جمل اعتراضية. 10
"جُمَل اعتراضية"
وآيات تحتاج
إعادة ترتيب!!
المجموعة العاشرة
من أساليب القرآن البيانية:
"التقديم والتأخير" في عبارات بعينها!، أو إيراد "جُمَل معترضة" تتخلل السياقات المترابطة وتقطعها!.
القارئ يجد استشكالاً كبيراً في الفهم، ولن يعلم المقصود والمُراد إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!
وباختصار .. فإن القرآن من أوله إلى آخره، يورد في أثناء البيان، جُملاً متقدمة أو متأخرة عن أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق، ويورد أيضاً عبارات خارجة عن السياقات تتخللها بشكل "معترض"!.
هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعاً "إيقاعياً" جذاباً -إن صح التعبير-!.
وله أيضاً أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه البياني الذي تنتهجه المجموعة المتكلمة في القرآن كله، والذين لا يتكلمون إلا بصيغة الجمع!
قم بقراءة الدراسة التي بعنوان:
المجموعة المتكلمة في القرآن.
وأساليب أخرى مثل التعبير بكلمات بعينها عن التأثيرات والتحولات على الصعيدين الواقعي والتجريدي!.
كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.
الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.
عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا "الفن"!
قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مراراً وتكراراً، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها..
المثال الحادي والسبعون:
﴿يَسۡـَٔلُكَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيۡهِمۡ كِتَٰبٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَقَدۡ سَأَلُواْ مُوسَىٰٓ أَكۡبَرَ مِن ذَٰلِكَ فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡ ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِن بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَ وَءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ سُلۡطَٰنٗا مُّبِينٗا ١٥٣ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ١٥٤ فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُ بَلۡ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَيۡهَا بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥٥ وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦ وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مَا لَهُم بِهِ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩ فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢﴾. [النساء].
تحليل السياق:
أولاً: أهل الكتاب يسألون النبي أن ينزل عليهم كتاباً من السماء -كتاباً في قرطاس أو في ألواح يمسكونها بين أيديهم-، بمعنى أنهم لم يكفهم الكتاب -القرآن- الذي يُتلى عليهم!.
ثانياً: تتم مقارنة السؤال الذي سألوه لمحمد بالسؤال الذي سألوه لموسى -أرنا الله جهرة-!، وهو سؤال أكبر من الذي سألوه لمحمد!، ليبين له أن سؤالهم للكتاب المنزل من السماء هو سؤال تعنت وكفر، ولو نزل الكتاب من السماء كما أرادوه، لَسَألوا أشياء أكبر من ذلك، ولن يؤمنوا. إذ قد: (رَفَعۡنَا فَوۡقَهُمُ ٱلطُّورَ بِمِيثَٰقِهِمۡ وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا)، فنقضوا الميثاق على الرغم من كل ما آتيناهم، أفيؤمنون لك يا محمد لو أجبناهم لذلك الذي طلبوه منك؟!!.
وبالطبع.. فإنهم ليسوا هم بعينهم من سأل موسى أكبر من ذلك، وإنما آباؤهم.
ثالثاً: أفعالهم الكفرية زمن موسى كما ورد في السياق هي:
١- قالوا أرنا الله جهرة، واشترطوا ذلك للإيمان به: (فَقَالُوٓاْ أَرِنَا ٱللَّهَ جَهۡرَةٗ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّٰعِقَةُ بِظُلۡمِهِمۡ)، وكما ورد في سورة أخرى: ﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ یَـٰمُوسَىٰ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى ٱللَّهَ جَهۡرَةࣰ فَأَخَذَتۡكُمُ ٱلصَّـٰعِقَةُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ﴾ [البقرة ٥٥]
٢- اتخذوا العجل إلهاً: (ثُمَّ ٱتَّخَذُواْ ٱلۡعِجۡلَ مِن بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَعَفَوۡنَا عَن ذَٰلِكَ)، وكما ورد في سورة أخرى: ﴿قَالَ أَغَیۡرَ ٱللَّهِ أَبۡغِیكُمۡ إِلَـٰهࣰا وَهُوَ فَضَّلَكُمۡ عَلَى ٱلۡعَـٰلَمِینَ﴾ [الأعراف ١٤٠]
٣- لم يدخلوا القرية ولم يدخلوا الباب سجداً ممتثلين لأمر الله، ومصدقين لوعده لهم بانتصار الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: (وَقُلۡنَا لَهُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا)، وكما جاء في سورة أخرى: ﴿قَالَ رَجُلَانِ [موسى وهارون] مِنَ ٱلَّذِینَ یَخَافُونَ أَنۡعَمَ ٱللَّهُ عَلَیۡهِمَا ٱدۡخُلُوا۟ عَلَیۡهِمُ ٱلۡبَابَ فَإِذَا دَخَلۡتُمُوهُ فَإِنَّكُمۡ غَـٰلِبُونَ وَعَلَى ٱللَّهِ فَتَوَكَّلُوۤا۟ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِینَ﴾ [المائدة ٢٣]
٤- اعتدواْ في السبت: (وَقُلۡنَا لَهُمۡ لَا تَعۡدُواْ فِي ٱلسَّبۡتِ)، وكما جاء في سورة أخرى: ﴿وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ﴾ [البقرة ٦٥]
٥- نقضوا الميثاق الذي أُخذ عليهم من الله في كتابه الذي أنزله على موسى: (فَبِمَا نَقۡضِهِم مِّيثَٰقَهُمۡ)، وكما جاء في سورة أخرى: ﴿وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣ ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّن بَعۡدِ ذَٰلِكَ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤﴾. [البقرة]
٦- كفروا بآيات الله في كتاب موسى: (وَكُفۡرِهِم بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ)، وكما جاء في سورة أخرى: ﴿ضُرِبَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَیۡنَ مَا ثُقِفُوۤا۟ إِلَّا بِحَبۡلࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلࣲ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَاۤءُو بِغَضَبࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُ ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ یَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِیَاۤءَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ ذَ ٰلِكَ بِمَا عَصَوا۟ وَّكَانُوا۟ یَعۡتَدُونَ﴾[آل عمران ١١٢]
٧- قتلوا الأنبياء بغير حق: (وَقَتۡلِهِمُ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖ)، وقتل الأنبياء بحق هو النفس بالنفس، وهو ما كُتب عليهم في التوراة: (وَكَتَبۡنَا عَلَیۡهِمۡ فِیهَاۤ أَنَّ ٱلنَّفۡسَ بِٱلنَّفۡسِ..) [المائدة ٤٥]، وقد قتلوهم بغير حق، وهم موسى وهارون، وغيرهم من بعدهم، وقبل عيسى ابن مريم الذي لم يُفلحوا في قتله إذ نجاه الله منهم، ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ یَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ بِغَیۡرِ حَقࣲّ وَیَقۡتُلُونَ ٱلَّذِینَ یَأۡمُرُونَ بِٱلۡقِسۡطِ مِنَ ٱلنَّاسِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمٍ﴾ [آل عمران ٢١]
علماً أنهم كادوا يقتلون هارون قبل ذلك أثناء حادثة العجل: (قَالَ ٱبۡنَ أُمَّ إِنَّ ٱلۡقَوۡمَ ٱسۡتَضۡعَفُونِی وَكَادُوا۟ یَقۡتُلُونَنِی فَلَا تُشۡمِتۡ بِیَ ٱلۡأَعۡدَاۤءَ وَلَا تَجۡعَلۡنِی مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّـٰلِمِینَ﴾ [الأعراف ١٥٠]
٨- قالوا قلوبنا غلف: (وَقَوۡلِهِمۡ قُلُوبُنَا غُلۡفُ)، وكما جاء في سورة أخرى: (أَفَكُلَّمَا جَاۤءَكُمۡ رَسُولُ بِمَا لَا تَهۡوَىٰۤ أَنفُسُكُمُ ٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ فَفَرِیقࣰا كَذَّبۡتُمۡ وَفَرِیقࣰا تَقۡتُلُونَ ٨٧ وَقَالُوا۟ قُلُوبُنَا غُلۡفُ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِیلࣰا مَّا یُؤۡمِنُونَ ٨٨﴾ [البقرة].
ويقصدون بذلك أن قلبوهم مغلفة بأغلفة تحول بينهم وبين استجابتهم لآيات الله، ويريدون بذلك أن يبرروا كفرهم، ويتنصلوا من عاقبة أفعالهم!. لكن قلوبهم في حقيقة الأمر ليست غلفاً، وإنما يطبع الله عليها بكفرهم، فيزيدهم بذلك ضلالاً، فلا يؤمنون إلا قليلاً منهم ممن استجابوا لآياته، ولم يقولوا قلوبنا غلف.
الآن..
أريدك أن تتجاوز عن الآيات المظللة، [إذ إنها تذكر أفعالهم وكفرهم زمن عيسى]!، الأمر الذي لا علاقة له بالنتيجة التي سوف تُذكر تالياً!، وإنما هي زيادة في بيان كفرهم في الأزمنة اللاحقة لموسى، ليتحصل للذين آمنوا بمحمد فكرة متكاملة عن صفات أولئك القوم من بني إسرائيل المجاورين لهم!.
الآيات المظللة هي زيادة في بيان كفرهم، وهي بمثابة معلومات إضافية عنهم، تم ذكرها بشكل "اعتراضي" داخل السياق الذي يتحدث عما كانوا يفعلون زمن موسى، وعاقبة تلك الأعمال، قبل أن يأتي عيسى ابن مريم ليستمروا بإجرامهم!.
٩- الظلم: (فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ..)، والذين هادوا هم الذي أقرّوا بجرمهم بعدما اشترطوا رؤية الله جهرة، فأخذتهم الصاعقة فماتوا، ثم بعثهم من بعد موتهم لعلهم يشكرون!، إذ إن موسى تضرع إلى الله عند ذلك: ﴿وَٱخۡتَارَ مُوسَىٰ قَوۡمَهُ سَبۡعِینَ رَجُلࣰا لِّمِیقَـٰتِنَا فَلَمَّاۤ أَخَذَتۡهُمُ ٱلرَّجۡفَةُ قَالَ رَبِّ لَوۡ شِئۡتَ أَهۡلَكۡتَهُم مِّن قَبۡلُ وَإِیَّـٰیَ أَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَاۤءُ مِنَّاۤ إِنۡ هِیَ إِلَّا فِتۡنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاۤءُ وَتَهۡدِی مَن تَشَاۤءُ أَنتَ وَلِیُّنَا فَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَاۖ وَأَنتَ خَیۡرُ ٱلۡغَـٰفِرِینَ﴾ [الأعراف ١٥٥]
وبالتالي أصبحت تلك المجموعة تسمى (الذين هادوا)، إذ إنهم هادوا إلى الله بعد أن أحياهم بعد موتهم! ﴿وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَاۤ إِلَیۡكَ..﴾ [الأعراف ١٥٦]
(فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لهم..)، وهنا سوف أتجاوز عن النتيجة التي هي (حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لهم)، لأنها ليست فقط نتيجة الظلم وحده، وإنما نتيجة أعمال أخرى ذُكرت بعدها: (وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا..)، بالتالي فهي نتيجة متقدمة عن باقي الأسباب التي أدّت إليها، وهي إذاً تعتبر "جملة معترضة" مستقلة عن هذا المثال!، ولها بيان مستقل في الأمثلة الآتية بعده.
١٠- الصد عن سبيل الله (وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا)، وسبيل الله: هو السبيل المؤدي إلى المسجد الحرام ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِی جَعَلۡنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاۤءً ٱلۡعَـٰكِفُ فِیهِ وَٱلۡبَادِ وَمَن یُرِدۡ فِیهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمࣲ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِیمࣲ﴾ [الحج ٢٥]، وهو نفس الصد المذكور آنفاً.
وفي الصد عن سبيل الله المؤدي إلى المسجد الحرام -الحج-، ينفقون أموالهم: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰلَهُمۡ لِیَصُدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ فَسَیُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَیۡهِمۡ حَسۡرَةࣰ ثُمَّ یُغۡلَبُونَ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ یُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال ٣٦]
على عكس الذين آمنوا -مع محمد في ذلك الزمان- الذين ينفقون أموالهم في الدفاع عن أهله، وتطهيره للطائفين والعاكفين، إذ إنه جُعل (مَثَابَةࣰ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنࣰا)، وهو قوام لمعيشتهم في ذلك الزمان ﴿جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَیۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِیَـٰمࣰا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡیَ وَٱلۡقَلَـٰۤىِٕدَ)، والناس هم أولئك من قوم محمد أهل المدينة ومن حولهم من القرى، وليس الناس في زماننا، أو في أماكن أخرى، إذ ليس قياماً إلا لأهل تلك المنطقة الجغرافية المحصورة -أرض النبيين-، والمحصورة أيضاً زمانياً ما بين إبراهيم ومحمد، وما بعد محمد بقليل! إذ انتقض كل شيء، وتم تزوير تاريخ خاتم النبيين، ونُسب إليه دين بشري وضعي، تم تسميته كذباً بالإسلام!!.
فالذين آمنوا ينفقون أموالهم في سبيل الله، في سبيل تأمين المسجد الحرام الذي لا تقوم حياة أولئك الناس، في تلك الحقبة من الزمان إلا به، وحمايتهم من الربا والاحتكار الذي استمر بنو إسرائيل بأخذه إلى عهد محمد.
﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ وَءَاخَرِینَ مِن دُونِهِمۡ لَا تَعۡلَمُونَهُمُ ٱللَّهُ یَعۡلَمُهُمۡ وَمَا تُنفِقُوا۟ مِن شَیۡءࣲ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ یُوَفَّ إِلَیۡكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تُظۡلَمُونَ﴾ [الأنفال ٦٠].
فالإنفاق في سبيل الله هو الإنفاق في سبيل استعادة المسجد الحرام من أيدي المشركين من الذين هادوا، أو من الأميين، الذين يفسدون في تلك الأرض، وفي تلك الحقبة من الزمان.
١١- أخذهم الربا: (وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ)، وهو المعاملات المتعلقة بالفساد والاحتكار والرشوة والاستغلال، المؤدية إلى: (أَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ)، مما يحُول دون تحقيق المقصد التي جعله الله للمسجد الحرام: (قِیَامࣰا لِّلنَّاسِ)، وصلاح أمور معيشتهم وأمْنِهم، على الصعيد النفسي والاقتصادي. بالتالي يصبح المسجد الحرام وسيلة لاستغلال الناس، وسلبهم أموالهم، وابتزازهم والتحكم في مصائرهم واستعبادهم.
١٢- أكلهم أموال الناس بالباطل: (وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ).
وهذا ما كانوا يصنعونه ابتداءً:
من إخراجهم أنفسهم [القوي يخرج الضعيف]، من الأرض المقدسة، زمن جالوت، فأمر الله الذين نجوا مع موسى من فرعون، أن يرجعوا إلى بلدهم الأصلي (الأرض المقدسة) التي أُخرجوا منها: (وَمَا لَنَاۤ أَلَّا نُقَـٰتِلَ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِیَـٰرِنَا وَأَبۡنَاۤىِٕنَا)، مما جعلهم لقمة سائغة لفرعون، يستعبدهم ويقتل أبناءهم.
وانتهاءً:
بإخراج المؤمنين زمن محمد، سواء أكانوا منهم -أهل كتاب- أو من غيرهم -أميين-. وأكل أموال الناس بالباطل.
رابعاً: نتيجة تلك الأفعال الكفرية زمن موسى وما بعده أن: (حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ).
بالتالي فقدوا الامتيازات العظيمة من متاع الطعام الفاخر: (ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰ) من اللحوم، وتظليل الغمام فوق رؤوسهم ﴿وَظَلَّلۡنَا عَلَیۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ)، ليقاسوا الفقر والحر والأكل من طعام الأرض الأدنى، من البصل والفوم والعدس والقثاء.
﴿وَعَلَى ٱلَّذِینَ هَادُوا۟ حَرَّمۡنَا كُلَّ ذِی ظُفُرࣲ وَمِنَ ٱلۡبَقَرِ وَٱلۡغَنَمِ حَرَّمۡنَا عَلَیۡهِمۡ شُحُومَهُمَاۤ إِلَّا مَا حَمَلَتۡ ظُهُورُهُمَاۤ أَوِ ٱلۡحَوَایَاۤ أَوۡ مَا ٱخۡتَلَطَ بِعَظۡمࣲ ذَ ٰلِكَ جَزَیۡنَـٰهُم بِبَغۡیِهِمۡ وَإِنَّا لَصَـٰدِقُونَ﴾ [الأنعام ١٤٦].
وهو المن والسلوى الذي حُرِموا منه بظلمهم وكفرهم.
وهو في الأساس ما طلبوه لأنفسهم بتشدقهم وقلة عقولهم:
﴿وَإِذۡ قُلۡتُمۡ یَـٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامࣲ وَ ٰحِدࣲ [المن والسلوى] فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ یُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّاۤىِٕهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِی هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِی هُوَ خَیۡرٌ..). [البقرة ٦١]
ولاحظ أن هذه النتيجة توسطت الأسباب والأفعال الكفرية التي قاموا بها، فأفعالهم مذكورة قبل وبعد ذكر النتيجة!، مما يجعلها -النتيجة- "جملة معترضة"، أضعها في بند مستقل بعد هذا البند، حتى لا يحصل اللبس بينها وبين الآيات المظللة في هذا البند.
بالطبع هناك نتائج أخرى مترتبة على أعمالهم، غير تحريم الطيبات المذكور في هذا السياق من الآيات، وهذه النتائج تذكرها آيات أخرى:
كمثل:
(.. وَضُرِبَتۡ عَلَیۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَاۤءُو بِغَضَبࣲ مِّنَ ٱللَّهِ..)[البقرة ٦١]
ومثل:
﴿فَلَمَّا عَتَوۡا۟ عَن مَّا نُهُوا۟ عَنۡهُ قُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ﴾ [الأعراف ١٦٦].
وهي خاصة باِلذين اعتدوا في السبت منهم.
ومثل:
﴿فَبَدَّلَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوا۟ مِنۡهُمۡ قَوۡلًا غَیۡرَ ٱلَّذِی قِیلَ لَهُمۡ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَیۡهِمۡ رِجۡزࣰا مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ بِمَا كَانُوا۟ یَظۡلِمُونَ﴾ [الأعراف ١٦٢].
وهذه في الذين رفضوا منهم دخول الأرض المقدسة (ٱدۡخُلُوا۟ هَـٰذِهِ ٱلۡقَرۡیَةَ) سجداً، بمعنى مُمتثلين للطريقة والخطّة، وآلية الدخول التي وُضعت لهم ليتمكنوا من دخولها والتغلب على عدوهم الأكثر عدداً فيها.
ومع الرجز الذي أُرسل عليهم من السماء، تم تحريم القرية عليهم، على الرغم من أنها قريتهم من الأساس، قد أُخرجوا منها، كما ذكرت لك سابقاً، الأمر الذي نتج عنه أنهم يتيهون في الأرض:
﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَیۡهِمۡۛ أَرۡبَعِینَ سَنَةࣰ یَتِیهُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِ فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡفَـٰسِقِینَ﴾ [المائدة ٢٦].
فلا هم يستطيعون دخولها، ولا هم يرجعون إلى مصر التي خرجوا منها مع موسى، فلا أحد يرضى باستقبالهم.
أي أنهم ظلوا مشتتين كالأعراب أربعين سنة لا يقر لهم قرار، ولا يستوطنون موطناً آمناً يصلح لإنشاء مجتمع مثالي.
خامساً: يستثني الراسخين في العلم منهم، والمُؤمنين، [الذين يؤمنون بك أيها النبي الأمي، لأنهم يعلمون وعد الله بإرسالك في التوراة والإنجيل]:
(ٱلَّذِینَ یَتَّبِعُونَ ٱلرَّسُولَ ٱلنَّبِیَّ ٱلۡأُمِّیَّ ٱلَّذِی یَجِدُونَهُ مَكۡتُوبًا عِندَهُمۡ فِی ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَٱلۡإِنجِیلِ..).
ويستجيبون لأمره باتباعك، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، التي لا تقوم حياة الناس إلا بها، الأمر الذي يثبت إيمانهم بالله واليوم الآخر.
المهم.. أن دَيدنهم إخراج بعضهم البعض، وإخراج أهل المسجد الحرام منه، واحتكار السلطة والهيمنة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وهذا الذي أُمِر -الذين آمنوا مع محمد- بالقتال لأجله، في تلك الأرض، أرض النبيين، وفي تلك الحقبة من الزمان.
سادساً: نأتي الآن لبيان الآيات المظللة "المعترضة"، في قلب السياق المتصل، الذي يضع الأسباب والنتيجة.
العبارة المظللة هي أسباب أخرى زائدة، حصلت في وقت لاحق، زمن عيسى ابن مريم الذي أُرسل إليهم، ليُحل لهم تلك الطيبات [المن والسلوى] التي حرمت عليهم: (وَلِأُحِلَّ لَكُم بَعۡضَ ٱلَّذِی حُرِّمَ عَلَیۡكُمۡ)، وليردهم إلى جادة الحق بالإنجيل المصدق للتوراة التي بأيديهم: (مُّصَدِّقࣰا لِّمَا بَیۡنَ یَدَیَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ)، ومبشراً لهم برسول يأتي من بعده اسمه -صفته- أحمد: (وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولࣲ یَأۡتِی مِنۢ بَعۡدِی ٱسۡمُهُ أَحۡمَدُ).
لكن الذي حصل عند ذلك -في حقبة عيسى- هو ما تثبته لك الآيات المظللة، وهو كالآتي:
١- (وَبِكُفۡرِهِمۡ) بعيسى.
٢- (وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا)، بأن رَموْها بالفاحشة! وكذبوا الآية التي جعلها الله لها بوضعها له من غير أب، والبرهنة على تلك الآية بآية أخرى هي تكليمه الناس وهو في المهد، وآيات وخوارق غيرها من إحياء الموتى وغيرها الكثير.
٣- محاولتهم قتل رسولهم عيسى ابن مريم: (وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ).
ملاحظة: تم إيراد "جملة معترضة" تعطي فائدةً خارجةً عن السياق القصصي للأحداث زمن عيسى ابن مريم، وهذه الفائدة هي بيان أنهم في الحقيقة ما قتلوه وما صلبوه..
(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مَا لَهُم بِهِ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩).
وسأثبتُها أيضاً في بند مستقل بعد هذا البند.
حاولوا قتله، وظنوا أنهم تمكنوا من ذلك (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ.. وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا.. بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ).
ثم تستمر "الجملة المعترضة" ببيان آخَر يثبت أن منهم من آمن به، [أي أنها تضع لنا استثناءً].
(وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ) من بني إسرائيل زمن عيسى (إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ) فليس جميعهم حاول قتله، وليس جميعهم كفر به، فمنهم من آمن به قبل موته، إذ توفاه الله وفاة عادية كانت بمثابة رِفعة وتطهير.
وهو تماماً كاستثناء الراسخين في العلم منهم زمن محمد، الذين ورد ذكرهم في نهاية السياق (لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ).
العبارة جاءت بصيغة المضارعة: (وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ) لبيان استمرار الإيمان به من اللحظة التي وضعته فيها أمه وتكليمه لهم في المهد، إلى اللحظة التي توفاه الله ورفعه فيها، وظنهم أنهم قتلوه وصلبوه.
(وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ)، أي من أهل الكتاب زمن عيسى من يؤمن به وينصره إلى آخر لحظة، ﴿فَلَمَّاۤ أَحَسَّ عِیسَىٰ مِنۡهُمُ [من بني إسرائيل] ٱلۡكُفۡرَ قَالَ مَنۡ أَنصَارِیۤ إِلَى ٱللَّهِ قَالَ ٱلۡحَوَارِیُّونَ نَحۡنُ أَنصَارُ ٱللَّهِ [وهؤلاء هم المؤمنون الصادقون، الذين استمر إيمانهم به إلى ما قبل موته] ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ ٥٢ رَبَّنَاۤ ءَامَنَّا بِمَاۤ أَنزَلۡتَ وَٱتَّبَعۡنَا ٱلرَّسُولَ فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّـٰهِدِینَ ٥٣ وَمَكَرُوا۟ [عموم بني إسرائيل الذين أحس منهم الكفر] وَمَكَرَ ٱللَّهُ وَٱللَّهُ خَیۡرُ ٱلۡمَـٰكِرِینَ ٥٤﴾ [آل عمران].
نستنتج من ذلك أنه لما أحس منهم الكفر، طلب منهم أن يتميز المؤمنون الذين ينصرونه عن بقية القوم (من أنصاري إلى الله)، فاستجاب الحواريون المؤمنون وقالوا (نحن أنصار الله)، ثم حصل المكر الذي كان قد توقعه من قومه من بني إسرائيل، فأظهروا المكر والخيانة والعداء، وتميز الصادقون الذين نصروه على أولئك الكافرين الماكرين، ثم نجاه الله منهم، فلم يصلوا إليه.
مات عيسى: ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ) وقد حصل، ورفَعه إليه: (وَرَافِعُكَ إِلَیَّ)، وطهره بالموت من الكافرين: (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟) من محاولتهم قتله وصلبه، وأماته بشكل عادي، وجعل موته نجاةً ورفعة له: (بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ)، كما رفع إدريس: ﴿وَرَفَعۡنَـٰهُ مَكَانًا عَلِیًّا﴾، وكما يرفع إليه الذين يقتلون في سبيله: ﴿وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَ ٰتَۢا بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ﴾.
بمعنى أنه جعل له الرفعة التي يجعلها للذين يقتلون في سبيله، على الرغم من أنه كفاه مؤونة القتل والتعذيب والصلب، وعلى الرغم من أنه توفاه كما يتوفى أي بشر غيره.
(وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا)، أي سوف يشهد على الجميع من أهل الكتاب يوم القيامة.
يشهد للذين آمنوا منهم بالإيمان: (ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَٱشۡهَدۡ [لنا عند الله] بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ).
ويتبرأ من الذين كفروا به، والذين اتخذوه إلهاً: ﴿وَإِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَى ٱبۡنَ مَرۡیَمَ ءَأَنتَ قُلۡتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِی وَأُمِّیَ إِلَـٰهَیۡنِ مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالَ سُبۡحَـٰنَكَ مَا یَكُونُ لِیۤ أَنۡ أَقُولَ مَا لَیۡسَ لِی بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلۡتُهُ فَقَدۡ عَلِمۡتَهُ تَعۡلَمُ مَا فِی نَفۡسِی وَلَاۤ أَعۡلَمُ مَا فِی نَفۡسِكَۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّـٰمُ ٱلۡغُیُوبِ ١١٦ مَا قُلۡتُ لَهُمۡ إِلَّا مَاۤ أَمَرۡتَنِی بِهِ أَنِ ٱعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ رَبِّی وَرَبَّكُمۡ وَكُنتُ عَلَیۡهِمۡ شَهِیدࣰا مَّا دُمۡتُ فِیهِمۡ فَلَمَّا تَوَفَّیۡتَنِی كُنتَ أَنتَ ٱلرَّقِیبَ عَلَیۡهِمۡ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ شَهِیدٌ ١١٧﴾ [المائدة].
الخلاصة:
بعد هذا التوسع في شرح الآيات، وما جرى من أمر عيسى ابن مريم، أعود فأضع لك الخلاصة من موضوع هذه الدراسة، التي تتكلم عن "الجمل الاعتراضية" المظللة، والواردة في سياق الآيات التي هي موضوع هذا البند. والخلاصة كالآتي:
الآيات المظللة هي عبارة عن بيان إضافي زائد عن السياق الذي يتحدث عن إفسادهم وكفرهم بعد نجاتهم من فرعون، وما ترتب على ذلك من نتائج وعقوبات، تم ذكرها بعد الآيات المظللة "المعترضة" داخل السياق.
الآيات المظللة هي بيان إضافي يصف إفسادهم زمن عيسى، والذي -بالضرورة- سوف يترتب عليه نتائج وعقوبات أخرى غير المذكورة في سياق الآيات، إذ إن تلك العقوبات في سياق الآيات هي نتائج أفعالهم زمن موسى.
من نتائج إفسادهم زمن عيسى، وكفرهم به، ومحاولتهم قتله، أن جعلهم أدنى منزلة من المؤمنين الذين اتبعوه إلى يوم القيامة ﴿إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ یَـٰعِیسَىٰۤ إِنِّی مُتَوَفِّیكَ وَرَافِعُكَ إِلَیَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَجَاعِلُ ٱلَّذِینَ ٱتَّبَعُوكَ فَوۡقَ ٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ ثُمَّ إِلَیَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأَحۡكُمُ بَیۡنَكُمۡ فِیمَا كُنتُمۡ فِیهِ تَخۡتَلِفُونَ﴾ [آل عمران ٥٥].
وهو ما حصل زمن محمد، إذ أفسدوا في الأرض مرتين: ﴿وَقَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَیۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا﴾ [الإسراء ٤]. فحل عليهم العذاب على أيدي الذين آمنوا به [إذ إن من آمن منهم بمحمد هم المؤمنون أصلاً بعيسى، ومن كفر منهم بمحمد، هم الكافرون أصلاً بعيسى]، فجاسوا خلال ديارهم لأول الحشر، ثم في الآخرة دخلوا المسجد الحرام دخولاً ثانياً نتج عنه إخراج الذين كفروا منه، وهذا القضاء كانوا قد أُخبروه في كتاب موسى.
﴿وَقَضَیۡنَاۤ إِلَىٰ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ فِی ٱلۡكِتَـٰبِ لَتُفۡسِدُنَّ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَّتَیۡنِ وَلَتَعۡلُنَّ عُلُوࣰّا كَبِیرࣰا﴾ [الإسراء ٤].
وقد تحققت المرتان في زمن محمد وقُضي الأمر، وبيان ذلك يحتاج دراسة مستقلة.
أيضاً من نتائج أعمالهم، جَعْلِهم أذلةً تحت المؤمنين أتباع عيسى الذين هم في الحقيقة أتباع محمد وأتباع جميع الرسل، فمتى وُجدوا فهم فوق الذين كفروا من بني إسرائيل!، بشرط وجودهم!، حتى بعد محمد!.
وهم الذين يُبعثون عليهم ليسوموهم سوء العذاب، كما جاء في بيان عاقبة الذين اعتدوا في السبت قبل عيسى:
﴿وَإِذۡ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَیَبۡعَثَنَّ عَلَیۡهِمۡ إِلَىٰ یَوۡمِ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مَن یَسُومُهُمۡ سُوۤءَ ٱلۡعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِیعُ ٱلۡعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ﴾ [الأعراف ١٦٧].
ولاحظ أن الآية تخبر عن امتداد بني إسرائيل، ومحافظتهم على قوميتهم إلى يوم القيامة!. ولا يُشترط صحة نسبة هذه القومية إلى طائفة من الناس في هذا الزمان. ولا فائدة من معرفتها، بقدر الفائدة المتحصلة لأتباع الرسل الحنفاء، الذين لهم وعد من الله بالعلو والتمكين والصولة، على تلك الطائفة.
وبما أن أتباع الرسل هم من يتبعون آيات الله المنزلة على أولئك الرسل، فإنه لا أحد يتبع القرآن الذي هو الكتاب الوحيد المتبقي إلى اليوم!
إذ إن من يتسمون بالإسلام منذ أن تم تحريف تاريخ محمد وإلى اليوم، هم في الحقيقة ليسوا بالمؤمنين أتباع الرسل، وإنما هم أتباع دين وضعي بشري لا يمت لآيات الله في القرآن، ولا لذلك النبي الأميّ بأي صلة!، وإنما مجرد المحافظة على الأسماء والألفاظ، مع تحريف جميع المعاني المترتبة عليها، الأمر الذي أدى إلى تحريف الإسلام الذي هو دين الله لجميع رسله، واتباع دين بشري وضعي، تم استخلاصه من شعوذات وطقوس الشعوب الشرقية.
المثال الثاني والسبعون:
(وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦ وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ مَا لَهُم بِهِ مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا ١٥٩ فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢﴾. [النساء].
الآيات المظللة هي "جملة معترضة"، جاءت للرد على قولهم: (إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ)، ولاحظ أنهم حاولوا قتله -كما بينتُ ذلك في المثال السابق- على الرغم من أنهم يعترفون بأنه رسول الله إليهم، وهو ما تثبته الآيات (ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُوا۟ یَكۡفُرُونَ بِـَٔایَـٰتِ ٱللَّهِ وَیَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِیِّـۧنَ بِغَیۡرِ ٱلۡحَقِّ).
يبدأ السياق بقص خبرهم زمن عيسى ابن مريم: (وَبِكُفۡرِهِمۡ وَقَوۡلِهِمۡ عَلَىٰ مَرۡيَمَ بُهۡتَٰنًا عَظِيمٗا ١٥٦ وَقَوۡلِهِمۡ إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ).
وهنا انتهى بيان أفعالهم زمن عيسى. ليستمر السياق بتقديم عرض بياني موجه إلى الذين آمنوا مع محمد، يبين لهم حقيقة قولهم: (إِنَّا قَتَلۡنَا ٱلۡمَسِيحَ عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ رَسُولَ ٱللَّهِ)، وهي أنهم: (مَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمۡ).
وتبين لهم أيضاً أن: (ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ [في عيسى ابن مريم من بني إسرائيل في زمانه] لَفِي شَكّٖ مِّنۡهُ [لا يؤمنون به] مَا لَهُم بِهِ [بادعاء قتله] مِنۡ عِلۡمٍ إِلَّا ٱتِّبَاعَ ٱلظَّنِّ [وهي الأخبار التي وصلتهم عنه من الذي مكروا به وحاولوا قتله] وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَا ١٥٧ بَل [إن حقيقة ما حصل أن:] رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ وَكَانَ ٱللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمٗا [بأن توفاه فيما بعد وفاة عادية، جعلها رفعة له كأنه ومن قتل في سبيل الله سواء] ١٥٨ وَإِن مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ [من قومه] إِلَّا لَيُؤۡمِنَنَّ بِهِ قَبۡلَ مَوۡتِهِ [من يوم وضعته أمه وأنبأهم أنه رسول الله، إلى ما قبل موته، يوم أن أحس من بني إسرائيل الكفر، فسأل من أنصاري إلى الله، فأجابه الحواريون المؤمنون نحن أنصار الله]، وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكُونُ عَلَيۡهِمۡ شَهِيدٗا [كما يشهد بقية الرسل يوم القيامة، على أقوامهم، (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا)] ١٥٩).
وقد قمت بشرح بقية الآيات في المثال السابق.
لكن المطلوب هنا هو الالتفات "للآيات المعترضة" التي تُحوِّل البيان القرآني من الأسلوب القصصي، إلى أسلوب البيان المباشر الموجه للذين آمنوا مع محمد.
وهناك جملة "اعتراضية" أخرى في هذا السياق، أبينها لك أيضاً في البند الآتي:
المثال الثالث والسبعون:
(فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢﴾. [النساء].
العبارة المظللة هي "جملة معترضة" تبين نتيجة أفعال الذين هادوا -قبل عيسى ابن مريم- والمذكورة في السياق، بداية من الظلم: (فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ)، مروراً بِ: (صَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيراً)، و(أَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ) وانتهاءً بِ: (أَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ).
لكن تلك العبارة المظللة سبقت بقية الأمور المسببة لها، وتقدمت عن مكانها، وأخذت موقعاً سابقاً "معترضاً" لبقية الأسباب، من صد عن سبيل الله، وأخذ للربا، وأكل لأموال الناس بالباطل.
قم بتأخير العبارة المظللة إلى ما بعد الانتهاء من ذكر تلك الأسباب، ليصبح السياق كالآتي:
(فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢﴾. [النساء].
وأضع لك السياق القديم كما هو، لتقارن بين الاثنين في نفس هذه الصفحة:
السياق الأصلي:
(فَبِظُلۡمٖ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا عَلَيۡهِمۡ طَيِّبَٰتٍ أُحِلَّتۡ لَهُمۡ وَبِصَدِّهِمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ كَثِيرٗا ١٦٠ وَأَخۡذِهِمُ ٱلرِّبَوٰاْ وَقَدۡ نُهُواْ عَنۡهُ وَأَكۡلِهِمۡ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَأَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ مِنۡهُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا ١٦١ لَّٰكِنِ ٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ مِنۡهُمۡ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ يُؤۡمِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ وَٱلۡمُقِيمِينَ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ أُوْلَٰٓئِكَ سَنُؤۡتِيهِمۡ أَجۡرًا عَظِيمًا ١٦٢﴾. [النساء].