوا۟ ٱلۡیَتَـٰمَىٰ حَتَّىٰۤ إِذَا بَلَغُوا۟ ٱلنِّكَاحَ فَإِنۡ ءَانَسۡتُم مِّنۡهُمۡ رُشۡدࣰا فَٱدۡفَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ وَلَا تَأۡكُلُوهَاۤ إِسۡرَافࣰا وَبِدَارًا أَن یَكۡبَرُوا۟ۚ وَمَن كَانَ غَنِیࣰّا فَلۡیَسۡتَعۡفِفۡ وَمَن كَانَ فَقِیرࣰا فَلۡیَأۡكُلۡ بِٱلۡمَعۡرُوفِ فَإِذَا دَفَعۡتُمۡ إِلَیۡهِمۡ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ فَأَشۡهِدُوا۟ عَلَیۡهِمۡ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ حَسِیبࣰا﴾ [النساء ٦].] إِنَّ اللَّـهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴿٢٢٠﴾ وَلَا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّىٰ يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَـٰئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ [وهذه هي العلة من النهي عن ذلك، فالمشركون والمشركات وصف للمتعصبين المحاربين من الذين كفروا من الأميين، ونكاحهم وإنكاحهم لا يأت بخير، بل هم يدعون إلى النار. بخلاف المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، فهنّ وإن كنّ مشركات -يهوداً أو نصارى- فإن شركهن شرك تبعي متعلق بمنشئهن، وهن لا يدعون إليه، ومن الممكن إصلاحهن، بل هن يستجبن للحق بعد نكاحهن، ولا يصدر عنهن دعوة للشرك والكفر: ﴿ٱلۡیَوۡمَ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّیِّبَـٰتُ وَطَعَامُ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ حِلࣱّ لَّكُمۡ وَطَعَامُكُمۡ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَٱلۡمُحۡصَنَـٰتُ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ وَٱلۡمُحۡصَنَـٰتُ مِنَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [المائدة ٥]. وأما إنكاح المؤمنات لغير المؤمنين فهو مخالف لأمر الله، سواء أكانوا كفار أهل الكتاب -اليهود والنصارى-، أم كفار الأميين المحاربين -المشركين-، أم كفار الأميين حتى ولو لم يكونوا من المشركين -المحاربين-، فالمؤمنة لا ينكحها إلا مؤمن، ولا تنبغي إلا له: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا جَاۤءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتُ مُهَـٰجِرَ ٰ⁠تࣲ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِیمَـٰنِهِنَّ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَـٰتࣲ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ [سواء أكانوا من المشركين -المحاربين المتعصبين-، أم كفاراً من غير المشركين المحاربين الذين يظلمون المؤمنين ويخرجونهم من ديارهم. فلا ينبغي إرجاعهن إلى الكفار حتى ولو كانوا مسالمين، لأنهن أصبحن مؤمنات، وجِئنَ إليكم، وتم امتحانهن، وتبين إيمانهن] لَا هُنَّ حِلࣱّ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ یَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّاۤ أَنفَقُوا۟ [من أجور نكاحهن] وَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَاۤ ءَاتَیۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [ما يسمى اليوم هزلاً ب "المهور"!. إذ إن الكهان غيروا التسمية بسبب ورود شعوذات -تتعلق بإتيان النساء في موروثهم الوضعي-، شعوذات تَستَخدم كلمة "أجور"، فأشفقوا منها وغيروها إلى تلك التسمية الهزلية] وَلَا تُمۡسِكُوا۟ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ [إذ إنهنّ لم يؤمِنّ بعد إيمان بعولتهن، فلماذا هذا الإصرار على الكفر؟!. وهؤلاء الأجدر بهن أن يرجعن إلى جانب الكفار المشركين والمشركات، فلا ينبغي الاستمرار على نكاحهن، بل يجب إرسالهن إلى أقوامهن] وَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقۡتُمۡ [من أجور نكاحهن] وَلۡیَسۡـَٔلُوا۟ مَاۤ أَنفَقُوا۟ [من أجور نكاح اللواتي آمنّ وانتقلن إلى جانب المؤمنين] ذَ ٰ⁠لِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ یَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ وَٱللَّهُ عَلِیمٌ حَكِیمࣱ﴾ [الممتحنة ١٠]] وَاللَّـهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ [يبين آياته للأميين الذين بعث هذا النبي فيهم. ولا شك أنها آيات بينات للناس في كل زمان ومكان -بشرط فهمها كما نزلت-، لكن ليس هذا هو مراد الآية. بل إن بيان الله هو حصراً لأولئك الأميين الذين فيهم رسول الله، ثم تحرفت معاني هذا البيان من بعده، واستمر التحريف حتى هذه الساعة، فهل تظن أن كل الناس بعد حقبة محمد يفهمون هذا البيان كما أنزله وكما يريده الله؟!] لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴿٢٢١﴾ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ [بانتهاء دورة هذا المحيض] فَإِذَا تَطَهَّرْنَ [بتنظيف موضعه بعد انقطاعه] فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّـهُ [إذ إنه نهاكم عن إتيانهن خلال المحيض، فتعلمون حينئذ المكان الذي جُعِل لإتيانهن، فلا تأتوهن من المكان الآخَر] إِنَّ اللَّـهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ [عن إتيانهن في المحيض أو في المكان الآخَر] وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [على الصعيدَين، الإيماني -طهارة القلوب-، والبدني -النظافة واجتناب الضرر-. والمتطهرون هنا هم أصحاب الطهارة البدنية المتعلقة بإتيان النساء، والّتي لا بد وأنها لا تنفك عن طهارة القلوب والتقوى، بل تتعدى لتؤثر عليها سلباً وإيجاباً] ﴿٢٢٢﴾ نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ [الحرث هو النبات المثمر الذي يتهيأ للقطف، بل هو الثمرة المرجُوّة منه] لَّكُمْ [ثمرة خالصة تم إنشاؤها لتكون لكم] فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ [ما دام خارج المكان الآخَر، المنهي عنه في الآية السابقة] وَقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُمْ [بالإحسان لهذا الحرث المجعول لكم] وَاتَّقُوا اللَّـهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٢٢٣﴾ وَلَا تَجْعَلُوا اللَّـهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ [بين الناس من أهل القرى حولكم. فبِرّوهم وأحسنوا إليهم، ووفّوا لهم الوعود، من غير التأكيد على ذلك بالحلف بالله، بل برهنوا على صدقكم وصلاحكم بالبر والوفاء وليس بالحلف] وَاللَّـهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٢٤﴾ لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّـهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ [اللغو الناتج عن العادَة وسبق اللسان] وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّـهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿٢٢٥﴾ 



أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّـهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ [الناس في قرى أرض النبيين، والذين منهم أولئك الذين خرجوا من ديارهم] وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ [الناس في تلك القرى، إذ إن أكثرهم كافرون. وهؤلاء الأميون هم آخرهم، وهم أيضاً لا يؤمنون ولا يشكرون إلا قليلاً. وهذا لا يمنع من أن يكون أكثر الناس في كل زمان ومكان كافرون لا يشكرون، ولكن ليس هذا هو مراد الآية، بل هي لا تشير إلا إلى الناس من الأميين الذين يتنزل عليهم هذا القرآن: ﴿وَمَاۤ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ [الأميون] وَلَوۡ حَرَصۡتَ [يا محمد] بِمُؤۡمِنِینَ﴾ [يوسف ١٠٣].] لَا يَشْكُرُونَ ﴿٢٤٣﴾ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ [أمر مباشر من الله للذين آمنوا مع النبي الأمي. وهو أمره للذين من قبلهم في أرض النبيين لإقامة القسط فيها، والذي لا يتم إلا بدفع الظلم عن الذين أُخرجوا من ديارهم، ووضع اليد -السيطرة- على المسجد الحرام الذي فيه الكعبة التي جعلها الله قوام حياة أولئك الناس في تلك الحقبة ﴿وَكَأَیِّن مِّن نَّبِیࣲّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّیُّونَ كَثِیرࣱ فَمَا وَهَنُوا۟ لِمَاۤ أَصَابَهُمۡ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا۟ وَمَا ٱسۡتَكَانُوا۟ وَٱللَّهُ یُحِبُّ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [آل عمران ١٤٦]، ﴿حَتَّىٰۤ إِذَا ٱسۡتَیۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُوا۟ جَاۤءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّیَ مَن نَّشَاۤءُ وَلَا یُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِینَ﴾ [يوسف ١١٠]، وهذا الأمر بالقتال ليس موجهاً للناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، بل لا يأمر الله بالقتال في تلك الأرض إلا الذين آمنوا مع أنبيائهم في الكتاب الذي ينزله عليهم] وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴿٢٤٤﴾ مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّـهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّـهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴿٢٤٥﴾ 



وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ ﴿٢٥٠﴾ فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّـهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّـهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّـهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ [دفع الله الناس في قرى أقوام النبيين من نوح إلى محمد، وهي السنّة في إصلاح الأرض -أرضهم- في تلك الحقبة من الزمان، بإرسال النبيين لاستخلافهم فيها وإقامة القسط، وبالأمر بقتال الذين كفروا لأجل تحقيق تلك الغاية. ولولا هذا الدفع لفسدت تلك الأرض. ﴿ظَهَرَ ٱلۡفَسَادُ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ بِمَا كَسَبَتۡ أَیۡدِی ٱلنَّاسِ [من الأميين زمان محمد] لِیُذِیقَهُم بَعۡضَ ٱلَّذِی عَمِلُوا۟ لَعَلَّهُمۡ یَرۡجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. ﴿وَإِلَىٰ مَدۡیَنَ أَخَاهُمۡ شُعَیۡبࣰا قَالَ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرُهُ قَدۡ جَاۤءَتۡكُم بَیِّنَةࣱ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَوۡفُوا۟ ٱلۡكَیۡلَ وَٱلۡمِیزَانَ وَلَا تَبۡخَسُوا۟ ٱلنَّاسَ أَشۡیَاۤءَهُمۡ وَلَا تُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَـٰحِهَا [بعد إصلاحها بإهلاك قوم لوط. فلا ترجعوا إلى الفساد] ذَ ٰ⁠لِكُمۡ خَیۡرࣱ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [الأعراف ٨٥].] وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ﴿٢٥١﴾ تِلْكَ آيَاتُ اللَّـهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ﴿٢٥٢﴾  



أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ يُحْيِي هَـٰذِهِ اللَّـهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّـهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِّلنَّاسِ [آية الناس من حوله وفي زمانه، وهو ليس آية إلا لمن رآه بأم عينه] وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿٢٥٩﴾ 



يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ [يراؤون الناس، والمقصود هنا هم الذين كفروا من الأميين يراؤون بعضهم البعض] وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ [مثل ماله الذي ينفقه رياء] كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا [فماله الذي أنفقه رياءً لن يكون له أثر في نفوس من يرائيهم، إلا كالأثر الذي يتركه التراب على الصفوان بعد وابل من المطر!] وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٢٦٤﴾ وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴿٢٦٥﴾ 



إِن تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّـهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿٢٧١﴾ لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَـٰكِنَّ اللَّـهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّـهِ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ ﴿٢٧٢﴾ لِلْفُقَرَاءِ [هؤلاء من يستحقون تلك الصدقات] الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ [الناس من الذين آمنوا مع النبي. فهؤلاء المؤمنون الفقراء المحاصرون في سبيل الله، لا يُلِحّون بالسؤال على إخوانهم] إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٢٧٣﴾ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿٢٧٤﴾ 







سورة 3 "آل عمران"



الم ﴿١﴾ اللَّـهُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ﴿٢﴾ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ [من الكتاب -كتاب موسى-] وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ﴿٣﴾ مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ [هدى للناس من بني إسرائيل، الذين استُحفظوا على كتاب الله، من موسى إلى محمد، فأصبحوا أهل الكتاب. وطائفة منهم لديها التوراة -زبور داوود-، وطائفة لديها الإنجيل. أما الأمّيون فقد كانوا في مجملهم ضالّين عن هدى الله، إلا قليلاً منهم من الذين كانوا يجعلون كتاب موسى قراطيس يبدونها ويخفون كثيراً، ليلبسوا على بقية قومهم من الأميين أمور معيشتهم. فالناس هنا هم الطائفتان من أهل التوراة وأهل الإنجيل] وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ [الفرقان هنا هو كتاب موسى، وهو اسم لكتاب محمد أيضاً] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّـهِ [من الأميين الذين منهم قومه] لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّـهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ ﴿٤﴾ إِنَّ اللَّـهَ لَا يَخْفَىٰ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ ﴿٥﴾ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿٦﴾ هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [القرآن] مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ [معناها ومُرادها واضح ومباشر، واكتمل بيانها وفائدتها بمجرد تلاوتها] هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [أيضاً مُرادها واضح -فالقرآن كله عربيّ جليّ- لكن لم يأتِ تأويلها -موعد تحققها- بعد، كوعد عذاب الهلاك الذي يتوعد به القرآن قومه في عشرات الآيات، وكوعد الساعة وغيرها] فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [يتبعون ما تشابه من آيات هذا الكتاب، لفتنة الناس، ولتشكيكهم به. فلسان حالهم يقول: لماذا لم يتحقق تأويله حتى الآن؟! إذاً هو باطل!. وهذا هو مراد الذين في قلوبهم مرض من اتباع ما تشابه من هذا الكتاب] وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ [موعد تحقق الوعود في هذا الكتاب. وهذا هو أحد معاني كلمة "تأويل"] إِلَّا اللَّـهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [الراسخون في علم هذا الكتاب، لا يأخذون شيئاً من خارجه، ولا يستعجلون تحقق تأويله. وهم بلا شك من الأميين، ومن أهل الكتاب على حد سواء، لكن المقصودين هنا هم الأميون] يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿٧﴾ رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴿٨﴾ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَّا رَيْبَ فِيهِ [أولوا الألباب الذين آمنوا يصرّحون في دعائهم على أن الله سوف يجمع الناس من قومهم الأميين -المكذبين بالبعث واليوم الآخر-، ويأتي القرآن ليثبت كلامهم ليكون موعظة للمكذبين بالآخرة منهم، وليحثهم على التأسي بهم. هذا على الرغم من أن كل الناس في كل زمان ومكان، سوف يجمعهم الله ليوم لا ريب فيه، لكن كلمة الناس في هذه الآيات لا يُريد بها القرآن إلا ذلك المعنى] إِنَّ اللَّـهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴿٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [من الأميين] لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّـهِ شَيْئًا وَأُولَـٰئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ ﴿١٠﴾ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ [كثيراً ما يربط القرآن بين مصيرهم ومصير آل فرعون، فهو يتوعدهم بنفس العاقبة والعذاب بعد إهلاكهم] وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّـهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّـهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿١١﴾ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوا [من الأميين] سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ [وهذه هي السنة: ﴿وَلَوۡ قَٰتَلَكُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوَلَّوُاْ ٱلۡأَدۡبَٰرَ ثُمَّ لَا يَجِدُونَ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ٢٢ سُنَّةَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِيلٗا ٢٣﴾ [الفتح].] وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴿١٢﴾ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا [وهم بنو إسرائيل بقيادة طالوت من جهة، جالوت -الذي أجلاهم سابقاً- وجنوده من جهة أخرى. وقد تم قص خبرهم في السورة السابقة] فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّـهِ وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّـهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّأُولِي الْأَبْصَارِ ﴿١٣﴾ زُيِّنَ لِلنَّاسِ [الناس هنا هم حصراً الأمّيون الذين منهم قوم محمد، وهم بالأحرى الكافرون المتبعون للشهوات، والتي تم تزيينها لهم، والمؤمنون ليسوا منهم، وقد تكلمت عن ذلك في موضوع منفصل بعنوان: اقترب للناس حسابهم] حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ [لأن البيان القرآني هو بيان خاص موجه للرجال من أوله إلى آخره، سواء الذين آمنوا منهم أو الذين كفروا على حد سواء. ولا يتوجه القرآنُ بالبيان إلى النساء إلا في مواضع مخصوصة موجهة إليهن] وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّـهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ [ولا شك أن الكافرين من الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، زين لهم حب هذه الشهوات وغيرها، لكن ليس هذا هو التي تريد الآية بيانه، بل هي لا تتكلم إلا عن الكافرين من الأميين] ﴿١٤﴾ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم [أيها الناس من الأميين الذين زُين لهم حب تلك الأصناف] بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا [منكم] عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّـهِ [ولا شك أن هذه هي عاقبة الذين اتقوا في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، لكن ليس هذا هو مُراد هذه الآيات، بل هي لا تتحدث إلا عنهم] وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿١٥﴾ 



إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ [العلم الذي في التوراة زبور داود. فهم ورثوا كتاب موسى -أوتوه- ثم اختلفوا بعد مجيء علم التوراة، بغياً وعدواناً وتقديماً لثواب ومتاع الدنيا] بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴿١٩﴾ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّـهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ [إذ لا يقبل الله إلا الإسلام، وكل الرسل مسلمون] فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوا وَّإِن تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّـهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ﴿٢٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ [يكفرون بالقرآن. وهنا الحديث عن الذين أوتوا الكتاب، المذكورون في الآية السابقة] وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ [قتلوا أنبياءهم موسى وهارون] بِغَيْرِ حَقٍّ [والحق هنا هو النفس بالنفس الذي كتب عليهم في التوراة بعد موسى] وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ [يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس اتباع أولئك النبيين، ولا يستبعد قيامهم بقتل بعض من الذين آمنوا مع محمد، فبالتالي يبشرهم النبي بعذاب أليم] فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴿٢١﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [هذا بخلاف زعمهم: ﴿نَحۡنُ أَبۡنَـٰۤؤُا۟ ٱللَّهِ وَأَحِبَّـٰۤؤُهُ﴾ [المائدة ١٨].] ﴿٢٢﴾ 



هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً [يطلب ولياً تابعاً يربيه ويعلمه، ولا يطلب ابناً من صلبه، لأنه شيخ وامرأته عاقر. والوليّ التابع أحد معاني كلمة ذرية، وهناك دراسة مستقلة بعنوان: ما هي الذرية] إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ ﴿٣٨﴾ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ [جاءته البشارة بابن من صلبه، أي فوق الذي دعا الله به!] مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ [سوف يصدق عيسى ابن مريم، إذ هو كلمة الله المقصودة، والتي ألقاها إلى مريم: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِیحُ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلۡقَاهَاۤ إِلَىٰ مَرۡیَمَ وَرُوحࣱ مِّنۡهُ﴾ [النساء ١٧١]. وكل قضاء يقضيه هو كلمة من كلماته التي لا تنفد] وَسَيِّدًا [في قومه] وَحَصُورًا [مقيماً فيهم، محصوراً عندهم لا يغادرهم، ولا يهاجر عنهم. إذ إن زكريا سأله الله أن يرزقه ليرث عنه وعن آل يعقوب في المسجد الحرام. ﴿فَإِذَا ٱنسَلَخَ ٱلۡأَشۡهُرُ ٱلۡحُرُمُ فَٱقۡتُلُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكِینَ حَیۡثُ وَجَدتُّمُوهُمۡ وَخُذُوهُمۡ وَٱحۡصُرُوهُمۡ [حاصروهم ولا تسمحوا لهم بالمغادرة] وَٱقۡعُدُوا۟ لَهُمۡ كُلَّ مَرۡصَدࣲ فَإِن تَابُوا۟ وَأَقَامُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُا۟ ٱلزَّكَوٰةَ فَخَلُّوا۟ سَبِیلَهُمۡ [اتركوا حصرهم وحصارهم] إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة ٥].] وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ ﴿٣٩﴾ قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ [؟!] قَالَ كَذَٰلِكَ اللَّـهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ﴿٤٠﴾ قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّي آيَةً [آية وعلامة يتيقن من خلالها أن هذا الذي جاءه هو حق من الله، وليس من وحي وتلبيس الشيطان. -هو لا زال يتعجب من كرامة الله له بالولد على الرغم من حاله وحال امرأته-!] قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ [الناس من قومه] ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا [﴿فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوۡمِهِ مِنَ ٱلۡمِحۡرَابِ فَأَوۡحَىٰۤ إِلَیۡهِمۡ أَن سَبِّحُوا۟ بُكۡرَةࣰ وَعَشِیࣰّا﴾ [مريم ١١]، بمجرد خروجه من المحراب بعد هذه البشارة، لم يستطع تكليم الناس وتحققت الآية] وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ ﴿٤١﴾ وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ ﴿٤٢﴾ يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ ﴿٤٣﴾ ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴿٤٤﴾ إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ [وكل قضاء يقضيه، وخلق يخلقه هو كلمة منه، لكن هنا يتم التأكيد على ذلك لكونه جعله آية للعالمين في زمانه، إذ إنه وهبها إياه من غير بشر يمسها] اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ [في إشارة إلى نبوته، فكل الأنبياء وجهاء عند الله: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ ءَاذَوۡا۟ مُوسَىٰ فَبَرَّأَهُ ٱللَّهُ مِمَّا قَالُوا۟ وَكَانَ عِندَ ٱللَّهِ وَجِیهࣰا﴾ [الأحزاب ٦٩].] وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ ﴿٤٥﴾ وَيُكَلِّمُ النَّاسَ [الناس من قومه الذين شهدوه وهو في المهد] فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [المرحلة العمرية الطبيعية لتكليم الرسل الناس بالوحي الذي يتنزل عليهم] وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴿٤٦﴾ قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ [؟!] قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ [سوف يخلقه لكِ كما يخلق ما يشاء، وهو عليه هيّن] إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن [لا يلزمه أكثر من أن يقول له -للشيء المجرد قبل تحققه- كن] فَيَكُونُ ﴿٤٧﴾ 



قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِ [وهذا هو الإسلام دين الله، وهذه هي الملّة التي كان عليها إبراهيم] فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ [فلا نعبد إلا الله، ولا نشرك به، ولا نتخذ بعضنا بعضاً أرباباً] ﴿٦٤﴾ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنجِيلُ إِلَّا مِن بَعْدِهِ [إذ إن الذين يحاجون في إبراهيم من أهل الكتاب، هم من الطائفتين اليهود والنصارى، أهل التوراة والإنجيل، ويزعمون انتماءه إليهم. فيقول هؤلاء: كان يهودياً -يقول بما يقول ويظن به اليهود-، ويقول هؤلاء: كان نصرانياً -يقول بما يقول ويظن به النصارى-. ومراد الآية هو: وما أنزلت التوراة والإنجيل الذان ذكر فيهما إبراهيم إلا من بعده، فكيف يمكن أن يكون منكم أنتم الذين جئتم بعده؟! فضلاً عن أن يكون على ملّتكم!] أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿٦٥﴾ هَا أَنتُمْ هَـٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ [إبراهيم] فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ [الملّة التي كان عليها] وَاللَّـهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴿٦٦﴾ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا [لأنه أولاً: ليس بمشرك مثلكم، وثانياً: هو ليس منكم بل جاء قبلكم] وَلَـٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴿٦٧﴾ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ [من أميين وأهل كتاب، في زمان نزول هذه الآيات] بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ [الذين اتبعوه من المسلمين من أهل الكتاب: ﴿وَإِذَا یُتۡلَىٰ عَلَیۡهِمۡ قَالُوۤا۟ ءَامَنَّا بِهِ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّنَاۤ إِنَّا كُنَّا مِن قَبۡلِهِ مُسۡلِمِینَ﴾ [القصص ٥٣]، ثم النبي الذي أرسل فيكم، ثم الذين آمنوا معه. دون أهل الكتاب الذين حادوا عن ملّته ليصبحوا يهوداً أو نصارى -مشركين-. ولا شك أن أولى الناس بإبراهيم في كل زمان ومكان هم الحنفاء أتباع ملّته، لكن مراد كلمة الناس في هذه الآيات هو حصراً المسلمون زمان محمد] وَهَـٰذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّـهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ﴿٦٨﴾



إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّـهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَـٰئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّـهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴿٧٧﴾ وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ [لتحسبوه من كتاب موسى الذي معهم] وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّـهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿٧٨﴾ مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّـهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ [الناس الذين يُبعث فيهم] كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّـهِ [عبارة (من دون الله) في القرآن مقصودها: من دون الله وحده. والمقصود هو بيان براءة الرسل كعيسى الذي يجعلونه إلها] وَلَـٰكِن [الذي يقوله لهم هو:] كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ ﴿٧٩﴾ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا [بالتوجه إليهم بطلب المغفرة أو الدرجات في الجنة، أو النجاة من النار، أو حتى شيء من متاع الدنيا] أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ [وهذا رد على ذلك الفريق من أهل الكتاب، الذين يلوون ألسنتهم بالكتاب، ليخرجوا منه بأوامر تفيد اتخاذ الملائكة والنبيين أرباباً، بالتعلق بهم والتوجه إليهم] ﴿٨٠﴾ 



كَيْفَ يَهْدِي اللَّـهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ [منافقون من الأميين] وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّـهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴿٨٦﴾ أُولَـٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّـهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [الناس أجمعين من أهل زمانهم ومعاصريهم والذين يعرفونهم، سواء أكانوا مؤمنين أم كافرين، فجميعهم يلعن هؤلاء: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَـٰنࣰا مَّوَدَّةَ بَیۡنِكُمۡ فِی ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا ثُمَّ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضࣲ وَیَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا وَمَأۡوَاكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّـٰصِرِینَ﴾ [العنكبوت ٢٥].] ﴿٨٧﴾ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴿٨٨﴾ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا [عن كفرهم ونفاقهم] مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا [بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة] فَإِنَّ اللَّـهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿٨٩﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ ﴿٩٠﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَىٰ بِهِ أُولَـٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ [وهؤلاء هم المنافقون: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ءَامَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ٱزۡدَادُواْ كُفۡرٗا لَّمۡ يَكُنِ ٱللَّهُ لِيَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِيَهۡدِيَهُمۡ سَبِيلَۢا ١٣٧ بَشِّرِ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ بِأَنَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمًا ١٣٨ ٱلَّذِينَ يَتَّخِذُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَيَبۡتَغُونَ عِندَهُمُ ٱلۡعِزَّةَ فَإِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا ١٣٩﴾ [النساء].] ﴿٩١﴾ 



لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ [وهو المال: ﴿لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَٱلۡمَلَـٰۤئكَةِ وَٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤئلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ وَٱلصَّـٰبِرِینَ فِی ٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلۡبَأۡسِ أُو۟لَـٰۤئكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ وَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ﴾ [البقرة ١٧٧].] وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّـهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴿٩٢﴾ كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَىٰ نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا [أيها الأميون المشركون المفترون. إذ إنهم يحرمون من الطعام ما لم يحرمه الله، وينسبون ذلك لله] إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ﴿٩٣﴾ فَمَنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّـهِ الْكَذِبَ [من هؤلاء الأميين: ﴿وَلَا تَقُولُوا۟ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَـٰذَا حَلَـٰلࣱ وَهَـٰذَا حَرَامࣱ لِّتَفۡتَرُوا۟ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِینَ یَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا یُفۡلِحُونَ﴾ [النحل ١١٦].] مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴿٩٤﴾ قُلْ صَدَقَ اللَّـهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [لا يعبد غير الله، ولا يشرك في حلاله وحرامه أحداً] ﴿٩٥﴾ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ [للناس في تلك الأرض أرض النبيين، وابتداء من إبراهيم الذي رفع قواعده، وانتهاء بمحمد، وعليه تقوم حياة الناس في تلك الحقبة. أما اليوم فلا اعتبار له، وليس قياماً لحياة أحد من الناس، ولا يُعلم -من الأساس- أين مكانه] لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴿٩٦﴾ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ [مقام إبراهيم هو المسجد الحرام ببكة، والذي أمر المؤمنون أن يتخذوا منه مصلى، ويجعلوه قبلة يهاجرون إليها. وهناك دراسة عن معنى القبلة] وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّـهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا [لله على الناس حج البيت -وهم الأميون الذين يتوجه إليهم هذا القرآن- كما كان يحج أهل القرى من قبلهم] وَمَن كَفَرَ [بترك الاستجابة لله، أو بالصد عن سبيله وعن المسجد الحرام الذي فيه الكعبة، التي جعلها الله قيام حياتهم. فالكعبة والأشهر الحرم والهدي والقلائد لا تستقيم حياتهم إلا بها، وسوف أتكلم عن الحج في موضعه] فَإِنَّ اللَّـهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴿٩٧﴾ 



كُنتُمْ [أيها المسلمون الحنفاء] خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [للناس الأميين ما بعد موسى وإلى محمد. ففي هذه الحقبة أصبح أهل القرى أميين لا يأتيهم رسول، ولا يعلمون الكتاب الذي كانت تأتيهم به الرسل في القرون الأولى من قبل موسى. فالمسلمون الحنفاء أصحاب البقية -كتاب الله- من الذين "آتيناهم الكتاب"، ومن الذين آمنوا مع محمد، هم خير أمة أخرجت لأولئك الناس في تلك الحقبة التي أصبحوا فيها أميين، في الوقت الذي كان فيه أهل الكتاب يكتمونه عنهم، ويستأثرون به أنفسهم] تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ [تأمرون بما يأمركم الله به، وتنهون عن ما نهاكم عنه في الكتاب] وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ [لو آمن أهل الكتاب كلهم] لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ ﴿١١٠﴾ لَن يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى [ضرراً خفيفاً ظاهراً. والحديث هنا عن أهل الكتاب الذين أكثرهم فاسقون -كافرون-] وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ﴿١١١﴾ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّـهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ [من الناس من حولهم من الأميين زمان محمد. ولا يمنع ذلك من استمرار هذه السُّنة فيهم إلى يوم القيامة، لأن الآيات الكثيرة تؤكد على بقاء قومية بني إسرائيل بشقّيها اليهودي والنصراني، والذين هم في الأساس كانوا سكان أرض النبيين، ولغتهم ولسانهم هو لسان جميع الرسالات، وهو لسان القرآن. هذا مع العلم أنه لا يُشترط صحة إسقاط قوميتهم على طوائف بعينها في هذا الزمان وغيره. لكنهم بكل تأكيد مضروب عليهم الذلة إلى يوم القيامة: ﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَیَبۡعَثَنَّ عَلَیۡهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَن یَسُومُهُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِیعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُۥ لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الأعراف ١٦٧]، وهؤلاء هم اليهود، أما النصارى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ فِیمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥]. مع التذكير مرة أخرى على أنه لا يشترط صحة انتساب كل قوم أو طائفة -في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد- للذين ينتسبون إليهم] وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّـهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّـهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴿١١٢﴾ لَيْسُوا سَوَاءً مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ [قائمة على أمر الله في الكتاب الذي معهم، يقيمونه ويؤتون الزكاة، بخلاف بقيتهم الذين لا يقيمون ما معهم من التوراة والإنجيل: ﴿وَلَوۡ أَنَّهُمۡ أَقَامُوا۟ ٱلتَّوۡرَاةَ وَٱلۡإِنجِیلَ وَمَاۤ أُنزِلَ إِلَیۡهِم مِّن رَّبِّهِمۡ لَأَكَلُوا۟ مِن فَوۡقِهِمۡ وَمِن تَحۡتِ أَرۡجُلِهِم مِّنۡهُمۡ أُمَّةࣱ مُّقۡتَصِدَةࣱ وَكَثِیرࣱ مِّنۡهُمۡ سَاۤءَ مَا یَعۡمَلُونَ﴾ [المائدة ٦٦].] يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّـهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ﴿١١٣﴾ يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَـٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ ﴿١١٤﴾ وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ وَاللَّـهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ ﴿١١٥﴾ 



يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّـهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴿١٣٠﴾ وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ﴿١٣١﴾ وَأَطِيعُوا اللَّـهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴿١٣٢﴾ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴿١٣٣﴾ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ [العافين عن الناس فيما يتعلق بالدّين، وترك الربا، وإنظار ذي العسرة: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩ وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠﴾ [البقرة]. والناس هم بقية المؤمنين الذين تجري بينهم هذه المعاملات] وَاللَّـهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴿١٣٤﴾ وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّـهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّـهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴿١٣٥﴾ أُولَـٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴿١٣٦﴾ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ [سنن إهلاك المكذبين من أهل القرى] فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ ﴿١٣٧﴾ هَـٰذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ [هذا القرآن بيان للناس الذين نزل عليهم من أميين وأهل كتاب. وهم -مؤمنهم وكافرهم- يفهمون بيانه ومُراده فهماً تاماً كاملاً، كما أراد الله له أن يُبيِّن، بخلاف الناس الذين جاؤوا بعد حقبة محمد، إذ تم حينها تحريف جميع معانيه ومفاهيمه، وجميع أوامره ونواهيه، والناس هنا هم حصراً أولئك. ولا يمنع من أن يكون بالتبعية بياناً للناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، لكن بشرط العودة به إلى معانيه ومقاصده الحقيقية، ونبذ شعوذات الكهان التي أحاطت به وهيمنت عليه] وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ [وهو بالضرورة هدى وموعظة للمتقين في كل زمان ومكان بشرط عدم الافتراء عليه وتحميله ما لا يحتمله. الأمر الذي لا يتحقق إلا قليلاً قليلاً، إذ إن كل أناس في كل زمان ومكان يُلصقون به إفكهم وأديانهم المخترعة، ويستغلونه للتلبيس على أتباعهم العميان] ﴿١٣٨﴾ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٣٩﴾ إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ [بين الناس في أرض النبيين، فهذه سنّة الله في الذين من قبلكم من أتباع الرسل، وكذلك الأمر معكم، فلا تحزنوا أيها الذين آمنوا مع محمد، فإن العاقبة لكم. ولا شك أن دفع الناس بعضهم ببعض في كل زمان ومكان وارد، هو الذي يمنع الفساد والطغيان واستئثار طائفة منهم بالقوة. لكن البيان في هذه الآيات هو بيان خاص يتحدث عن أولئك الناس في أرض النبيين، وانتهاءً بمحمد] وَلِيَعْلَمَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّـهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ﴿١٤٠﴾ وَلِيُمَحِّصَ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ ﴿١٤١﴾ أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّـهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴿١٤٢﴾ 



وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّـهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ﴿١٦٩﴾ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴿١٧٠﴾  يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّـهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ ﴿١٧١﴾ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّـهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ ﴿١٧٢﴾ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ [من الذين نافقوا وغيرهم] إِنَّ النَّاسَ [من الذين كفروا من الأميين، في ذاك الموطِن (يوم التقى الجمعان). ويمكنك الرجوع إلى السياق الطويل للآيات، لكن موضوع هذه الدراسة هو بيان أن كلمة "ناس" في القرآن هي كلمة خاصة بأولئك] قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّـهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ﴿١٧٣﴾ فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّـهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّـهِ وَاللَّـهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴿١٧٤﴾ إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ﴿١٧٥﴾ 



وَإِذْ أَخَذَ اللَّـهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ [الناس الذين حولهم من الأميين، في قرى أرض النبيين، من بعد موسى وانتهاء محمد] وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ ﴿١٨٧﴾ 







سورة 4 "النساء"



يَا أَيُّهَا النَّاسُ [هم الأميون الذين منهم قوم محمد، وهم حصراً المخاطَبون في هذا القرآن ب "يا أيها الناس"، وليس جميع الناس في كل زمان ومكان. لكن ما ينبني على ذلك من أوامر ونواه ووصايا، تلزم -بصورة تبعية- الناس في كل زمان ومكان، بشرط فهم المراد منها كما هو، ومراعاة مخاطبة الأميين به، وعدم تحميل الآيات ما لا تحتمله] اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً [رجالاً كثيراً ونساء منكم أيها الناس -الأميون- من بني آدم في أرضكم أرض النبيين. ولا شك أن الخلق والانتشار توسع واستمر ليبلغ كل مكان عليه الناس اليوم، وإلى يوم القيامة، لكن ليس هذا هو المُراد بكلمة الناس، بل هي خاصة بالذين نزل عليهم القرآن، تماماً ككل الخطاب القرآني الذي لا يتوجه إلا لهم، في أمور تكون مختصة بهم دون غيرهم، أو في أمور يتعدى فيها البيان ليشمل بالتبعية غيرهم] وَاتَّقُوا اللَّـهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ [فهم -مؤمنهم وكافرهم- يحلفون ويسألون بعضهم البعض بالله] وَالْأَرْحَامَ [اتقوا أيضاً الأرحام بصَوْنها] إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴿١﴾ وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ [فالخبيث هو الحرام والطيب هو الحلال] وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ [هي أوامر ووصايا متعلقة بما كان عليه حالهم. ولا شك أنها وصايا -بصورة تبعية- لكل الناس في كل زمان ومكان إلى يوم القيامة، إذ إن هذا القرآن أصبح بقية الله لمن جاء بعدهم، وهو بالطبع مترفع عن الدين الوضعي الذي تم نسبته إليه] إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴿٢﴾ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَىٰ [بأن لا تعطوهم حقوقهم. فالرجال قد يَضِلّون عن بعض ما يحتاجه اليتامى، بخلاف النساء اللواتي هن أقدر على معرفة حاجاتهم] فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاءِ [-"الأرامل"- أمهات أولئك اليتامى، ليسهل عليكم التعامل معهم ومعرفة حاجاتهم. ﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ مَا نَكَحَ ءَابَاۤؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَاۤءِ﴾ [النساء ٢٢]. فهذا التعبير -من النساء- يفيد -بالضرورة- حصول الدخول بهن، بل ولهم منهن الولد، وإلا فهناك النكاح التام من غير دخول: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِذَا نَكَحۡتُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَـٰتِ ثُمَّ طَلَّقۡتُمُوهُنَّ مِن قَبۡلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمۡ عَلَیۡهِنَّ مِنۡ عِدَّةࣲ تَعۡتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحࣰا جَمِیلࣰا﴾ [الأحزاب ٤٩]. فالنساء المُشار إليهن في هذا السياق هن أمهات اليتامى] مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ [التعداد هنا يفيد الحث والترغيب، لما فيه من خير لهم ولهنّ وَلأولادهن اليتامى، ولا يفيد مطلقاً التقييد بأربعة: ﴿ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ فَاطِرِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ جَاعِلِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ رُسُلًا أُوْلِيٓ أَجۡنِحَةٖ مَّثۡنَىٰ وَثُلَٰثَ وَرُبَٰعَ يَزِيدُ فِي ٱلۡخَلۡقِ مَا يَشَآءُ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾ «فاطر 1»] فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا [بينهن في حال أردتم الاستكثار منهن، أو فُرض عليكم ذلك لوجود يتامى بحاجة للرعاية] فَوَاحِدَةً [في حال كانت كافية للقيام بالقسط لأولئك اليتامى] أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ [إذ هن أيسر عليكم فيما يتعلق بأجورهن -ما يسميه الكهان ب "المهور"- ولا يلزمكم العدل بينهن] ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا [العَيْلة هي ضد الغنى: ﴿وَإِنۡ خِفۡتُمۡ عَيۡلَةٗ فَسَوۡفَ يُغۡنِيكُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِ إِن شَآءَ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ «التوبة 28». فنكاح ما ملكت أيمانكم أقرب لأن لا تعولوا لأنهن أقل أجوراً، ولا يلزم في نكاحهن ما يلزم في نكاح غيرهن من متعلّقات أو واجبات مالية مرهقة. ﴿وَمَن لَّمۡ يَسۡتَطِعۡ مِنكُمۡ طَوۡلًا أَن يَنكِحَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ فَمِن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن فَتَيَٰتِكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِكُم بَعۡضُكُم مِّنۢ بَعۡضٖ فَٱنكِحُوهُنَّ بِإِذۡنِ أَهۡلِهِنَّ وَءَاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِ..﴾ «النساء 25»] ﴿٣﴾ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ [أُجورهن -ما يسمى اليوم غباءً ب "المهور"-. وصَدَقاتِهن بفتح الدال وليس بالضم، وسوف أُثبت ذلك في سلسلة: أخطاء "القُرّاء"] نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ [عن شيء من أجورهن التي هي أحد شروط تحليل العلاقة بين رجل وامرأة، والشرط الآخر هو أن يكون محصِناً لها بدوام الرابطة بينه وبينها، والذي ينبني عليه أيضاً التزامها به دون غيره، إلّا أن يطلقها: ﴿وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ أَن تَبۡتَغُواْ بِأَمۡوَٰلِكُم مُّحۡصِنِينَ غَيۡرَ مُسَٰفِحِينَ فَمَا ٱسۡتَمۡتَعۡتُم بِهِ مِنۡهُنَّ فَـَٔاتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةٗ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ فِيمَا تَرَٰضَيۡتُم بِهِ مِن بَعۡدِ ٱلۡفَرِيضَةِ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا﴾ «النساء 24»] هَنِيئًا مَّرِيئًا ﴿٤﴾.



وَاعْبُدُوا اللَّـهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ [عكس الجار ذي القربى] وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ [الملازم لصاحبه] وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا ﴿٣٦﴾ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ [الناس من حولهم من الأميين. فالحديث هنا عن الكافرين المختالين منهم] بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ [لأنْ لا يسألهم الفقراء منه شيئاً فيضطروا لإعطائهم] وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ [من أولئك المختالين الفخورين الذين يبخلون ولا ينفقون] عَذَابًا مُّهِينًا ﴿٣٧﴾ وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ [رياء الناس من حولهم. وهؤلاء هم المنافقون من الأميين الكافرين] وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴿٣٨﴾ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّـهُ وَكَانَ اللَّـهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴿٣٩﴾.



أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ [حكم الشيطان الذي يتبعونه، والموازي لحكم الله الذي أنزله عليهم في الكتاب] وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا [من الأميين] هَـٰؤُلَاءِ أَهْدَىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا ﴿٥١﴾ أُولَـٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّـهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّـهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ﴿٥٢﴾ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَّا يُؤْتُونَ النَّاسَ [الأميين: ﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارࣲ یُؤَدِّهِ إِلَیۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِینَارࣲ لَّا یُؤَدِّهِ إِلَیۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَیۡهِ قَاۤئمࣰا ذَ ٰ⁠لِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَیۡسَ عَلَیۡنَا فِی ٱلۡأُمِّیِّـۧنَ سَبِیلࣱ وَیَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ یَعۡلَمُونَ﴾ [آل عمران ٧٥].] نَقِيرًا ﴿٥٣﴾ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [يحسدون الأميين] عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّـهُ مِن فَضْلِهِ [القرآن. كتاب محمد] فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا [ملكهم العظيم هو الكتاب والإمامة] ﴿٥٤﴾ فَمِنْهُم [من هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب] مَّنْ آمَنَ بِهِ [الكتاب، مُلْك إبراهيم] وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴿٥٥﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿٥٦﴾ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا ﴿٥٧﴾  إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُكُمْ [أيها الناس. وهم الأميون الذين بُعث فيهم هذا النبي، والذين يتوجه إليهم هذا القرآن] أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ [الناس الأميين في زمانهم. ولا شك أن حتمية وجوب الحكم بين الناس بالعدل يتعداهم ليشمل الناس في كل زمان ومكان، لكن ليس هذا هو مراد هذه الآيات] أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّـهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿٥٨﴾. 



أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ [قيل لهم ذلك في آيات سابقة مثل: ﴿وَدَّ كَثِیرࣱ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ لَوۡ یَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِیمَـٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدࣰا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَیَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّ فَٱعۡفُوا۟ وَٱصۡفَحُوا۟ حَتَّىٰ یَأۡتِیَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [البقرة ١٠٩]. وهؤلاء طائفة من المنافقين من الأميين.] فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِیقࣱ مِّنۡهُمۡ یَخۡشَوۡنَ ٱلنَّاسَ [يخشون الناس من الذين كفروا من الأميين] كَخَشۡیَةِ ٱللَّهِ أَوۡ أَشَدَّ خَشۡیَةࣰ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَىٰ وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا ﴿٧٧﴾ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ [﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَكُونُوا۟ كَٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَقَالُوا۟ لِإِخۡوَ ٰ⁠نِهِمۡ إِذَا ضَرَبُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُوا۟ غُزࣰّى لَّوۡ كَانُوا۟ عِندَنَا مَا مَاتُوا۟ وَمَا قُتِلُوا۟ لِیَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَ ٰ⁠لِكَ حَسۡرَةࣰ فِی قُلُوبِهِمۡ وَٱللَّهُ یُحۡیِ وَیُمِیتُ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِیرࣱ﴾ [آل عمران ١٥٦].] وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِ اللَّـهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَـٰذِهِ مِنْ عِندِكَ [﴿أَوَلَمَّاۤ أَصَـٰبَتۡكُم مُّصِیبَةࣱ قَدۡ أَصَبۡتُم مِّثۡلَیۡهَا قُلۡتُمۡ أَنَّىٰ هَـٰذَا قُلۡ هُوَ مِنۡ عِندِ أَنفُسِكُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [آل عمران ١٦٥].] قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّـهِ فَمَالِ هَـٰؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴿٧٨﴾ مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّـهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ [رسولاً لهؤلاء الناس الأميين، الذين تتحدث عنهم الآيات. وهو أيضاً رسول مرسَل لمن معهم في حقبته من أهل الكتاب، كما تُبَين ذلك آيات أخرى. لكن المراد بالناس هنا هم الأميون. وهو ليس رسولاً لنا ولا للناس في كل زمان ومكان، وإنما حفظ الله القرآن الذي أنزله عليه، فهو باق إلى زماننا هذا -بقية-. لكن تم تحريف كل معانيه، ونُسب الإسلام إلى دين وضعي مُختَرَع، ليس من الله في شيء، ولا يمتُّ للقرآن ولا لما دعا إليه ذلك النبي الأميّ بأي صلة] رَسُولًا وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ﴿٧٩﴾. 



إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ [الناس الذين أُرسِلَ إليهم، وهم حصراً أهل زمانه من أميين وأهل كتاب، والناس المُرادون هنا هم الأميون] بِمَا أَرَاكَ اللَّـهُ [في الآيات التي ينزلها عليك] وَلَا تَكُن لِّلْخَائِنِينَ خَصِيمًا ﴿١٠٥﴾ وَاسْتَغْفِرِ اللَّـهَ إِنَّ اللَّـهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴿١٠٦﴾ وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ [بالكفر والنفاق بعد الإيمان] إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا ﴿١٠٧﴾ يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ [يستخفون من الذين آمنوا] وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّـهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَىٰ مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّـهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا ﴿١٠٨﴾. 



لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ [أهل زمانهم. والحديث هنا عن الأميين] وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّـهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١١٤﴾ وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ [ولا شك أن سبيل المؤمنين موضح في رسالات الله إلى بني آدم في أرض النبيين، والتي ذهبت كلها من الوجود إلا القرآن الباقي إلى هذا اليوم، والذي خرج من أرض النبيين لينتشر في كل الأرض ك "بقيةٍ" من الله للبشر، لكن بتحريف كل ما يدعو إليه، فأصبح كتاباً خالياً من مضمونه، يَنِسب إليه من شاء ما شاء من الكذب والبهتان، فاتّسع الخرق، وازدادت حيرة البشر، ووجدت السلطات في ذلك مادة دسمة لاستعباد الأمم، فقامت بتسخير الكهان لهذه المهمة] نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿١١٥﴾.

 


وَلِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ [وصيناهم في كتاب موسى] وَإِيَّاكُمْ [أيها الذين آمنوا. بعد أن كنتم من الأميين الضالّين عن هدى الله] أَنِ اتَّقُوا اللَّـهَ [وصيناكم بذلك في القرآن كتاب محمد: ﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ﴾ [آل عمران ١٠٢].] وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ غَنِيًّا حَمِيدًا ﴿١٣١﴾ وَلِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ [سماواتهم وأرضهم. وهناك فصل مستقل من هذه السلسلة يبين خصوصية الأرض والسماء اللتين يخاطَبون بهما] وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ وَكِيلًا ﴿١٣٢﴾ إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ [أيها الأميون. وهم الذين تتنزل عليهم آيات القرآن، يذهبكم كما أذهب الذين من قبلكم من أهل القرى وجاء بكم، والخطاب موجه إليهم وليس لغيرهم. ولا شك أن الله إن شاء يُذهب أي أناس في أي زمان ومكان، ويأتِ بأناس غيرهم. لكن المراد هنا وفي كل القرآن، أولئك الذين نزل عليهم] وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّـهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا ﴿١٣٣﴾ مَّن كَانَ [منكم] يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّـهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكَانَ اللَّـهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴿١٣٤﴾.

 


إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّـهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ [يراؤون الناس من الذين آمنوا، الذين يقيمون الصلاة ويذكرون الله كثيراً] وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّـهَ إِلَّا قَلِيلًا ﴿١٤٢﴾ مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَٰلِكَ لَا إِلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ [المؤمنين] وَلَا إِلَىٰ هَـٰؤُلَاءِ [الكافرين] وَمَن يُضْلِلِ اللَّـهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا ﴿١٤٣﴾.



وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَـٰبِ [زمان عيسى. والسياق السابق لهذه الآية يتحدث عنه] إِلَّا لَیُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ [إنْ منهم إلا ليؤمنن به من ساعة تكليمه لهم في المهد، وإلى أن مات -كما يموت غيره- وتوفاه الله بسلام. ومعنى ذلك هو: كما أن منهم كافرون حاربوه ومكروا به، فإن منهم أيضاً من لا زال يؤمن به إلى آخر لحظة، إلى ما قبل موته. وقد قمت بشرح ذلك بالتفصيل ضمن سلسلة: جمل اعتراضية] وَیَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ یَكُونُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا [﴿وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِی كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ﴾ [المائدة ١١٧].] ﴿١٥٩﴾ فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّـهِ كَثِيرًا ﴿١٦٠﴾ وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [ممن عاصرهم من الأميين بعد موسى: ﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مَنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِقِنطَارٖ يُؤَدِّهِ إِلَيۡكَ وَمِنۡهُم مَّنۡ إِن تَأۡمَنۡهُ بِدِينَارٖ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيۡكَ إِلَّا مَا دُمۡتَ عَلَيۡهِ قَآئِمٗا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لَيۡسَ عَلَيۡنَا فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ سَبِيلٞ وَيَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ وَهُمۡ يَعۡلَمُونَ﴾ «آل عمران 75». واستمر ظلمهم وأكلهم أموال الناس بالباطل إلى حقبة محمد] وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ [من هؤلاء الذين هادوا المذكورون في الآية السابقة، وهم كفارٌ من أهل الكتاب] عَذَابًا أَلِيمًا ﴿١٦١﴾ لَّـٰكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ [الراسخون في العلم من أهل الكتاب زمان محمد. وهم كإخوانهم الذين آمنوا بعيسى ونصروه] وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ [القرآن. كتاب محمد] وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ [كتاب موسى. ولا يفرقون بين رسل الله ولا بين كتبه] وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّـهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ [فهم: ﴿ٱلَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِيَّ ٱلۡأُمِّيَّ ٱلَّذِي يَجِدُونَهُ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِي ٱلتَّوۡرَاةِ وَٱلۡإِنجِيلِ يَأۡمُرُهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَاهُمۡ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيۡهِمُ ٱلۡخَبَٰٓئِثَ وَيَضَعُ عَنۡهُمۡ إِصۡرَهُمۡ وَٱلۡأَغۡلَٰلَ ٱلَّتِي كَانَتۡ عَلَيۡهِمۡ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَٱتَّبَعُواْ ٱلنُّورَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ «الأعراف 157»] أُولَـٰئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا ﴿١٦٢﴾.



إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ [يا محمد] كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَىٰ نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ [هود وصالح] وَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَىٰ وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ [وهو نفسه ذو النون ولقمان -الذي التقمه الحوت-] وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ﴿١٦٣﴾ وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ [من قبل هذه الساعة، أي قبل نزول هذه الآية، وهم: زكريا ويحيى وعمران وإسرائيل] وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ [لم نقصصهم عليك حتى الآن. وقد تم قصّهم في وقت لاحق، وهم: يوسف وإلياس واليسع -إدريس- ولوط وشعيب وذو الكفل] وَكَلَّمَ اللَّـهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا ﴿١٦٤﴾ رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ [للناس من أقوام أولئك الرسل، وهم إما أهل القرى في القرون الأولى قبل موسى، أو بنو إسرائيل، أو الأميون من أهل القرى ما بين موسى ومحمد. لأن الرسل لم يرسَلوا إلّا إليهم، ولم يرسلهم الله للناس في كل زمان ومكان، وهذا يدخل فيه كل الرسل، ومن ضمنهم محمد الذي أرسل إلى أهل زمانه من أميين وأهل كتاب حصراً. وبالتالي فإن حجة عدم بعثة الرسل تنتفي عن أولئك -ولا شك أنهم سوف يأتون بحجج أخرى داحضة لا قيمة لها-، أما بقية الناس في كل زمان ومكان بعد محمد، فإنهم يتم مُحاججتهم بأمور أخرى غير إرسال الرسل، منها مثلاً: جمع الله وحفظه لكتابِ خاتم النبيين وبَثّه في كل زمان ومكان، ليكون هدى الله الدائم لمن أراد أن يتذكر. وسوف يكون لهم حُجج داحضة عند الله غير حُجج أقوام النبيين، وسوف يختلف ميزانهم عن ميزان أولئك الذين عاصروا الرُّسل وسمعوا منهم، وتَبَيّن لهم المراد الحقيقي لرسالات الله، بخلاف الناس من بعد محمد الذين تم تضليلهم باسم القرآن، وبخلاف كل الناس من أمم الأرض. وكلٌ له ميزان خاص به يقيس له وعليه كل شيء، ويبين -بما لا يدع مجالاً للشك- حالَه، وعُذْرَه من عدمه -إن كان يجوز في حقه العذر-، وغيرَها العشرات بل المئات من المعطيات التي تُحسب له وعليه . ﴿وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ﴾ «الأنبياء 47».] عَلَى اللَّـهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٦٥﴾ لَّـٰكِنِ اللَّـهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّـهِ شَهِيدًا ﴿١٦٦﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا [من قوم محمد الأميين] وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّـهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا [ولا شك في ضلال الكافرين في كل زمان ومكان. لكن الآيات تشير إلى أولئك من قوم محمد] ﴿١٦٧﴾ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا [من أولئك الأميين] لَمْ يَكُنِ اللَّـهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا ﴿١٦٨﴾ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [ولا شك أن هذا هو جزاء الكافرين والمجرمين في كل زمان ومكان. لكن الآيات تتحدث حصراً عن أولئك] وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّـهِ يَسِيرًا ﴿١٦٩﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الخطاب للناس الذين نزل عليهم القرآن، والمراد بهم هنا الأُمّيون حصراً] قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِن رَّبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَّكُمْ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّـهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴿١٧٠﴾ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا تَغۡلُواْ فِي دِينِكُمۡ وَلَا تَقُولُواْ عَلَى ٱللَّهِ [هو الآن يوصي أهل الكتاب زمان محمد، كما أوصى الناس -الأميين- في الآية السابقة] إِلَّا ٱلۡحَقَّ إِنَّمَا ٱلۡمَسِيحُ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلۡقَاهَآ إِلَىٰ مَرۡيَمَ وَرُوحٞ مِّنۡهُ فَـَٔامِنُواْ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُواْ ثَلَٰثَةٌ [يقولون بأن الله هو ثلاثة] ٱنتَهُواْ خَيۡرٗا لَّكُمۡ إِنَّمَا ٱللَّهُ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ سُبۡحَٰنَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٞ [يجعلون عيسى ابنه] لَّهُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ﴿١٧١﴾ لَّن يَسۡتَنكِفَ ٱلۡمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبۡدٗا لِّلَّهِ [فهو عبد لله وليس الله -لأنه لو كان ابنه لكان إلهاً-] وَلَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ٱلۡمُقَرَّبُونَ [فروح القدس هو عبد لله وليس هو الله] وَمَن يَسۡتَنكِفۡ عَنۡ عِبَادَتِهِ وَيَسۡتَكۡبِرۡ [منكم يا أهل الكتاب] فَسَيَحۡشُرُهُمۡ إِلَيۡهِ جَمِيعٗا ﴿١٧٢﴾ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ [منهم، ولم يقولوا بأن الله ثلاثة] فَيُوَفِّيهِمۡ أُجُورَهُمۡ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضۡلِهِ [يزيدهم من فضله لإيمانهم أيضاً بالنبي الأميّ ونصرته] وَأَمَّا ٱلَّذِينَ ٱسۡتَنكَفُواْ وَٱسۡتَكۡبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ﴿١٧٣﴾ يَا أَيُّهَا النَّاسُ [الخطاب للناس الذين نزل عليهم القرآن، وهم هنا الأُمّيون حصراً. وقد توجه الخطاب قبلها بثلاث آيات إلى أهل الكتاب (يا أهل الكتاب لا تغلوا..) أما هنا فهو موجه للأميين. ولا يتوجه للناس في كل زمان ومكان إلا تَبَعاً بأخذ خلاصة ما يأمرهم به، وإلا فإن الناس في زمان ومكان بعد محمد لم يتنزل عليهم هذا النور المبين -القرآن- وإنما ورثوه عن آبائهم الذين حرفوا جميع معانيه ومقاصده، وكل ما يأمر به] قَدْ جَاءَكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ﴿١٧٤﴾ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّـهِ [منكم أيها الأُميون] وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا [ولا شك أن هذا هو جزاء من آمن في كل زمان ومكان، بعد حقبة محمد وإلى يوم القيامة، لكن هذا البيان في الأساس مُتَوَجه إلى الأميين] ﴿١٧٥﴾.







سورة 5 "المائدة"



وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا [إنفاق من المال] فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا [لأنه ابتغى بنفقته القربى عند الله: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن یُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَیَتَّخِذُ مَا یُنفِقُ قُرُبَـٰتٍ عِندَ ٱللَّهِ وَصَلَوَ ٰ⁠تِ ٱلرَّسُولِ أَلَاۤ إِنَّهَا قُرۡبَةࣱ لَّهُمۡ سَیُدۡخِلُهُمُ ٱللَّهُ فِی رَحۡمَتِهِ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [التوبة ٩٩].] وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ [لأنه اتخذ ما ينفق مغرماً: ﴿وَمِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مَن یَتَّخِذُ مَا یُنفِقُ مَغۡرَمࣰا وَیَتَرَبَّصُ بِكُمُ ٱلدَّوَاۤئرَ عَلَیۡهِمۡ دَاۤئرَةُ ٱلسَّوۡءِ وَٱللَّهُ سَمِیعٌ عَلِیمࣱ﴾ [التوبة ٩٨]. أو رياءً: ﴿وَٱلَّذِینَ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ رِئَاۤءَ ٱلنَّاسِ وَلَا یُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَلَا بِٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَمَن یَكُنِ ٱلشَّیۡطَـٰنُ لَهُ قَرِینࣰا فَسَاۤءَ قَرِینࣰا﴾ [النساء ٣٨].] قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ [غيظاً وحسداً. وهذا تهديد صريح مع عزم على التنفيذ] قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّـهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [وقد علما بتقبل الله لقُرُباتهما من عدمه، من خلال قرائن وعلامات أكدت لهما ذلك] ﴿٢٧﴾ لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [في حال طوّعت لك نفسك التنفيذ] مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ [بيانٌ صريحٌ مفاده أنه لن يبدأه بالاعتداء والقتل لدفع ما توعّده به، وفي نفس الوقت لن يظل مُتأهّباً للدفاع عن النفس، ولن يسمح للشيطان بالتدخل ليجعله يعيش حالة من الخشية أو الترقّب. بل سوف يمضي قُدُماً كأن شيئاً لم يكن] إِنِّي أَخَافُ اللَّـهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ [فلا ينبغي لي المباشرة بقتلك، حتى وإن ظهر منك العزم على قتلي -وذلك لاحتمال فتوره عن التنفيذ حتى ولو في آخر لحظة-] ﴿٢٨﴾ إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ [نعم. فأنت تريد قتلي، ولا ينبغي ولا يحل لي قتلك، فأنت بذلك تريد مني العيش في دوّامة من الرعب والترقّب، لكن هيهات!. بل سوف أمضي غير آبهٍ بك، وبإمكانك قتلي في أي وقت، وأرجو أن يخلّصني الله من إثمي ويتوب عليّ -بهذه النّيّة-، وأرجو أن تبوء به أنت فوق إثمك] فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ [لأنك أنت من بدأت كل هذا، فسحقاً لك في أصحاب النار!] وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ ﴿٢٩﴾ فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ [إذ إنه اختار نار جهنم. لكنه -حتى هذه اللحظة وما بعدها- لم يندم على فعلته!] ﴿٣٠﴾ فَبَعَثَ اللَّـهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ [ينكت في الأرض باحثاً عن طعام أو ما شابه] لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ [ليوحي إليه بالحفر ودفن جثة -سوأة- أخيه التي أخذت تتحلل وتتعفن] قَالَ يَا وَيْلَتَىٰ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَـٰذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي [يتحسر على ضعف عقله عندما لم يعرف كيف يعالج أمر الجثة مقارنة بالغراب، الذي لا يملك ما يملك هو من قدرة على نفس فعل الحفر وإثارة الأرض] فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ [ندم على كل شيء فعله، بداية من قتله لأخيه، وانتهاء بتبعات ذلك القتل من اضطراره لتحمل انكشاف سوْأة أخية مدة من الزمن، دون أن يعلم أن معالجة تلك السّوْأة -الجثة- هي أمر في غاية البساطة -الدفن-] ﴿٣١﴾ مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ [بسبب قتلهم لموسى وهارون، الرجلان المؤمنان الوحيدان، بعد أن كفروا وارتدوا عن دخول القرية، وهو السياق السابق لقصة ابني آدم هذه -والتي هي سياق معترض-. وهناك دراسة مستقلة تحدد من هم الأنبياء الذين قتلهم بنو إسرائيل] كَتَبْنَا [في التوراة] عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ [بعد موسى] أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ [القصاص، وهو القتل بالحق بين المؤمنين. وموسى وهارون قُتلا بغير حق: ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ…) [المائدة ٤٥].] أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ [كقتل موسى وهارون، الرجلين المؤمنين الوحيدين بين قوم فاسقين] فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا [لأنه ما الفائدة من بقاء المفسدين بعد قتل المؤمنين المصلحين؟!] وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا [بالمقابل فإن من أحيا النفس المؤمنة المعرضة للقتل، فكأنما أحيا كل المؤمنين المصلحين، إذ ما الفائدة من حياة الفاسقين المفسدين؟!] وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ [هذه البينات التي جاءت بني إسرائيل هي نفسها البينات والكتاب الذي ينزله الله مع الرسل في القرون الأولى قبل موسى الذي كان كتابه مُستَحفظاً عند هؤلاء. وما كتبه عليهم بخصوص القتل المذكور آنفاً، هو في الحقيقة ما كتبه على كل الأقوام الذين أرسلت إليهم الرسل في قرى أرض النبيين قبل موسى. وإنما تم ربط قصة القتل عند ابني آدم ببني إسرائيل بسبب قتلهم لأنبيائهم موسى وهارون، وتمهيداً لما سيتم ذكره في الآية التالية من جزاء الذين يحاربون الله ورسوله من المجرمين في زمان محمد] ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَٰلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ [بدلاً من أن يكونوا -في مجملهم- أئمة في التقوى والصلاح للناس -للأميين الذين ليس عندهم كتاب- في تلك الأرض من بعد موسى] ﴿٣٢﴾ إِنَّمَا جَزَٰٓؤُاْ ٱلَّذِينَ يُحَارِبُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ [وهنا ينتقل الحديث إلى وصف الذين كفروا بنبي القرآن وحاربوه] وَيَسۡعَوۡنَ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوٓاْ أَوۡ يُصَلَّبُوٓاْ [الصلب أيضاً قتل، لكنه قتل بطيء: ﴿وَأَمَّا ٱلۡـَٔاخَرُ فَیُصۡلَبُ فَتَأۡكُلُ ٱلطَّیۡرُ مِن رَّأۡسِهِ قُضِیَ ٱلۡأَمۡرُ ٱلَّذِی فِیهِ تَسۡتَفۡتِیَانِ﴾ [يوسف ٤١].] أَوۡ تُقَطَّعَ أَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم مِّنۡ خِلَٰفٍ [تنكيلاً بهم ليصبحوا عاجزين] أَوۡ يُنفَوۡاْ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ [فيُستَراح منهم] ذَٰلِكَ لَهُمۡ خِزۡيٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ [وهذه كلها عقوبات صارمة يتم إنزالها بالذين يحاربون الله -بمضادّة مِلّته في كتابه- ورسوله -بقتاله ومظاهرة أعدائه عليه-. ولا يشترط -بالضرورة- انطباقها على كل البشر بعد حقبة الرسول الخاتم، إذ أين الرسول المُرسَل من الله -والمؤيَّد بالكتاب والآيات البينات- الذي يستحق من يُحاربه هذا النَّكَال؟! وهل كل من زعم الصلاح، وأخذ ينتسب لملّة الله، ورأى البدء بحرب الناس، وأخذ ينزل هذه الآيات عليهم، هو حقاً كما زعم؟! أفلا يكون مرسلاً من الله -في البداية- حتى يحل له إنزال ذلك الوعيد، المختص بالّذين يحاربون الله ورسوله النبي الأمي الذي هو خاتم سلسلة المرسلين في أرض النبيين؟! ولو صح ذلك وزعم -فَرَضاً- أنه رسول جديد شاء الله إرساله في سلسلة جديدة من النبيين والمرسلين؛ فأين إذاً الكتاب والميزان الذي ينزله الله على رُسله، والذي يُفتَرض أن ينزله عليه بياناً جديداً مُتَوجِّهاً إلى قومه الذين أرسل فيهم، والذي ينبغي أن يصدّق ما بين يديه من هذا القرآن، وأن يتوجه ببيان مُفَصَّل إلى هؤلاء القوم يفهمونه فهماً تاماً بنسبة 100%، ويأتي فيه -بالضرورة- تفصيل هذه العقوبات وهذا العذاب، لمن سوف يحاربه بوصفه رسول الله إليهم، والمؤيد بالكتاب وبالآيات البينات، والموعود بالنصر والتمكين، كوعد كل الرسل السابقين في أرض النبيين!.] ﴿٣٣﴾ إِلَّا ٱلَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبۡلِ أَن تَقۡدِرُواْ عَلَيۡهِمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ﴿٣٤﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱبۡتَغُوٓاْ إِلَيۡهِ ٱلۡوَسِيلَةَ [ابتغوا الوسيلة إلى الله بالاستجابة عموماً لما يأمركم به في هذا الكتاب] وَجَٰهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ [جاهدوا في سبيله بقتال هؤلاء الذين كفروا ويحاربون الله ورسوله، ويصدون عن سبيله] لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ﴿٣٥﴾ إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ [الذين كفروا بهذا الرسول وبالقرآن المنزل إليه، ثم حاربوه. وهم المُشار إليهم بالذين يحاربون الله ورسوله في الآيات السابقة، والتي تبين جزاءهم من قتل وصلب وتقطيع من خلاف] لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُ مَعَهُ لِيَفۡتَدُواْ بِهِ مِنۡ عَذَابِ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنۡهُمۡ [فكما بيّن حالهم في هذه الدنيا، وبيّن للنبي والذين آمنوا معه كيف يعاملونهم ويعاقبونهم ويعذبونهم؛ فهو الآن يُبيّن مآلهم وعاقبة كفرهم يوم القيامة!] وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ﴿٣٦﴾ يُرِيدُونَ أَن يَخۡرُجُواْ مِنَ ٱلنَّارِ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَا وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ ﴿٣٧﴾ وَٱلسَّارِقُ وَٱلسَّارِقَةُ [وهما اللذان سرقا ولو لمرة، فحينئذ يصح أن يُطلق عليهما سارق وسارقة: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ جَعَلَ ٱلسِّقَایَةَ فِی رَحۡلِ أَخِیهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَیَّتُهَا ٱلۡعِیرُ إِنَّكُمۡ لَسَـٰرِقُونَ﴾ [يوسف ٧٠]، فهم وُصفوا بالسارقين لمجرد سرقة شيء واحد ولمرّة واحدة -وبالطبع فإخوة يوسف لم يسرقوا، لكن تنطبق عليهم التسمية في حال قاموا بمجرد السرقة ولو لمرة واحدة-] فَٱقۡطَعُوٓاْ أَيۡدِيَهُمَا [اقطعوا العلائق التي يسرقان من خلالها، أو المكانة والمنزلة التي تُمكّنهما من السرقة، أو كل شيء من خلاله وبوساطته يقومان بتنفيذها. وهذا هو معنى الأيدي في هذه الآية، بخلاف الأيدي والأرجل في الآية السابقة التي تتحدث عن الذين يحاربون الله ورسوله، فهي تقصد أعضاء الجسد الظاهرة، بقطعها قطعاً، وفصلها عن البدن. أمّا هنا في حالة السارق والسارقة فهي تأخذ معنى الوسائل المؤدية إلى السرقة، تماماً كالآية: ﴿وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا﴾ [الإسراء ٢٩]، التي تعني البخل المقابل للإسراف، ولا تعني مجرد القبض أو البسط لكف اليد، أو الآية: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ یَدُ ٱللَّهِ مَغۡلُولَةٌ غُلَّتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَلُعِنُوا۟ بِمَا قَالُوا۟ۘ بَلۡ یَدَاهُ مَبۡسُوطَتَانِ یُنفِقُ كَیۡفَ یَشَاۤءُ﴾ [المائدة ٦٤]، والمراد هو وصفهم له بالبخل، وليس قبض الكف أو بسطها، وإلا فإنه عندما يرزقك ما يرزقك من النعم، فإنه لا يقدم لك ذلك الرزق بيديه، وإنما يمكنك منه من طرقه والأسباب المؤدية إليه، وهذه هي أيدي السارق والسارقة التي يأمر بقطعها كي لا يتمكنا من تكرار فعلتهما. وإلا فإن الله كتب في التوراة -وفي كل كتبه- القصاص بالمماثلة، وليس بالجور والتعدي، كقطع اليد التي تبطش -اليد الحقيقية التي تقابل الرِّجل- لقيامها بسرقة شيء ما، قلّت قيمته أو كثرت! فهل هناك شيء يمكن أن يرقى في القيمة ليصل إلى اليد؟! عداك عن "قطعها" لمجرد السرقة أياً كانت قيمة الشيء المسروق! ﴿وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَیۡنَ بِٱلۡعَیۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصࣱ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةࣱ لَّهُ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ [فما بالك بالافتراء عليه بزعم قطع اليد قطعاً، وفصلها عن البدن والتخلص منها، كالذي يقول به كهان المسلمين في شعوذاتهم المسطرة في كتبهم] فَأُو۟لَـٰۤئكَ هُمُ ٱلظَّـٰلِمُونَ﴾ [المائدة ٤٥]، بل لا تقطع قطعاً إلا عند المماثلة في قصاص الجروح -في حال لم يتصدق المظلوم بالعفو-. فهل يأمر الله بشيء -العدل في القصاص- ثم يأمر بنقيضه -قطع الأيدي قطعاً حقيقياً بحجة السرقة-؟!. عداك عن الآيات الكثيرة التي تأمر بالعدل والمماثلة: ﴿ٱلشَّهۡرُ ٱلۡحَرَامُ بِٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ وَٱلۡحُرُمَـٰتُ قِصَاصࣱ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ فَٱعۡتَدُوا۟ عَلَیۡهِ بِمِثۡلِ مَا ٱعۡتَدَىٰ عَلَیۡكُمۡ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِینَ﴾ [البقرة ١٩٤]. فالمعاني القرآنية متعددة حتى وإن كانت الكلمة ثابتة، والقرآن يبرهن على ذلك في كل آية منه من أوله إلى آخره، والحَكَم في ذلك هو السياق أولاً، والطبيعة المطّردة لأمر الله ونهيه ووصاياه ثانياً، وأساليب القرآن البيانية ثالثاً. فمن خلال كل ذلك يمكنك الجزم بالمعنى المراد، ومعرفة -مثَلاً- أن النسوة اللاتي قطّعن أيديهن قمن بتجريحهن جروحاً متعددة، بسبب غفلتهن عن موضع الضرب بالسكاكين عندما خرج يوسف عليهن. وأعطيك مثالاً أخيراً هو: ﴿ثُمَّ لَـَٔاتِیَنَّهُم مِّنۢ بَیۡنِ أَیۡدِیهِمۡ [أي من أَمامهم، وليس من بين أيديهم بالمعنى الحرفي] وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ [الاتجاه الخلفي هو عكس الاتجاه الأمامي] وَعَنۡ أَیۡمَـٰنِهِمۡ وَعَن شَمَاۤئلِهِمۡ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَـٰكِرِینَ﴾ [الأعراف ١٧]، فكلمة "من بين أيديهم" معناها: من أمامهم، كمثل: ﴿بَلۡ یُرِیدُ ٱلۡإِنسَـٰنُ لِیَفۡجُرَ أَمَامَهُ﴾ [القيامة ٥]. وهي أساليب قرآنية بيانية بلغت أقصى درجات الإتقان والكمال، وليست -كما يزعم الكثيرون ممن يقرأون هذا الكتاب- اختلافات وتبايناً في المعنى! بل هي مجرد أساليب بيانية يلتزمها هذا الكتاب، وبإمكانك تعلُّمها منه وتقليده في استعمالها، لكن لا يمكنك تنزيل تصوّراتك -المُستَوردة سلفاً- عليه. ملاحظة: الذي كتبه عليهم في التوراة من القصاص هو حكم الله ودينه الذي لا يتبدل، وإنما مراد ذلك هو تبكيتهم لزعمهم أنهم لم يؤمروا بتحكيم النبي الأمي، فتأتي الآية لتأمرهم إذاً بالتحاكم لما عندهم إن كانوا صادقين!، وهل ما عندهم إلا ما سوف يحكم به النبي الأمي فيما أراه الله في هذا القرآن؟! فلماذا إذاً لا يُسَلّمون له تسليماً؟! وهذا هو مراد الآية (وكتبنا عليهم فيها..).] جَزَآءَ بِمَا كَسَبَا نَكَٰلٗا مِّنَ ٱللَّه [فقطع أيديهما -علائقهما وأسبابهما التي تمكنهما من السرقة- يكون جزاءً وفاقاً لهذه السرقة التي يقومان بها، حتى وإن أدّى ذلك القطع إلى التأثير سلباً على مُقَدَّراتهما وأرزاقهما، فإن ذلك يكون نكالاً من الله عليهما] وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ﴿٣٨﴾ فَمَن تَابَ [منهما -السارق والسارقة- عن السرقة] مِن بَعۡدِ ظُلۡمِهِ وَأَصۡلَحَ [من بعد قيامه بالسرقة] فَإِنَّ ٱللَّهَ يَتُوبُ عَلَيۡهِ [بإعادة أيديه -علائقه ومُقَدَّراته- التي قُطِعت عنه. وإلا فلو صحت مزاعم كهان المسلمين، في قطع يده بفصلها عن بدنه وحرمانه منها، فإن توبة الله عليه تكون قد تحققت -تلقائياً- بمجرد ذلك القطع، ولا حاجة لأن يُنتَظَر منه التوبة والعمل الصالح!. لكن الحقيقة هي أنه يتوب عن السرقة، ويشهد له بذلك عملُه الصالح، فيتوب الله عليه حينها، ويتم التراجع عن ما قُطِع عنه من أيديه. وهذا هو مراد الآيات.] إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ﴿٣٩﴾ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ لَهُ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ [بل قد علم ذلك من آية سابقة نزلت عليه: ﴿وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ یَغۡفِرُ لِمَن یَشَاۤءُ وَیُعَذِّبُ مَن یَشَاۤءُ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورࣰا رَّحِیمࣰا﴾ [الفتح ١٤]. والمراد هنا هو بيان عفو الله وتوبته عن السارقين بعد توبتهم وإصلاحهم. ملاحظة: لو قطعت أيدي السارق والسارقة بالطريقة التي يفتريها كهان المسلمين، لما صدر عنهما توبة وإصلاح، بل قد يعاود السارق العمل والتخطيط لمزيد من السرقة بالاستعانة بغيره حتى وإن قطعت كلتا يديه!. فسحقاً لكهان المسلمين ودينهم وشعوذاتهم] وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ﴿٤٠﴾ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرَّسُولُ لَا يَحۡزُنكَ ٱلَّذِينَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡكُفۡرِ مِنَ ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَلَمۡ تُؤۡمِن قُلُوبُهُمۡ [منافقون] وَمِنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ [من أهل الكتاب] سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ سَمَّٰعُونَ لِقَوۡمٍ ءَاخَرِينَ [من الأميين] لَمۡ يَأۡتُوكَ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ [كلام الله] مِن بَعۡدِ مَوَاضِعِهِ [هؤلاء الذين هادوا سمّاعون للكذب الذي يأتي به قوم آخرون لم يأتوا النبي من الأساس، فكيف يقبلون شهادتهم، ويسمعون لقولهم؟! وفوق ذلك يحرفون الكلم من بعد مواضعه، والكلم هو آيات القرآن التي تتنزل على النبي ويتلوها عليهم، يحرفونه من بعد أن وضعه الله في مواضعه التي لا ينبغي إلا لها، فيغيرون هذه المواضع لأجل تغيير المعاني، وذلك بتقديم أو تأخير كلمات عن مواضعها لتغيير المعنى الكلّي للآية المُستَهدفة] يَقُولُونَ إِنۡ أُوتِيتُمۡ هَٰذَا فَخُذُوهُ وَإِن لَّمۡ تُؤۡتَوۡهُ فَٱحۡذَرُواْ [يقولون للقوم الآخرين الكذابين -الذين سوف يتوجهون الآن للقاء النبي-: إن آتاكم محمد الشيء الفلاني فخذوه فهو من عند الله، وإن آتاكم غيره فاحذروا فإنه من عنده هو، وليس من عند الله!. على أساس أن الحق الذي من عند الله هو فقط لديهم، وليس لدى محمد خاتم النبيين!] وَمَن يُرِدِ ٱللَّهُ فِتۡنَتَهُ فَلَن تَمۡلِكَ لَهُ مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا [من يريد الله فتنته من هؤلاء الأميين الكذابين، الذين يلقون السمع لهؤلاء الذين كفروا من الذين هادوا، فيحرفون لهم كلام الله عن مواضعه التي وضعها الله فيها، ويغيرون كل المعاني، ويلزمونهم بنوع من الحق دون غيره، أو يُلبسون عليهم الباطل بلباس الحق، إلى آخر ما يقوم به هؤلاء المغضوب عليهم من الذين هادوا في حق أولئك الأميين الضالّين. فمن أراد الله فتنته بذلك، فلن تستطيع أنت هدايته. فدعك منهم] أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَمۡ يُرِدِ ٱللَّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمۡ [لم يرد الله أن يطهر قلوبهم من الشرك، فلا يزالون يستمعون للبشر فيما يأتونهم به من الباطل، ويتركون حكم الله في كتابه، فيعيشون في نجس الشرك ويموتون فيه!] لَهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞ وَلَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٞ ﴿٤١﴾ سَمَّٰعُونَ لِلۡكَذِبِ أَكَّٰلُونَ لِلسُّحۡتِ [وهنا الحديث أيضاً عن الذين هادوا، فهم فوق سماعهم للكذب، يأكلون السحت الذي يأتيهم من التلاعب بالكلم لإرضاء البشر] فَإِن جَآءُوكَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُمۡ أَوۡ أَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ [فهم قد يأتون النبي ليحكم ويفصل بينهم فيما يعترض لهم من حوادث تحتاج إلى من يقضي فيها. وبما أنهم كفار غير مسلمين حنفاء، فليس لهم حق على النبي أن يتعرض لهم، بل هم مفسدون في جميع حركاتهم وسكناتهم، مفسدون بمجيئهم إلى النبي ليحكم بينهم، ومفسدون عند توليهم عنه واختلاطهم بالأميين. فهؤلاء يجعل الله رسوله حلٍّ من وجوب الحكم بينهم، فإن شاء حكم بينهم، وإن شاء أعرض عنهم] وَإِن تُعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ فَلَن يَضُرُّوكَ شَيۡـٔٗا [تطمين له من احتمالية كيدهم له. ففي حال اختار الإعراض عنهم، فهم لن يضروه شيئاً. وسوف يأتي لاحقاً بيان عصمة الله له منهم (والله يعصمك من الناس).] وَإِنۡ حَكَمۡتَ فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ [لكنه يُلزمه إذا حكم بينهم أن يحكم بالقسط الذي بَيّنه له في كتابه الذي أنزله عليه، ولا يُداهن أحداً منهم على حساب الآخر، ولا يركن لهم في شيء] إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ﴿٤٢﴾ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّـهِ [إخبار عن حقيقة سرائرهم. فهم لا يريدون الخير بمجيئهم للنبي ليحكم بينهم، لأنهم أصلاً عندهم التوراة التي فيها حكم الله!، فلماذا لا يتحاكمون إلى كتاب الله الذي عندهم؟!. وبالتالي فإنهم عندما يأتونك لتحكم بينهم فإنهم لا يبتغون حكم الله الذي يعرفونه جيداً، وإنما يأتونك لعلك تَضِل عن حكم الله، فتحكم بهوى هؤلاء أو هؤلاء -أحد الفريقين المتخاصمين منهم- فيأخذوا الحكم عنك، ويجعلوك أنت المسؤول أمام الله عن ذلك، ولكن هيهات!. إذ كيف سَيَضِل النبي عن حكم الله، والآيات تتنزل عليه متفرقة لتثبته وتقوّمه وتبين له حكم الله؟! بل ولتحذره -في كثير من المواضع- من أن يتغافل عنها، أو يركن إلى الكافرين ولو شيئاً قليلاً، أو أن يحكم بشيء من عنده!. فإن كان هذا هو الذي عليه العمل في كتاب محمد -تفريقه وتنزيل آياته لتلامس كل آية منه الحدث أو الواقعة التي صيغت لأجلها-، فأنّى لهم تحقيق مآربهم من أن يحكم النبي بينهم بغير حكم الله؟!] ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَٰلِكَ [يتولون من بعد حكم الله الذي عندهم في التوراة، والذي سبق وحُكِم لهم به، ثم تولوا عنه وتوجهوا إلى النبي لعلّه يحكم بينهم بغيره!] وَمَا أُولَـٰئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ﴿٤٣﴾ إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ [التوراة هي زبور داوود الذي أوتيه من بعد موسى] يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا [وهم داوود وسليمان ويحيى. أما وزكريا فإنه بلغه الكبر في تلك الحقبة. وهنا يذكر إسلامهم لنفي اليهودية والنصرانية عنهم، وإلا فكل النبيين مسلمون!] لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ [أيضا يحكم بها الربانيون والأحبار الذين يدرسونها ويتمسكون بها، وهم أتباع هؤلاء النبيين الأربعة، ولا يوجد مطلقاً أنبياء غير المذكورين في القرآن، سواء الأنبياء في القرون الأولى قبل موسى، أو الأنبياء في بني إسرائيل بعدها. ثم أوتي عيسى ابن مريم الإنجيل، وأحَل لهم فيه ما حُرم عليهم في التوراة بظلمهم من الطيبات، سواء كل ذي ظفر، أو شحوم الأنعام. ثم جاء إلياس ابن عيسى، ثم بعدها فترت النبوة مدة قليلة من الزمن، ثم بعدها جاء محمد نبي الأميين، وخاتم أولئك النبيين، وهو الذي أخذ الله ميثاق النبيين -بعد موسى- بالإيمان به ونصرته: ﴿وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِیثَـٰقَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ لَمَاۤ ءَاتَیۡتُكُم مِّن كِتَـٰبࣲ وَحِكۡمَةࣲ ثُمَّ جَاۤءَكُمۡ رَسُولࣱ مُّصَدِّقࣱ لِّمَا مَعَكُمۡ لَتُؤۡمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ ءَأَقۡرَرۡتُمۡ وَأَخَذۡتُمۡ عَلَىٰ ذَ ٰ⁠لِكُمۡ إِصۡرِی قَالُوۤا۟ أَقۡرَرۡنَا قَالَ فَٱشۡهَدُوا۟ وَأَنَا۠ مَعَكُم مِّنَ ٱلشَّـٰهِدِینَ﴾ [آل عمران ٨١]. وهذا الميثاق المأخوذ على أولئك النبيين -في كتابيهم التوراة والإنجيل- هو في الأساس مأخوذ على أتباعهم!، أَخَذَه على النبيين بمجرد إنزال التوراة والإنجيل عليهم، ثم تصديقهم وإقرارهم به، ليكون -بصورة تلقائية- ميثاقاً مأخوذاً على أتباعهم، ومن يزعمون الإيمان بهم!، وهذا هو مُراد الآية. وإلا فإن النبوّة فترت بعد إلياس ابن عيسى، ولم يكن وجود لأولئك النبيين!] بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِن كِتَابِ اللَّـهِ [كتاب موسى، وهو -ككتاب محمد- الفرقان والذكر: ﴿وَلَقَدۡ ءَاتَیۡنَا مُوسَىٰ وَهَـٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِیَاۤءࣰ وَذِكۡرࣰا لِّلۡمُتَّقِینَ﴾ [الأنبياء ٤٨].] وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ [فهؤلاء النبيون والربانيون والأحبار هم مستحفَظون على الكتاب، كتاب الله الذي أنزله على موسى وهارون، ثم آتى داوود التوراةَ المختصة بالذين هادوا، والتي تُفَصّل لهم حكم الكتاب -كتاب موسى- في أمور متعلقة بطائفتهم وزمانهم، وحُرّم عليهم فيها ما حرم بسبب ظلمهم. ثم أوتي عيسى ابن مريم الإنجيل تخفيفاً عليهم ورحمة بهم، واختصاصاً بأمور من الكتاب -كتاب موسى- يُفصّلها لهم بما يناسب زمانهم، فآمن به من آمن منهم، وهم الذين قالوا إنا نصارى، أي أنصار عيسى على من كفر ومكر به من بني إسرائيل، ثم ليتميزوا بالإنجيل عن الذين هادوا، ثم ليغْلوا في دينهم وليعبدوا عيسى ابن مريم، ويزعموا أنه الله أو ابنه أو ثالث ثلاثة!] فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ [هذا أمر لبني إسرائيل زمان محمد، والذين -إضافة للأميين- نزل عليهم هذا القرآن. هو أمر في صورة خطاب مباشر من الله لهم (فلا تخشوا الناس واخشونِ!)، وهو كمثل: ﴿يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتِيَ ٱلَّتِيٓ أَنۡعَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ وَأَوۡفُواْ بِعَهۡدِي أُوفِ بِعَهۡدِكُمۡ وَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٤٠ وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلۡتُ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَكُمۡ وَلَا تَكُونُوٓاْ أَوَّلَ كَافِرِ بِهِ وَلَا تَشۡتَرُواْ بِـَٔايَٰتِي ثَمَنٗا قَلِيلٗا وَإِيَّٰيَ فَٱتَّقُونِ ٤١﴾ «البقرة». والناس هنا هم الأميون الضالّون، أهل القرى والسواد الأعظم، الذين من الممكن أن تحملهم خشيتهم على التولي عن النبي الأميّ وعن نصرته، أو تحملهم على معاداته ومداهنة أعدائه الأميين] وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي [التي عندكم في الكتاب -كتاب موسى- أو كتابي التوراة والإنجيل] ثَمَنًا قَلِيلًا [بمظاهرة أعداء النبي الأمي عليه، بدلاً من الإيمان به ونصرته، الأمر الذي أُخِذ عليكم الميثاق به!] وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ فَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ [ولا شك أن هذا الأمر يتعداهم، ليكون عبرة وموعظة للناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد، والنتائج التي تترتب عليه تترتب عليهم، لكن بميزان مختلف عن ميزان أولئك، فهم نزل عليهم القرآن وفهموا بيانه، ورأوا رسول الله بأم أعينهم، ثم حاربوه أو ناصروه] ﴿٤٤﴾ وَكَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ فِيهَآ [على الذين هادوا المذكورين آنفاً. والذين هم الطائفة والملأ من بني إسرائيل، استمر فيهم موسى بعد أن أنزل عليه الكتاب، ثم صاروا ملوكاً برهة من الزمن، ثم ظلموا أنفسهم بعدم الاستجابة له بدخول القرية -الأرض المقدسة- التي أجلاهم منها جالوت -قبل توجههم لمصر أرض فرعون-، ثم قتلوا موسى وهارون، ثم بعث فيهم داوود الذي دخل بهم أرضهم تلك، ثم آتاه الله التوراة ليحكم بها فيهم] أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ وَٱلۡعَيۡنَ بِٱلۡعَيۡنِ وَٱلۡأَنفَ بِٱلۡأَنفِ وَٱلۡأُذُنَ بِٱلۡأُذُنِ وَٱلسِّنَّ بِٱلسِّنِّ وَٱلۡجُرُوحَ قِصَاصٞ [وهي أوامر متعلقة بالقضية التي جاءوا يحكمون النبي فيها. وقد سبق وأن أمر الله نبيه بالقصاص في مثل هذه الأمور المتعلقة بالقتل أو بالجروح: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِصَاصُ فِي ٱلۡقَتۡلَى ٱلۡحُرُّ بِٱلۡحُرِّ وَٱلۡعَبۡدُ بِٱلۡعَبۡدِ وَٱلۡأُنثَىٰ بِٱلۡأُنثَىٰ فَمَنۡ عُفِيَ لَهُ مِنۡ أَخِيهِ شَيۡءٞ فَٱتِّبَاعُۢ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَأَدَآءٌ إِلَيۡهِ بِإِحۡسَٰنٖ ذَٰلِكَ تَخۡفِيفٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَرَحۡمَةٞ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٧٨ وَلَكُمۡ فِي ٱلۡقِصَاصِ حَيَوٰةٞ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧٩﴾ [البقرة]، وهذا هو حكم النبي الذي حكم به لهم عندما جاءوا إليه يحكمونه في هذه الأمور، ونزلت هذه الآيات لتؤيّده وتثبته، بل ولتجعله أيضاً في حلًّ من الحكم بينهم، في حال أراد الإعراض عنهم. ثم تؤكد عليه بأن يحكم بالقسط في حال اختار الحكم والقضاء بينهم] فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ [بالاعتداء الذي وقع عليه] فَهُوَ كَفَّارَةٞ لَّهُ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ﴿٤٥﴾ وَقَفَّيۡنَا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم [على آثار أولئك النبيين الذين يحكمون بالتوراة في الذين هادوا] بِعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَ [فهو ابن مريم، وليس ابن أحد أياً كان! لأن أمه لم يمسها بشر، والمَلَك الروح الذي أتاها قد تمثل لها بشراً سوياً، فأنّى له أن يمسها بعد هذا البيان الصريح؟! بل إنه نفخ فيها كلمة الله "كن"، فكان المسيح عيسى ابن مريم، الذي هو كلمة الله "كن" التي ألقاها إلى مريم عن طريق ذلك الروح الذي تمثل بشراً، ليتمكن من قول تلك الكلمة وإلقائها إلى بشر -مريم-!. ﴿إِنَّمَا ٱلۡمَسِیحُ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلۡقَاهَاۤ إِلَىٰ مَرۡیَمَ وَرُوحࣱ مِّنۡهُ﴾ [النساء ١٧١]، فهو كلمة من الله "كن" أُلقِيت إلى أُمّه، وهو روح -قضاء- من الله نُفِخ فيها، بعد أن ألقى الروح الملَك تلك الكلمة إليها. فكلمة "روح" تستخدم لتشير إلى قضاء الله تارةً، وإلى الملَك المختص بحمل كلمة "كن" -التي من خلالها يتحقق قضاؤه- تارةً أخرى. ولا اختصاص لعيسى ابن مريم بهذه العبارة -كلمة الله-، بل كل خلق الله هو كلمات الله، والواحد من الخلق هو كلمة الله. وكلماته لا تنفد مطلقاً!] مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡإِنجِيلَ فِيهِ هُدٗى وَنُورٞ وَمُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ [الإنجيل الذي فيه هدى ونور، هو أيضاً مصدق لما بين يديه من التوراة. ف "الكتاب" كتاب الله، وهو واحد، وإن تعددت الصيغ التي ينزله بها على الأقوام في أهل القرى في القرون الأولى قبل موسى. والكتابان الثانويان -التوراة والإنجيل- أيضاً لا يخالفان كتاب الله الذي آتاه لموسى -والمُستَحفظ عندهم-، أو الذي أنزله بعد ذلك على محمد -القرآن-. فالحق واحد، والملّة واحدة، والإسلام هو دين الله. ثم تم اختزال هذا الاسم "الإسلام" في الدين الوضعي الذي اخترعه كُهان المسلمين بعد حقبة خاتم النبيين، وهو الدين المستمر إلى هذا اليوم. وهو تماماً كدين اليهود الذي اخترعوه بعد داوود وسليمان، وكدين النصارى الذي اخترعوه بعد عيسى. لكن تم بعد محمد تغيير اللسان واللغة المتعلقة بأولئك اليهود والنصارى، ونسبة أديانهم إلى لغات أخرى غير لغة هذا الكتاب، والتي هي في الحقيقة لسان ولغة كل النبيين وأقوامهم. الأمر الذي لم يتحقق مع الذين اخترعوا الدين المنسوب لمحمد، إذ لم يستطيعوا نسبته للسانٍ مختلف عن لسان الكتاب المحفوظ لديهم -القرآن-، فبقيت الأسماء والكلمات كما هي، لكن تم تحريف كل المعاني والمقاصد التي وراءها!] وَهُدٗى وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ﴿٤٦﴾ وَلۡيَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِيلِ [أهل الإنجيل زمان محمد، وهم النصارى، وهم في عداءٍ مع اليهود، أو الذين هادوا، الذين هم أهل التوراة: ﴿وَقَالَتِ ٱلۡیَهُودُ لَیۡسَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَقَالَتِ ٱلنَّصَـٰرَىٰ لَیۡسَتِ ٱلۡیَهُودُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُمۡ یَتۡلُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ [كتاب الله المشترك بينهم، والذي هو كتاب الفرقان، كتاب موسى] كَذَ ٰ⁠لِكَ قَالَ ٱلَّذِینَ لَا یَعۡلَمُونَ [الأمّيون] مِثۡلَ قَوۡلِهِمۡ [أي أن الأميين أيضاً يظنون أنهم على الحق دون غيرهم، فيقولون: أهل الكتاب بطائفتيهم اليهود والنصارى ليسوا على شيء!] فَٱللَّهُ یَحۡكُمُ بَیۡنَهُمۡ [بينهم جميعاً. اليهود والنصارى المغضوب عليهم من جهة، والأميون الضالّون من جهة أخرى] یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ فِیمَا كَانُوا۟ فِیهِ یَخۡتَلِفُونَ﴾ [البقرة ١١٣].] بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ﴿٤٧﴾ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ [القرآن العظيم. فهو الكتاب وهو تفصيله في آن واحد. بخلاف كتاب موسى الذي جاء تفصيله -توجيه بيانه نحو قوم بعينهم- في التوراة لطائفة، وفي الإنجيل لطائفة أخرى] مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ [كتاب موسى] وَمُهَيۡمِنًا عَلَيۡهِ [بالذكر الجديد المتعلق بما جاء بعد موسى، وانتهاءً بذكر قوم محمد: ﴿لَقَدۡ أَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكُمۡ [يا قوم محمد] كِتَـٰبࣰا فِیهِ ذِكۡرُكُمۡ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ [؟!]﴾ [الأنبياء ١٠].] فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ [عليك في كتابك. والموافق سلفاً لما لديهم في كتاب موسى، أو في التوراة والإنجيل] وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّ [الحق واحد، ويعرفونه، لكنهم يضلون عنه بأهوائهم] لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗا [هذه العبارة تشكل بياناً منفصلاً عن العبارة التي قبلها: "ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق". بل اختلاف الشرائع والمناهج التي جُعِلت للناس في التوراة والإنجيل والقرآن، هو حق من عند الله، ولا علاقة لهذا باتباعهم لأهوائهم التي ينهى الله نبيه عنها. فمثلاً التوراة التي لدى اليهود حُرّم عليهم فيها ما حرم من الطيبات، والإنجيل الذي لدى النصارى أُحِل لهم فيه تلك الطيبات، وَوُضع عنهم فيه الإصر والأغلال التي كانت مكتوبة عليهم في التوراة بسبب ظلمهم. فهؤلاء إن استمروا على ما لديهم في التوراة؛ فهو حق، فهي أمورٌ حرمت، وإصرٌ وأغلالٌ وضعت على آبائهم، فإن تعصبوا لها وأحبوا الاستمرار عليها فلهم ذلك -وهو كالطعام الذي حرمه إسرائيل على نفسه فله ذلك-، وأولئك -أهل الإنجيل- لا يلتزمون تلك الحرمات، ويتحررون من تلك الآصار والأغلال التي كُتبت على آبائهم، وينتهجون منهاج الإنجيل الذي خفف عنهم تلك الأمور، وهذا أيضاً حق، بل هو الأوْلى، وهذا هو المقصود من عبارة: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً). وإلا فالحق واحد، وأمر الله ونهيه ووصاياه لا تتغير، وهو لا يأمر إلا بالعدل والإحسان، ولا ينهى إلا عن الفحشاء والمنكر والبغي. فالشرائع والمناهج المتنوعة التي جُعِلت لهم، هي ما اختاروه هم لأنفسهم، بعد أن خُفِّفَ عنهم الوزرُ الذي كُتب عليهم، بسبب بغي الذين جاءوا من قبلهم] وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ [لو شاء لجعلكم أمة واحدة بكتاب واحد، لا تنقسمون على أساسه إلى طوائف بعضها يُحِل شيئاً والآخر يُحرمه. فلو شاء ذلك لأنزل "الكتاب" مرة أخرى على داوود، ثم على عيسى ابن مريم، وكلكم تنضوون تحته، من غير أن تتفرقوا وتختلفوا فيه، كاختلاف الذين ورثوه بعد موسى، وتفرقهم فيما بعد إلى طوائف اليهود والنصارى. لكنه لم يفعل ذلك، وإنما استحفظ بني إسرائيل على الكتاب بعد موسى، ولم ينزله مرة أخرى إلا على محمد، وجعل ما بينهما من الكتب تختص بطوائف؛ فالذين هادوا أنزل إليهم فيما بعدُ التوراة على داوود، وبَقِيّةُ بني إسرائيل لم تكن لديهم هذه التوراة، ثم ليأتي عيسى بن مريم بالإنجيل، ويتوجه به لكل بني إسرائيل: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِیسَى ٱبۡنُ مَرۡیَمَ یَـٰبَنِیۤ إِسۡرَ ٰ⁠ۤءِیلَ إِنِّی رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَیۡكُم مُّصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَاةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِن بَعۡدِی ٱسۡمُهُ أَحۡمَدُ﴾ [الصف ٦]، فيؤمن به من هؤلاء -الذين هادوا أصحاب التوراة-، ومن هؤلاء -بقية بني إسرائيل-، فيكونون بذلك قد تقسموا إلى أمم؛ هؤلاء معهم كتاب موسى فقط، وهؤلاء معهم التوراة، وآخرون تمسكوا بالإنجيل بعد أن نصروا عيسى وآمنوا به. مع التنويه على أن اختلاف الأمم -بعد موسى- في الشرعة والمنهاج الذي جعله الله لهم ليبلوهم فيه، ليس هو نفسه الاختلاف الذي حصل بعد أن كانوا أمة واحدة على الإسلام، فاختلفوا بين الإسلام والكفر -فبعث إليهم النبيين ابتداءً من نوح-، بل هي أمم كلها تنضوي تحت الإسلام، لكنها أمم متنوعة في الشرعة والمنهاج. أما تحوّلهم إلى يهود ونصارى كافرين مشركين غير حنفاء، فهذا من عندهم وليس من عند الله في شيء، وليس هو المراد من اختلاف الشرعة والمنهاج!] وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَاكُمۡ [فالعلّة من وراء جعل الكتب والشرائع والمناهج، هي ابتلاء كل طائفة فيما آتاها من منهاج وشرعة ومنسَك، فينظر كيف ستصنع بما آتاها!. هذا على الرغم من أن الأمر والنهي والوصايا في كل تلك الكتب واحد لا يتغير بتغير المنهاج] فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِ [أينما وجدتموها فسارعوا إليها. وهي الآن مع محمد النبي الأمّيّ رسول الله، فسارعوا لتكونوا من الذين آمنوا معه، وعزروه ونصروه] إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ ﴿٤٨﴾ وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّـهُ [تأكيد] وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [لا تتبع أهواءهم في كفرهم، فهي ليست من تنوع الشرعة والمنهاج] وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّـهُ إِلَيْكَ [تثبيت له من جهة، وتحذير له من جهة أخرى. فيما يُفهم منه مراودتهم له ليوافقهم على شيء من أهوائهم] فَإِن تَوَلَّوْا [عن حكمك] فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّـهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ [فالله يُضِل الظالمين بما يجترحون من ظلم وفساد، ولو كانوا مصلحين لهداهم إلى الحق] وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ [كثير من الناس من أهل الكتاب بطائفتيهم اليهود والنصارى -الذين تتحدث عنهم هذه الآيات ضمن سياقها السابق- فاسقون. ولا شك أن كثيراً من الناس من الأميين -الذين منهم قوم محمد- فاسقون. ولا شك أيضاً أن كثيراً من الناس في كل زمان ومكان بعد حقبة محمد فاسقون، لكن مراد الآيات محصور بأولئك، فالقرآن بيان خاص بالذين نزل فيهم من أميين وأهل كتاب، والمقصودون هنا هم أهل الكتاب من أولئك الناس] ﴿٤٩﴾ أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [حكمهم المتعارض مع حكم الله -في الكتب التي لديهم وفي القرآن- هو حكم الجاهلية، وليس حكماً بالعلم الذي يعلّمهم الله إياه في آياته البينات] وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّـهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴿٥٠﴾  



وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ [كلهم] آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ ﴿٦٥﴾ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِم مِّن رَّبِّهِمْ [القرآن] لَأَكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِم مِّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ [أمة مؤمنة مقتصدة لا يُعادون رسولهم النبي الأميّ] وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ [فاسقون ظالمون كافرون] ﴿٦٦﴾  يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ [وتبليغه هو مجرد تلاوته عليهم ليفهموا مراده 100%. بخلاف ما بعد حقبة محمد، وافتراء الدين الوضعي المسمى كذباً بالإسلام، بتحريف كل المعاني مع الإبقاء على الكلمات كما هي، فقد أصبح تبليغه هو العودة بآياته إلى مرادها الأصلي الوحيد الذي لا يتعدد ولا يتغير] وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [ولا تأتي مثل هذه الآيات التي تقوّم النبي وترشده وتعاتبه، إلا عندما يقع منه ما يستوجب الإرشاد، فهنا هو تثاقل أو تأخر عن تلاوة بعض الآيات الموحاة إليه، والمتعلقة بهذا السياق من الآيات والأحداث، والذي حمله على ذلك هو خوفه من غدرهم به، أو محاولة قتله، لذلك طمأنته الآيات بعصمة الله له منهم] وَاللَّـهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الناس المقصودون هنا هم اليهود والنصارى، الذين هم محور السياق الطويل لهذه الآيات. وبما أن العصمة من الناس مطلوبة لكي يستطيع تبليغ ما أُنزل إليه من ربه، فإنها تشمل -ولا بد- كل الناس في زمانه وممن حوله من الضالين من الأميين، ومن المغضوب عليهم من أهل الكتاب، الذين من الممكن أن يكيدوا له. ولا شك أن كل نبي أرسل إلى قرية من أرض النبيين قبل محمد، معصومٌ من أن يقتله قومه، بل هو موعود بالنصر عليهم. ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ [ظنهم أنهم قد كذبهم الله وعده بالنصر، لبلوغ الشدة التي يلاقونها منتهاها] جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ﴾ «يوسف 110»، هذا باستثناء رسل بني إسرائيل موسى وهارون، الذين تعرضوا للقتل على أيدي أقوامهم، ولم يعصمهم الله من الناس بسبب كون الكتاب -كتاب موسى- مستَحفظاً عند أولئك الناس. أما بالنسبة للآية: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡ وَمَن یَنقَلِبۡ عَلَىٰ عَقِبَیۡهِ فَلَن یَضُرَّ ٱللَّهَ شَیۡـࣰٔا وَسَیَجۡزِی ٱللَّهُ ٱلشَّـٰكِرِینَ﴾ [آل عمران ١٤٤]. فهي بيان سابق لذا البيان الذي يثبت العصمة له من القتل، ومرادها أصلاً ليس تحقق القتل له، وإنما جعله احتمالاً وارداً، لتكون توبيخا للذين يعبدون البشر أو يربطون إيمانهم بالله بهم، حتى ولو كانوا رسل الله إليهم، فهي تبين لهم أن محمداً ليس هو الله، وليس ابناً لله كما يزعم طوائف أهل الكتاب في عيسى والعزير، ونصر الله لدينه في أرض النبيين هو من عنده (وما النصر إلا من عند الله)، والبشر ليس لهم من الفضل في ذلك شيء حتى وإن كانوا رسله، والله لا يقبل من عباده الإيمان إذا كان مشروطاً ببقاء نبي من الأنبياء، أو حتى بإرسال الأنبياء من الأساس، بل لا ينبغي للعباد إلا أن يؤمنوا بالله خالقهم، وهذه هي الغاية من إرسال أولئك الرسل، ليُحدِّثوهم بذلك، وليبشروهم وينذروهم، لكن ليس لربط الإيمان بالله بهم. فحتى لو قتل النبي الأمي قبل نزول الآيات التي تنفي تلك الاحتمالية، حتى لو قتل في تلك الساعة فان الله سوف يرسل غيره ليتمم ما بدأه، ويجعل العصمة من الناس له، أو للثّالث، حتى يكمل الله لهم دينه، وهذا هو مراد الآية لا أكثر ولا أقل] إِنَّ اللَّـهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ﴿٦٧﴾ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَىٰ شَيْءٍ حَتَّىٰ تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ [فهم بطائفتَيْهم اليهود والنصارى، لا يقيمون ما عندهم من هذه الكتب، ولو أقاموها كما يزعمون، لآمنوا بالنبي الأمي واتبعوه ونصروه] وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ [القرآن] وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم [وهم المفسدون الكافرون من أهل الكتاب الذين ليسوا على شيء: (وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ).] مَّا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا [فوق كفرهم وطغيانهم الأصلي] فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [لا تأس عليهم، حتى ولو كانوا أكثر الناس، ولا تطمع في إيمانهم] ﴿٦٨﴾ 





يتبع..