جمل اعتراضية. 9
جُمَل
"اعتراضية"
المجموعة التاسعة
من أساليب القرآن البيانية:
"التقديم والتأخير" في عبارات بعينها!، أو إيراد "جُمَل معترضة" تتخلل السياقات المترابطة وتقطعها!.
القارئ يجد استشكالاً كبيراً في الفهم، ولن يعلم المقصود والمُراد إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!
وباختصار .. فإن القرآن من أوله إلى آخره، يورد في أثناء البيان، جُملاً متقدمة أو متأخرة عن أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق، ويورد أيضاً عبارات خارجة عن السياقات تتخللها بشكل "معترض"!.
هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعاً "إيقاعياً" جذاباً -إن صح التعبير-!.
وله أيضاً أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه البياني الذي تنتهجه المجموعة المتكلمة في القرآن كله، والذين لا يتكلمون إلا بصيغة الجمع!
قم بقراءة الدراسة التي بعنوان:
المجموعة المتكلمة في القرآن.
وأساليب أخرى مثل ربط الماضي بالحاضر، للدلالة على وحدة الأمة والملّة ودعوة كل النبيين، كربط قصص إبراهيم بالأميين، أو بالذين آمنوا.
أيضاً ربط عذاب أهل القرى بعذاب قرية النبي الخاتم، بوضع سياقات "معترضة" تتحدث عن ذلك، داخل سياقات تتكلم عن غيرهم، أو ربط عذاب الهلاك في الدنيا بعذاب الآخرة.
أو ربط ماضي بني إسرائيل مع موسى، بحاضرهم زمان محمد. وهو الزمان الذي يختص القرآن كله بتوجيه البيان لأهله من "العالمين" دون من جاء بعدهم، أو بعد موت ذلك النبي الأمي؛ إذ إنه كتاب شديد الخصوصية، لا يتوجه بالبيان إلا إليهم، وهو لمن بعدهم "بقيّة" من الله، وليس كتاباً مُصاغاً ليتوجه إليهم!.
كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.
الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.
عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا "الفن"!
قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مراراً وتكراراً، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها.
المثال الخامس والستون:
﴿أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ یَتَسَنَّهۡ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمࣰا فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾ [البقرة ٢٥٩].
العبارة المظللة هي "جملة معترضة" داخل السرد القصصي، وهي بمثابة بيانٍ للغاية من الحادثة التي حصلت، لكن تم التصريح بها قبل اكتمال سرد تفاصيل الآية التي جعلها الله له.
بإمكانك إخراج هذه العبارة المظللة من مكانها "المعترِض"، ووضعها في مكانها المتأخر الذي تم تقديمها عنه، والذي هو كالآتي:
﴿أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ فَٱنظُرۡ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمۡ یَتَسَنَّهۡ وَٱنظُرۡ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمࣰا وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِ فَلَمَّا تَبَیَّنَ لَهُ قَالَ أَعۡلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرࣱ﴾
والمقصود الانتباه إلى مثل هذه الجمل "الاعتراضية"، داخل السياقات التي يتنوع فيها البيان القرآن ما بين أسلوب سرد الأحداث وتبادل الخطاب بين الله وعباده: (قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ).
وما بين أسلوب توجيه الكلام من قبل المجموعة المتكلمة في القرآن كله: (وَلِنَجۡعَلَكَ ءَایَةࣰ لِّلنَّاسِ)، (وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا..). إلى غير ذلك من الأساليب التي يتنوع فيها البيان القرآني.
مع العلم أن قولهم وقول الله له هو وحي -إيحاء وإلهام- وليس تكليماً مباشراً.
وقد تكلمت عن ذلك في الدراسة التي بعنوان: المجموعة المتكلمة في القرآن. وأخرى بعنوان: وكلم الله موسى تكليماً.
وقمت أيضاً بتتبع جميع المواضع التي يتم فيها إيراد البيان بصورة الكلام المباشر الصادر عن الله بصيغة الإفراد، على خلاف مُجمل آيات القرآن والتي يتكلمون فيها بصيغة الجمع، في دراسة بعنوان: تمييز سياقات البيان القرآني.
ملاحظة مهمة:
﴿أَوۡ كَٱلَّذِی مَرَّ عَلَىٰ قَرۡیَةࣲ وَهِیَ خَاوِیَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّىٰ یُحۡیِۦ هَـٰذِهِ ٱللَّهُ بَعۡدَ مَوۡتِهَا فَأَمَاتَهُ ٱللَّهُ مِا۟ئَةَ عَامࣲ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمۡ لَبِثۡتَ قَالَ لَبِثۡتُ یَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ یَوۡمࣲ قَالَ بَل لَّبِثۡتَ مِا۟ئَةَ عَامࣲ..)
هنا تقوم المجموعة المتكلمة بإيراد البيان القرآني بصورة الحوار، والأخذ والرد بين الله وذلك الشخص الذي مر على تلك القرية!.
الحقيقة هي أن ذلك الحوار كان وحياً من الملائكة إلى ذلك الرجل!
فالملائكة -الذين منهم جبريل وميكيل- تتلقى الأوامر ممن هم أعلى منهم سلطة.
ومنتهى السلطة بيد المجموعة المتكلمة في القرآن، والفاعلة في خلق الله.
المجموعة المتكلمة تقوم بإيراد البيان بصورة فعل مباشر من الله، أو منهم، أو من الملائكة: ﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ وَهُوَ قَاۤىِٕمࣱ یُصَلِّی فِی ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ یُبَشِّرُكَ..).
الفاعل المباشر ليس هو الله، وإنما ينسبون الفعل إليه لبيان أن كل شيء يفعلونه ويتصرفون به هو مشيئة الله، وهو خاضع لعلمه وإحاطته.
لاحظ كيف اختلف أسلوب البيان من كلام مباشر من الله إليه، إلى كلام مباشر منهم إليه: (وَٱنظُرۡ إِلَى ٱلۡعِظَامِ كَیۡفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكۡسُوهَا لَحۡمࣰا..)!.
هذا على الرغم من أن الذي حصل في الحقيقة هو وحي من الملائكة إليه: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحۡیًا أَوۡ..).
الأمثلة على ذلك كثيرة جداً، كمثل ميقات الله لموسى، الذي في حقيقته ميقات لهم، لأنهم هم من يباشر الفعل: (وَلَمَّا جَاۤءَ مُوسَىٰ لِمِیقَـٰتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ..). مع عدم نفي كلام الله المباشر منه إليه من وراء حجاب في موطن واحد: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن یُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ … أَوۡ مِن وَرَاۤىِٕ حِجَابٍ..)، وذلك لما طلب منه النظر إليه، ثم تجلى للجبل، فخرّ لذلك صعقاً.
وكيف أنهم يوردون الأحداث بصيغة (قال) العائدة على الله، ليضعوا بعدها ضميراً عائداً عليهم:
﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِیكَ وَنَجۡعَلُ لَكُمَا سُلۡطَـٰنࣰا..).
للدلالة على أنهم هم المتكلمون على الحقيقة وهم الفاعلون عن أمر الله، وهم ينسبون قولهم إلى الله، كما ينسبونه إلى أنفسهم على حد سواء!.
أيضاً على التحقيق، فلم يكلم الله موسى تكليما مباشراً طوال وحيه له، سواء عند ندائه لإرساله لفرعون، أو عند ميقاته لإنزال الكتاب عليه، بل تعددت طرق الوحي، بين التكليم المباشر، وإرسال ملائكة، بل إن كلامه المباشر له هو أقل القليل، حتى وإن تم نسبتها لله في كثير منها.
(قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ).
وهنا ينسبون ردهم على المجرمين لله بلفظة [قال] العائدة على الله، على الرغم من أنهم هم الذين تكلموا: (كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا)، وهو كالمثال السابق، أي للدلالة على أن قولهم وفعلهم هو بتوكيل من الله لهم، فقولهم هو قول الله، وفعلهم هو فعله.
وإن أردت التحقيق أكثر، فهذا القول وصل إلى المجرمين من الملائكة وخزنة جهنم، أي أنهم هم الذين باشروا بالرد عليهم، على الرغم من أن الرد مصاغ على لسان المجموعة المتكلمة، وفوق ذلك تم إيرادة بعد نسبته لله بكلمة [قال].
وما ذلك إلا لأن العباد مؤمنهم وكافرهم لا ينبغي لهم أن يتوجهوا بالدعاء والنداء إلا إلى الله:
(قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا).
فيأتيه الجواب منسوباً لله:
(قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ).
على الرغم من أن الله لم يكلمه مباشرة!.
خلاصة:
هناك تكليم الله لموسى حصراً تكليماً مباشراً من وراء حجاب.
وهناك تكليم المجموعة للرسل من وراء حجاب، وينسبون هذا الكلام لله [قال]، لأنه لا يخرج عن مشيئته وإذنه، على الرغم من أنهم يوكلون الملائكته بمباشرته وتنفيذه.
وهناك تكليم الملائكة لهم من غير حجاب، ليريهم من آياته الكبرى.
وهناك جواب الله على عباده مؤمنهم وكافرهم، بعد ندائهم ودعائهم له، يأتيهم منه على لسان الموكلين بأمره، إذ لا ينبغي للعباد التوجه بالدعاء والنداء لغير الله.
في النهاية..
هم يربطون العباد بالله الذي هو ربهم، ويجعلون كل شيء صادراً عنه، على الرغم من أنهم في نفس الوقت يُبيّنون لنا أنهم هم الفاعلون:
﴿قَالُواْ لَئِن لَّمۡ تَنتَهِ يَٰنُوحُ لَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡمَرۡجُومِينَ ١١٦ قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧ فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨ فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩﴾ (الشعراء).
لاحظ كيف أنهم يعلموننا كيف ندعو الله بقولنا: (رب..)، ثم يبينون لنا أنهم هم الفاعلون: (فأنجيناه..)، بمعنى أن فعلهم هو استجابة الله لدعائنا!.
أيضاً:
هم يبيّنون لنا أن دعاءنا لله هو في حقيقته دعاء لهم!: ﴿وَلَقَدۡ نَادَىٰنَا نُوحࣱ فَلَنِعۡمَ ٱلۡمُجِیبُونَ..﴾، على الرغم من أن نوحاً نادى الله ربه بقوله: (رب..).
﴿فَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلۡنَـٰهُ نِعۡمَةࣰ مِّنَّا قَالَ إِنَّمَاۤ أُوتِیتُهُۥ عَلَىٰ عِلۡمِۭۚ بَلۡ هِیَ فِتۡنَةࣱ وَلَـٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ﴾ [الزمر ٤٩].
كيف دعاهم؟
الجواب:
﴿وَإِذَا مَسَّ ٱلۡإِنسَـٰنَ ضُرࣱّ دَعَا رَبَّهُ مُنِیبًا إِلَیۡهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُۥ نِعۡمَةࣰ مِّنۡهُ نَسِیَ مَا كَانَ یَدۡعُوۤا۟ إِلَیۡهِ مِن قَبۡلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادࣰا لِّیُضِلَّ عَن سَبِیلِهِ قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِیلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَـٰبِ ٱلنَّارِ﴾ [الزمر ٨].
كيف بالضبط دعا ربه؟
الجواب:
﴿هُوَ ٱلَّذِی یُسَیِّرُكُمۡ فِی ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِۖ حَتَّىٰۤ إِذَا كُنتُمۡ فِی ٱلۡفُلۡكِ وَجَرَیۡنَ بِهِم بِرِیحࣲ طَیِّبَةࣲ وَفَرِحُوا۟ بِهَا جَاۤءَتۡهَا رِیحٌ عَاصِفࣱ وَجَاۤءَهُمُ ٱلۡمَوۡجُ مِن كُلِّ مَكَانࣲ وَظَنُّوۤا۟ أَنَّهُمۡ أُحِیطَ بِهِمۡ دَعَوُا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ لَىِٕنۡ أَنجَیۡتَنَا مِنۡ هَـٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّـٰكِرِینَ﴾ [يونس ٢٢].
فهم يتوجهون إلى الله، ويتعلقون به، مؤمنُهم وكافرُهم، فيستجيب لهم، فيقوم المتنفذون والفاعلون بالتنفيذ
فيكون دعاؤهم لله هو بمثابة دعاء طلب من الفاعلين المتنفذين، تماماً كدعائك لأي شخص بمد يد العون والمساعدة، لكنه طلب ونجدة، وليس توجهاً قلبياً له، وليس تعلّقاً به.
ولو أنه دعا المتكلمين المتنفذين أو الملائكة أو أي أحد من البشر، فإنه يتخذه رباً، ويعبده من دون عبادة الله وحده، ويشرك مع الله إلهاً آخر، ولا تأتيه الإجابة أبداً!.
خذ مثالاً آخر:
﴿وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ وَوَهَبۡنَا لَهُۥ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُ زَوۡجَهُ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠﴾ [الأنبياء].
كيف كان النبيون يدعون المتكلمين المتنفذين رغباً ورهباً؟
الجواب:
هذا زكريا كما تراه في هذا السياق يقول: (رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ). فهو يدعو الله ويرجوه ويتوجه إليه ويتعلق به.
فتكون النتيجة:
(فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ وَوَهَبۡنَا لَهُ يَحۡيَىٰ).
وهذا يونس ينادي الله في الظلمات:
(لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾ «الأنبياء 87»
﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّۚ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ «الأنبياء 88»
وهذا أيوب ينادي الله ربه:
(وَأَيُّوبَ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ ٱلضُّرُّ وَأَنتَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِينَ﴾ «الأنبياء 83»
فتكون النتيجة:
﴿فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُۥ فَكَشَفۡنَا مَا بِهِ مِن ضُرّ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَهۡلَهُ وَمِثۡلَهُم مَّعَهُمۡ رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِنَا وَذِكۡرَىٰ لِلۡعَٰبِدِينَ﴾ «الأنبياء 84»
وهذا سليمان يدعو الله:
﴿رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِی وَهَبۡ لِی مُلۡكࣰا لَّا یَنۢبَغِی لِأَحَدࣲ مِّنۢ بَعۡدِیۤ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ﴾ [ص ٣٥].
فتكون النتيجة:
﴿فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّیحَ تَجۡرِی بِأَمۡرِهِ رُخَاۤءً حَیۡثُ أَصَابَ﴾ [ص ٣٦].
وهذا لوط يدعو ربه:
﴿رَبِّ نَجِّنِی وَأَهۡلِی مِمَّا یَعۡمَلُونَ﴾ [الشعراء ١٦٩].
فتكون النتيجة:
﴿فَنَجَّیۡنَـٰهُ وَأَهۡلَهُ أَجۡمَعِینَ ١٧٠ إِلَّا عَجُوزࣰا فِی ٱلۡغَـٰبِرِینَ ١٧١﴾ [الشعراء]
وهذا موسى يدعو ربه:
﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَـٰۤؤُلَاۤءِ قَوۡمࣱ مُّجۡرِمُونَ﴾ [الدخان ٢٢].
فتكون النتيجة:
﴿وَنَجَّیۡنَـٰهُمَا وَقَوۡمَهُمَا مِنَ ٱلۡكَرۡبِ ٱلۡعَظِیمِ﴾ [الصافات ١١٥].
وهذا نوح يدعو ربه:
﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوۡمِي كَذَّبُونِ ١١٧ فَٱفۡتَحۡ بَيۡنِي وَبَيۡنَهُمۡ فَتۡحٗا وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِيَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١١٨) [الشعراء].
فتكون النتيجة:
(فَأَنجَيۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُ فِي ٱلۡفُلۡكِ ٱلۡمَشۡحُونِ ١١٩﴾ [الشعراء].
فهكذا يتوجه العباد لله بالدعاء، وهكذا تتم إجابة ذلك الدعاء، وهم المتكلمون في كتاب الله على رسله، وهم الفاعلون في خلقه.
تأمّل كيف يصفون أنفسهم:
﴿وَمَا مِنَّآ إِلَّا لَهُ مَقَامٞ مَّعۡلُومٞ ١٦٤ وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلصَّآفُّونَ ١٦٥ وَإِنَّا لَنَحۡنُ ٱلۡمُسَبِّحُونَ ١٦٦﴾
كلٌ منا له مقام معلوم عند الله!
﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا ٦٥﴾
وما نتنزل إلا بأمر ربك يا محمد، له ما بين أيدينا..!.
فاعبده هو، واصطبر لعبادته.
تنويه مهم:
﴿جَنَّٰتِ عَدۡنٍ ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُ بِٱلۡغَيۡبِ إِنَّهُ كَانَ وَعۡدُهُ مَأۡتِيّٗا ٦١ لَّا يَسۡمَعُونَ فِيهَا لَغۡوًا إِلَّا سَلَٰمٗا وَلَهُمۡ رِزۡقُهُمۡ فِيهَا بُكۡرَةٗ وَعَشِيّٗا ٦٢ تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّٗا ٦٣ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمۡرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيۡنَ أَيۡدِينَا وَمَا خَلۡفَنَا وَمَا بَيۡنَ ذَٰلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّٗا ٦٤ رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُ سَمِيّٗا ٦٥﴾ [مريم].
لاحظ كيف ينسبون العباد للرحمن: (ٱلَّتِي وَعَدَ ٱلرَّحۡمَٰنُ عِبَادَهُ بِٱلۡغَيۡبِ)، وهذه هي العبودية الخاصة.
ثم ينسبونهم لهم: (نورث من عبادنا من كان تقياً)، وهذه هي العبودية العامة.
ثم يأمرونه أن يعبد الله: (فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِ).
ولا عبادة إلا له.
أيضاً: قولهم عن النبيين:
﴿وَجَعَلۡنَـٰهُمۡ أَىِٕمَّةࣰ یَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا وَأَوۡحَیۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ فِعۡلَ ٱلۡخَیۡرَ ٰتِ وَإِقَامَ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِیتَاۤءَ ٱلزَّكَوٰةِ وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِینَ﴾.
على الرغم من أنهم يوردون لنا قول الرسل لأقوامهم: (أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ عَظِيمٖ﴾.
ويوردون لنا بياناً في صورة كلام مباشر صادر عن الله: (وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ ٥٦ مَآ أُرِيدُ مِنۡهُم مِّن رِّزۡقٖ وَمَآ أُرِيدُ أَن يُطۡعِمُونِ ٥٧).
ليبيّنوا لنا أن "العبودية" لها وجهان: وجه خاص لا يكون إلا لله، ووجه عام يكون لغير الله، وحتى للبشر!
خذ مثلاً:
﴿قُلۡ یَـٰعِبَادِیَ ٱلَّذِینَ أَسۡرَفُوا۟ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُوا۟ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِ..).
﴿قُلۡ یَـٰعِبَادِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡ..).
فالنبي يقول لهم: يا عبادي!، وهي من العبودية العامة التي يمكن أن تتوجه لغير الله، تماماً مثل: (وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِینَ﴾.
﴿قُلۡ یَـٰعِبَادِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡ) = (وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِینَ﴾.
فلا امتياز للمجموعة المتكلمة عن النبي في هذا النوع من العبادة.
كل ذلك وغيرها الكثير من الآيات التي يوردونها في باب العبادة والدعاء. والتي يتبين لنا من خلالها أن العبادة تنقسم إلى قسمين:
أولاً: قسم خاص. العبادة الخاصة:
وهو التوجه المطلق بالخضوع والامتنان، والتعلق والحمد.
وهذا هو عبادة الله وحده لا شريك له.
(لَّا تَعۡبُدُوۤا۟ إِلَّا ٱللَّهَ).
(لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّاۤ أَنَا۠ فَٱعۡبُدُونِ﴾.
(إِنَّ أَرۡضِی وَ ٰسِعَةࣱ فَإِیَّـٰیَ فَٱعۡبُدُونِ﴾.
﴿وَأَنِ ٱعۡبُدُونِی هَـٰذَا صِرَ ٰطࣱ مُّسۡتَقِیمࣱ﴾.
﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِیَعۡبُدُونِ﴾.
﴿وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ).
ولا يوجد مطلقاً في هذا القسم علاقة "ربوبية"!.
وكل لفظة "رب" في القرآن لا تشير إلا إلى الله، باستثناء خمسة مواضع حصراً في سورة يوسف، أشارت إلى ربه العزيز، أو الملك رب الفتى الذي دخل معه السجن، وكلها ربوبية نتجت من الملك، والتفاوت الطبقي بين البشر في هذه الحياة الدنيا، ولا يوجد في القرآن غيرها من هذا الباب.
وكل "رب" فيما عدا هذه المواضع الخمسة لا تشير إلا إلى الله، وغير ذلك فلم يرد مطلقاً.
ولا يصلح قياس "الربوبية" في هذه المواضع الخمسة، على "ربوبية" غير الله من الملائكة الرسل كالروح الأمين جبريل، وروح القدس ميكيل.
ولا على ملائكة الملأ الأعلى الذين اختصموا في آدم، والذين هم الملأ الأعلى بالنسبة لأهل الأرض فقط!، وإلا فهم أهل السماء الدنيا الذين كانت الجن يلقون السمع إليهم ليعلموا بعضاً من القضاء الذي يُوكلون بإنفاذه، ثم أُوصدت السماء في وجوههم بعد بعثة محمد، وحيل بينهم وبين استراق السمع، ثم الكذب والتلبيس على أوليائهم.
ولا يصلح أيضاً قياس هذه "الربوبية" على المجموعة المتكلمة في القرآن، الذين هم السلطة المطلقة تحت الله، والذين هم من خلقوا الملائكة وجبريل وميكيل، وهم من يرسلونهم لأهل الأرض، وهم مَن يُصْلونهم جهنم في حال قال أحد منهم -جدلاً-: إني إله من دون الله!.
وأي زعم "للربوبية" خارج نطاق التعاملات البشرية بين الرب والعبد، السيد والمملوك، وفيما يتعلق بالغيب كالملائكة، فهو يؤدي -بالضرورة- إلى جعلهم آلهة!.
وأي زعْم يَنسِبُ للقرآن بأنه يجعلهم "أرباباً" فهو كذب صريح وأصحابه يتعمدونه!.
إذ كيف ينسبون للقرآن ما لا يقول به مطلقاً؟! بل ما يستمر بالتأكيد على ضده! ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ ٱللَّهُ).
ثانياً: قسم عام. العبادة العامة:
هو الاتباع، وتنفيذ الأوامر، والاستجابة.
ويكون من المملوك تجاه المالك، أو من التابع تجاه المتبوع، أو كليهما معاً.
وهو بدوره أقسام وأنواع:
1- فهناك "عبودية" و"عبادة" من التابع المملوك تجاه المالك المتبوع، أي باجتماع الملك والاتباع معاً.
مثال:
﴿وَأَنكِحُوا۟ ٱلۡأَیَـٰمَىٰ مِنكُمۡ وَٱلصَّـٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤىِٕكُمۡ).
وذلك لأن الصالحين من عبادهم وإمائهم سوف يتبعونهم على الإيمان.
إضافة إلى كونهم عبيداً مملوكين لهم سلفاً.
وينتج -تلقائياً- عن هذا النوع من "العبودية" العامّة بين المالك والمملوك "ربوبية" عامة مبنية على الملك، والاتباع في شؤون المعيشة.
مثال آخر:
﴿إِنَّهُ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾، (إِنَّهُ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِینَ﴾، (وَكَانُوا۟ لَنَا عَـٰبِدِینَ﴾.
وذلك لأنهم اتبعوهم فيما يأمرونهم به من الإيمان بالله، وعبادته وحده لا شريك له، والعمل والصالح.
وهم في نفس الوقت مملوكون لهم سلفاً.
وهنا لا ينتج "ربوبيةٌ" عن هذا النوع من "العبادة".
فعلى الرغم من أن المؤمنين "عباد" بالمعنى العام، للمجموعة المتكلمة في القرآن، إلا أنهم ليسوا "أرباباً" لهؤلاء المؤمنين!، وذلك لأن الله غيْب، وهؤلاء أيضاً غيْب، والملائكة غيب؛ و"الربوبية" فيما يتعلق بالغيب لا تنحى المنحى العام لها، كالتفاوت الطبقي بين العبد والسيد، بل تنحى المنحى الخاص الذي لا ينبغي أن يتوجه لغير الله، ولو توجه لغيره لكان كفراً به.
فلا تتحقق "الربوبية" بالمعنى العام إلا بين البشر بعضهم البعض، أو الملائكة بعضهم البعض.
أما بين بشر ومَلَكَ، أو بين بشر والمجموعة المتكلمة، فهي حينئذ كفر وشرك وتأليه.
"فرُبوبية" الله هي التوجه له، والتعلق به!.
وأي توجّه لغيره، وتعلق بما دونه، من بشر أو ملائكة أو المتكلمون الصافون المسبحون، فهو عبادة لهم على المعنى الخاص الذي لا ينبغي إلا لله، وهو "ربوبية" تؤدي بصاحبها إلى الكفر به:
﴿ٱتَّخَذُوۤا۟ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَـٰنَهُمۡ أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِیحَ ٱبۡنَ مَرۡیَمَ وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوۤا۟ إِلَـٰهࣰا وَ ٰحِدࣰا لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ سُبۡحَـٰنَهُ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾ [التوبة ٣١].
فهؤلاء بتوجههم وتعلقهم بأحبارهم ورهبانهم والمسيح ابن مريم، اتخذوهم -بالضرورة- أرباباً، من دون اتخاذ الله وحده رباً!.
على الرغم من أن هؤلاء الأحبار والرهبان وعيسى لم يأمروهم بذلك، بل أمروهم بالتعلّق بالله وحده، أي باتخاذه هو وحده رباً!.
وبما أنهم اتخذوهم أرباباً؛ فقد جعلوهم -بالضرورة- آلهة: (وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوۤا۟ إِلَـٰهࣰا وَ ٰحِدࣰا).
فإذا كان التعلق بالبشر يؤدي إلى اتخاذهم أرباباً وآلهة، فما بالك بالتعلّق بالمتكلمين أو بالملائكة، الذين هم أقرب إلى الله من البشر سكان الأرض، وهم جنوده ورسله، وهم الذين يتنزلون إلى البشر بأمره؟!.
فكيف يأتي عاقل ويزعم أنهم "أرباب"، وينسب زعمه -كذباً- للقرآن؟!.
فهل تحسبه يبقى عاقلاً بعد هذا الزعم!.
2- وهناك "عبودية" مُلْك، من غير "عبادة" الطاعة والاتباع.
مثال:
﴿وَلَا تَنكِحُوا۟ ٱلۡمُشۡرِكَـٰتِ حَتَّىٰ یُؤۡمِنَّ وَلَأَمَةࣱ مُّؤۡمِنَةٌ … وَلَعَبۡدࣱ مُّؤۡمِنٌ خَیۡرࣱ مِّن مُّشۡرِكࣲ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡ).
وهنا أقصد نقيض الأَمَة المؤمنة والعبدِ المؤمن؛ أقصد الأَمَةَ الكافرة والعبدَ الكافر، فهما عبيد مملوكون لأسيادهم سلفاً، لكنهما ليسا عباداً تابعين لهم في الإيمان، وليسا من الصالحين، ليسا من: (ٱلصَّـٰلِحِینَ مِنۡ عِبَادِكُمۡ وَإِمَاۤىِٕكُمۡ) .
أي أنهما عباد من جهة المُلك فقط، دون الاتباع والطاعة والإيمان.
وينتج -تلقائياً- عن هذا النوع من "العبودية" العامّة بين المالك والمملوك "ربوبية" عامة أيضاً، مبنية على الملك، وعلى الاتباع في شؤون المعيشة، دون اتباع في الإيمان والصلاح، إذ إنهم مملوكون كافرون، لا يتبعون أسيادهم على الإيمان.
وعموماً "فالربوبية" بالمعنى العام، والتي تنشأ بين البشر، هي ربوبية نتجت عن عبودية التملك والطبقية، وعن الاتباع فيما يخص الأمور المعيشية، سواء اتبع المملوكون دين أسيادهم أم لا.
مثال آخر:
﴿تِلۡكَ ٱلۡجَنَّةُ ٱلَّتِی نُورِثُ مِنۡ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِیࣰّا﴾.
وهنا أقصد نقيض المتقين من عبادهم، أي الكافرين الذين لا يورثونهم الجنة.
فكما أن هناك مِن عبادهم مَن هم مِن المتقين، أيضاً فهناك مِن عبادهم مَن هم مِن الفاجرين الكافرين.
وبالتالي فهم عبادهم الكافرون، وهم "عبيدهم" المملوكون لهم سلفاً، لكنهم ليسوا "عابدين" لهم!، أي لا يطيعونهم في ما يأمرونهم به من عبادة الله والإيمان.
وبالتأكيد فلا ينتج عن هذه العبودية "ربوبية".
لأنها لو نتجت لأخذت المنحى الخاص الذي لا ينبغي إلا لله، ولا يمكن أن تنحى المنحى العام، لأنهم غَيْب، كما وضّحتُ لك آنفاً.
فضلاً عن أنهم كافرون لم يطيعوهم فيما أمروهم به!.
3- وهناك "العبادة" التي تتحصل -بشكل تلقائي- لرسل الله المبلِّغين عنه آياته إلى أقوامهم، مؤمنهم وكافرهم.
مثال:
﴿قُلۡ یَـٰعِبَادِ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ رَبَّكُمۡ﴾ [الزمر ١٠].
فالنبي يتوجه للذين آمنوا معه بقوله لهم: "يا عبادي".
وهي عبادة بالمعنى العام، وهي بالتحديد "عبادة" الطاعة والاتباع، دون "عبودية" الملك والولاء، لأنه لا يملكهم، وهم جميعاً متكافئون.
وهنا أيضاً لا يوجد "ربوبيةٌ" منبثقةٌ عن هذا النوع من "العبادة"، فهم عباده، لكنه ليس ربهم.
لأن "الربوبية" بين البشر في غير التملك والولاء، معناها التوجه والتعلق الذي لا ينبغي إلا لله، الذي بيده الضر والنفع، والخفض والرفع!.
مثال آخر:
﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣ … أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨ بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩﴾ [الزمر].
أمّا هنا فيتوجه للذين كفروا بقوله "يا عبادي"!، وتحذرهم بقية الآيات من الاستمرار على الكفر.
على خلاف ما يظنه الناس حول هذه الآيات، إذ يظنون النبي يخاطب بها المؤمنين!.
وما ذلك إلا بسبب تحريف "أرباب" الدين الوضعي لمعاني القرآن كله من أوله إلى آخره!.
فقومه وأهل قريته وأهل زمانه الذين بلغتهم نذارته، هم جميعهم "عباده"، سواء آمنوا به، أم استمروا على الكفر.
وهذه "عبودية" عامة يقتضيها كونه نبياً حقاً من عند الله، يلتزمها أتباعه بطاعته وتنفيذ أمره: ﴿فَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَأَطِیعُونِ﴾.
وتَلزَم أيضاً الكافرين من قومه، حتى وإن جحدوا نبوته ورسالته ونذارته، لأن جحودهم له لا ينفي حقيقة كونه مرسلاً من ربه، فهم "عباده" الكافرون، الذين ينبغي عليهم أن يصبحوا من "عباده" المؤمنين المتقين، وإلا كانوا من أصحاب الحجيم.
وهذا النوع من "العبادة" العامة يختص به القرآن الرسل حصراً، دون غيرهم من المؤمنين والربانيين.
المثال السادس والستون:
﴿… فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡۖ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧ فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨ وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠ ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١ فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢ … ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِن بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢ مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦ فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩ وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠ يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًا إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢ فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗا كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣ فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤ أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦ إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١ وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢ بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧ أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨ أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُ مُنكِرُونَ ٦٩ أَمۡ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةُ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠﴾. [المؤمنون].
هذا السياق الطويل من الآيات يحتوي على سياقين "معترضين".
قمت بتظليل كل سياق على حدة، وتمييزه عن الآخر.
ينبغي عليك عند قراءة هذا السياق الطويل من الآيات من أوله إلى آخره، إخراج كلا السياقين المعترضين المضللين، والتعامل معهما وأخذ الفائدة منهما بشكل مستقل عن باقي السياق من الآيات.
وإليك تفصيل ذلك:
أولاً:
يتم الحديث عن الرسل الذين تم إرسالهم إلى أممهم بداية من نوح. ثم يتم ذكر موسى وهارون، ثم يتم ذكر عيسى ابن مريم، حتى الوصول إلى الآية 50.
ثانياً:
السياق المظلل الأول، يتم فيه ذكر وصية الله إلى رسله وأقوامهم، بالأكل من الطيبات وعمل الصالحات، وبيان أن أمتهم ومِلّتهم أمة واحدة وملّة واحدة هي الإسلام.
ثم يبين ما حصل من أمر تلك الأمم أقوام النبيين، من الاختلاف والتقطع إلى أحزاب وشيع يجتمعون على الشرك بالله، وكل حزب بما لديهم فرحون!.
﴿فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗا فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَا لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١ مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗا كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢﴾ [الروم].
فبدلاً من أن يسلم أهل القرى لله رب العالمين؛ يتقطعون أمرهم بينهم زبراً -قِطَعاً-، ثم يظن كل حزب منهم أن ما لديه خير مما لدى الآخر، (كل حزب بما لديهم فرحون).
لكن في الحقيقه كلهم مشركون غير حنفاء وغير مسلمين، وهذا هو حال أكثر أهل القرى وأقوام النبيين، وينطبق ذلك أيضاً على حال الناس في حقبة محمد، الذي هو خاتم أولئك النبيين.
هذا السياق المظلل الأول، هو بمثابة بيان مختلف عن البيان السردي القصصي الذي يذكر النبيين.
هذا السياق المظلل الأول، جاء في صورة وصايا موجهة إلى الرُّسل وأقوامهم، ثم بيان اختلافهم. لذلك فهو بيان معترض داخل السياق القصصي السردي.
الآن.. حتى لا تلتبس عليك المعاني المتداخلة، والأساليب البيانية المتفاوتة؛ وجب عليك إخراج السياق "المعترض" المظلل الأول، وقراءته والتعامل معه وأخذ الفائدة منه، بشكل مستقل عن باقي السياق!.
ثالثاً:
ينتهي السياق القصصي الذي يذكر الرسل وأقوامهم، ويذكر موسى وعيسى ابن مريم، ليتحول البيان إلى خطاب موجه للنبي، يبين له كيف يتعامل مع قومه المكذبين المشركين، الذين هم أيضاً كمن سبقهم من الأقوام، تقطعوا أمرهم بينهم زبراً، وفرحوا بما لديهم، وظنوا أنهم على شيء!.
لكن يتم قطع هذا البيان بسياقٍ "معترضٍ" ثانٍ، يعطي بياناً مختلفاً، وفوائد جديدة متفاوتة، قمتُ أيضاً بتظليله وتمييزه عن باقي الآيات.
رابعاً:
يأتي السياق المظلل الثاني الذي هو أيضاً كسابقه، بيان مستقل يعطي فوائد خارجة عن السياق الطويل للآيات، الذي يذكر النبيين وأقوامهم ويبين اختلافهم، ومن ضمنهم قوم محمد.
هذا السياق المظلل -"المعترض"- الثاني، هو وصف لحال المتقين المؤمنين المسلمين، غير المشركين الذين تقطعوا أمرهم بينهم، وفرحوا بما لديهم من دين وضعيّ خائب.
هذا السياق المظلل الثاني ينبغي أيضاً إخراجه والتعامل معه بشكل مستقل عند قراءة هذا السياق الطويل من الآيات.
وإلا سوف يحدث تداخل في الفوائد والمعطيات، يؤدي -بالضرورة- إلى التباس في فهم الغايات والدلالات، ولن تستبين المعاني المرجوة من كل هذه الآيات والسياقات.
الآن..
سوف أقوم بوضع السياق كاملاً من أوله إلى آخره، ثم سوف أقوم بفصل السياقين "المعترضين" المظللين، مع شرح كل سياق على حدة، لتتمكن من فهم مراد الآيات فهماً تاماً 100%، كما فهمه الذين نزل عليهم هذا القرآن، سواء مؤمنهم وكافرهم.
إذ إن الآيات تتنزل على النبي متفرقة، ليتلوها على قومه المؤمنين والكافرين، ليفهموا مرادها فهماً تاماً، ثم بعد ذلك يقوم النبي بنسخها وكتابتها وتثبيتها داخل الكتاب بالشكل الحالي الذي هو عليه، بجعل بعضها يتداخل في بعض؛ على الرغم من أنها آيات وسياقات نزلت منفصلة غير متداخلة كما هي أمامك الآن!.
﴿مَا نَنسَخۡ مِنۡ ءَایَةٍ [نكتبها ونثبتها في موضعها داخل هذا الكتاب] أَوۡ نُنسِهَا [نَنْسَأها وليس ننسها. أي نؤخر نسخها وتثبيتها إلى حين مجيء موضعها. وقد أخطأ "القراء" في قراءة هذه الكلمة] نَأۡتِ بِخَیۡرࣲ مِّنۡهَاۤ أَوۡ مِثۡلِهَاۤ أَلَمۡ تَعۡلَمۡ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَیۡءࣲ قَدِیرٌ﴾ [البقرة ١٠٦].
وبسبب هذا النسْئ في نسخ الآيات، تنتج هذه السياقات "المعترضة".
وإليك التفصيل:
﴿… فَأَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡهِ أَنِ ٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا فَإِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ فَٱسۡلُكۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ مِنۡهُمۡ وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٢٧ فَإِذَا ٱسۡتَوَيۡتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى ٱلۡفُلۡكِ فَقُلِ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي نَجَّىٰنَا مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٨ وَقُل رَّبِّ أَنزِلۡنِي مُنزَلٗا مُّبَارَكٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٢٩ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ وَإِن كُنَّا لَمُبۡتَلِينَ ٣٠ ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِمۡ قَرۡنًا ءَاخَرِينَ ٣١ فَأَرۡسَلۡنَا فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٣٢ … ثُمَّ أَنشَأۡنَا مِن بَعۡدِهِمۡ قُرُونًا ءَاخَرِينَ ٤٢ مَا تَسۡبِقُ مِنۡ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ ٤٣ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا رُسُلَنَا تَتۡرَا كُلَّ مَا جَآءَ أُمَّةٗ رَّسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتۡبَعۡنَا بَعۡضَهُم بَعۡضٗا وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَحَادِيثَ فَبُعۡدٗا لِّقَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ ٤٤ ثُمَّ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ وَأَخَاهُ هَٰرُونَ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٤٥ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ وَكَانُواْ قَوۡمًا عَالِينَ ٤٦ فَقَالُوٓاْ أَنُؤۡمِنُ لِبَشَرَيۡنِ مِثۡلِنَا وَقَوۡمُهُمَا لَنَا عَٰبِدُونَ ٤٧ فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُواْ مِنَ ٱلۡمُهۡلَكِينَ ٤٨ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ لَعَلَّهُمۡ يَهۡتَدُونَ ٤٩ وَجَعَلۡنَا ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَأُمَّهُ ءَايَةٗ وَءَاوَيۡنَٰهُمَآ إِلَىٰ رَبۡوَةٖ ذَاتِ قَرَارٖ وَمَعِينٖ ٥٠
يَٰٓأَيُّهَا ٱلرُّسُلُ [الرسل المذكورون سابقاً] كُلُواْ مِنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَٱعۡمَلُواْ صَٰلِحًا إِنِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٥١ وَإِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ [وهنا الخطاب لأقوام أولئك الرسل] وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱتَّقُونِ ٥٢ فَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ زُبُرٗا [بدلاً من الإسلام لله] كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٥٣ [الآن سوف ينقل الحديث إلى وصف قوم محمد، لكنه انتقال مبني على الفائدة المستخلصة من هذا السياق المعترض المظلل، الذي يخبر عن اختلاف أقوام الرسل وكفرهم وتقطعهم في أمرهم. وما ذلك إلا لأن قوم محمد هم امتداد لأهل القرى، وأقوام أولئك الرسل]
فَذَرۡهُمۡ فِي غَمۡرَتِهِمۡ حَتَّىٰ حِينٍ ٥٤ أَيَحۡسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٖ وَبَنِينَ ٥٥ نُسَارِعُ لَهُمۡ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ بَل لَّا يَشۡعُرُونَ ٥٦
إِنَّ ٱلَّذِينَ هُم مِّنۡ خَشۡيَةِ رَبِّهِم مُّشۡفِقُونَ ٥٧ وَٱلَّذِينَ هُم بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ٥٨ وَٱلَّذِينَ هُم بِرَبِّهِمۡ لَا يُشۡرِكُونَ ٥٩ وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠ أُوْلَٰٓئِكَ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَهُمۡ لَهَا سَٰبِقُونَ ٦١ وَلَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَا وَلَدَيۡنَا كِتَٰبٞ يَنطِقُ بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٢ [وهنا التفاتة إلى بيان حال المتقين الذي لم يختلفوا في دين الله، بل أسلموا واستجابوا وسارعوا في الخيرات. ليتم بعدها استكمال وصف المشركين المختلفين من قوم محمد، كما اختلف كل أقوام الرسل من قبلهم]
بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧ أَفَلَمۡ يَدَّبَّرُواْ ٱلۡقَوۡلَ أَمۡ جَآءَهُم مَّا لَمۡ يَأۡتِ ءَابَآءَهُمُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٦٨ أَمۡ لَمۡ يَعۡرِفُواْ رَسُولَهُمۡ فَهُمۡ لَهُ مُنكِرُونَ ٦٩ أَمۡ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةُ بَلۡ جَآءَهُم بِٱلۡحَقِّ وَأَكۡثَرُهُمۡ لِلۡحَقِّ كَٰرِهُونَ ٧٠)
ملاحظة:
هناك موضع آخر، من سورة أخرى، مشابه لهذا المثال، أبينه لك في البند التالي:
المثال السابع والستون:
﴿قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥ وَلَئِن مَّسَّتۡهُمۡ نَفۡحَةٞ مِّنۡ عَذَابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يَٰوَيۡلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٤٦ وَنَضَعُ ٱلۡمَوَٰزِينَ ٱلۡقِسۡطَ لِيَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَلَا تُظۡلَمُ نَفۡسٞ شَيۡـٔٗا وَإِن كَانَ مِثۡقَالَ حَبَّةٖ مِّنۡ خَرۡدَلٍ أَتَيۡنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَٰسِبِينَ ٤٧ وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ وَهَٰرُونَ ٱلۡفُرۡقَانَ وَضِيَآءٗ وَذِكۡرٗا لِّلۡمُتَّقِينَ ٤٨… وَذَا ٱلنُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَٰضِبٗا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقۡدِرَ عَلَيۡهِ فَنَادَىٰ فِي ٱلظُّلُمَٰتِ أَن لَّآ إِلَٰهَ إِلَّآ أَنتَ سُبۡحَٰنَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٧ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ وَنَجَّيۡنَٰهُ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَكَذَٰلِكَ نُـۨجِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٨٨ وَزَكَرِيَّآ إِذۡ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرۡنِي فَرۡدٗا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلۡوَٰرِثِينَ ٨٩ فَٱسۡتَجَبۡنَا لَهُ وَوَهَبۡنَا لَهُ يَحۡيَىٰ وَأَصۡلَحۡنَا لَهُ زَوۡجَهُ إِنَّهُمۡ كَانُواْ يُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِ وَيَدۡعُونَنَا رَغَبٗا وَرَهَبٗا وَكَانُواْ لَنَا خَٰشِعِينَ ٩٠ وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١ إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢ وَتَقَطَّعُوٓاْ أَمۡرَهُم بَيۡنَهُمۡ كُلٌّ إِلَيۡنَا رَٰجِعُونَ ٩٣ فَمَن يَعۡمَلۡ مِنَ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَا كُفۡرَانَ لِسَعۡيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَٰتِبُونَ ٩٤ وَحَرَٰمٌ عَلَىٰ قَرۡيَةٍ أَهۡلَكۡنَٰهَآ أَنَّهُمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٩٥ حَتَّىٰٓ إِذَا فُتِحَتۡ يَأۡجُوجُ وَمَأۡجُوجُ وَهُم مِّن كُلِّ حَدَبٖ يَنسِلُونَ ٩٦ وَٱقۡتَرَبَ ٱلۡوَعۡدُ ٱلۡحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَٰخِصَةٌ أَبۡصَٰرُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَٰوَيۡلَنَا قَدۡ كُنَّا فِي غَفۡلَةٖ مِّنۡ هَٰذَا بَلۡ كُنَّا ظَٰلِمِينَ ٩٧ إِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمۡ لَهَا وَٰرِدُونَ ٩٨ لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَا وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٩٩ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَهُمۡ فِيهَا لَا يَسۡمَعُونَ ١٠٠). [الأنبياء].
يبدأ هذا السياق الطويل من الآيات -والذي قمت باختصاره- من الآية 45، التي تتحدث عن قوم محمد:
(وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥).
ثم يتوجه لسرد خبر وقصص النبيين، ابتداء من موسى وهارون وانتهاء بزكريا ويحيى وعيسى بن مريم، ووصولاً للآية 91:
(وَٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلۡنَٰهَا وَٱبۡنَهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ٩١)
ثم يتم في النهاية التعقيب على ذلك، بوصية الله لهم بأنهم أمة واحدة على ملة واحدة، ثم ذكر تفرقهم واختلافهم في أمرهم وإشراكهم بربهم، وهو تماماً كما في المثال السابق.
يتم ذكر ذلك في سياق "اعتراضي" مغاير للسياق القصصي، ويتم صياغته بصورة خطابٍ موجهٍ من الله إليهم: (إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَأَنَا۠ رَبُّكُمۡ فَٱعۡبُدُونِ ٩٢).
والذي هو بالفعل ما تم أمْرهم به في الكتاب الذي نزل على كل نبي من أولئك الأنبياء، وتوجه إلى كل قوم من أولئك الأقوام.
ينتهي هذا السياق "المعترض" المظلل لتعود الآيات بالحديث عن يوم القيامة، وما يسبقه من الفتح ليأجوج ومأجوج واختلاطهم بالناس في ذلك الزمان، في بيان موجه إلى قوم محمد يحذرهم فيه من ذلك اليوم الذي تشخص فيه أبصار الذين كفروا منهم، بعد أن كانت الآيات ابتدأت بالحديث عن ذلك، عندما ذكرت وضع الموازين القسط ليوم القيامة في الآية 47، والتي تتوجه هي وما قبلها إلى قوم محمد أيضاً.
فالآيات المظللة هي بيان "معترض" يُصاغ تارةً بأسلوب الخطاب المباشر لأقوام الرسل قبل محمد، وتارة يبين تفرقهم وتقطعهم بكفرهم وشركهم، وتارةً يبين حال من يعمل من الصالحات منهم، وتارةً أخرى يبين أنهم لن يُرجعهم الله إلى الحياة بعد إهلاكهم، فلا "فرصة" ثانية لهم. فاعتبروا يا قوم محمد، فالآن جاء دوركم!.
المثال الثامن والستون:
﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا جَآءَكُمُ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ مُهَٰجِرَٰتٖ فَٱمۡتَحِنُوهُنَّ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ فَإِنۡ عَلِمۡتُمُوهُنَّ مُؤۡمِنَٰتٖ فَلَا تَرۡجِعُوهُنَّ إِلَى ٱلۡكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَءَاتُوهُم مَّآ أَنفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ أَن تَنكِحُوهُنَّ إِذَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمۡسِكُواْ بِعِصَمِ ٱلۡكَوَافِرِ وَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقۡتُمۡ وَلۡيَسۡـَٔلُواْ مَآ أَنفَقُواْ ذَٰلِكُمۡ حُكۡمُ ٱللَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَكُمۡ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ﴾ [الممتحنة 10]
هذه الآية تحوي أوامر متسلسلة.
تخللت هذه الأوامرَ عبارتان "معترضتان" ليستا من جنس تلك الأوامر التي تسردها هذه الآية سرداً، وإنما تعطيان فوائد خارجية.
العبارة "المعترضة" الأولى: (ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِإِيمَٰنِهِنَّ).
العبارة "المعترضة" الثانية:(لَا هُنَّ حِلّٞ لَّهُمۡ وَلَا هُمۡ يَحِلُّونَ لَهُنَّ).
ولو قمتَ بقراءة الآية من دون العبارتين المظللتين، فلن يختل المعنى.
المثال التاسع والستون:
﴿قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥﴾ [الممتحنة].
الآيات تبين قول إبراهيم والذين آمنوا معه لقومهم، ليكون قولُهم أسوة لمحمد والذين آمنوا معه، فيقولوا لقومهم كما قالوا، ويَثْبُتوا كما ثبتوا:
(إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ كَفَرۡنَا بِكُمۡ وَبَدَا بَيۡنَنَا وَبَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةُ وَٱلۡبَغۡضَآءُ أَبَدًا حَتَّىٰ تُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَحۡدَهُ).
ثم تذكر دعاءهم لله:
(رَّبَّنَا عَلَيۡكَ تَوَكَّلۡنَا وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥﴾
لكن تخلل ذلك عبارة "معترضة" تستثني قول إبراهيم اللين الموجه لأبيه، من قولهم الشديد الموجه إلى قومهم:
(إِلَّا قَوۡلَ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسۡتَغۡفِرَنَّ لَكَ وَمَآ أَمۡلِكُ لَكَ مِنَ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ)
وهي العبارة المظللة.
المثال السبعون:
﴿وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا بَيِّنَٰتٖ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلۡحَقِّ لَمَّا جَآءَهُمۡ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ٧ أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُ فَلَا تَمۡلِكُونَ لِي مِنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا هُوَ أَعۡلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَىٰ بِهِ شَهِيدَا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٨ قُلۡ مَا كُنتُ بِدۡعٗا مِّنَ ٱلرُّسُلِ وَمَآ أَدۡرِي مَا يُفۡعَلُ بِي وَلَا بِكُمۡ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّ وَمَآ أَنَا۠ إِلَّا نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٩ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كَانَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ وَكَفَرۡتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّن بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَلَىٰ مِثۡلِهِ فَـَٔامَنَ وَٱسۡتَكۡبَرۡتُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَوۡ كَانَ خَيۡرٗا مَّا سَبَقُونَآ إِلَيۡهِ وَإِذۡ لَمۡ يَهۡتَدُواْ بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَٰذَآ إِفۡكٞ قَدِيمٞ ١١ وَمِن قَبۡلِهِ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢ إِنَّ ٱلَّذِينَ قَالُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُ ثُمَّ ٱسۡتَقَٰمُواْ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ١٣ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٤﴾ [الأحقاف].
أولاً:
بيان قول الذين كفروا من قوم محمد، عندما تتلى عليهم آيات القرآن، إذ إنهم يصفونه بالسحر، وبأنه افتراه من عند نفسه.
ثانياً:
بيان الرد الذي ينبغي أن يرد به عليهم.
ثالثاً:
بيان وجود شاهد من بني إسرائيل، يشهد له بالصدق، وأنه من عند الله.
وهذا الشاهد هو علماء بني إسرائيل، أي الربانيون المؤمنون منهم، الذين يدرسون كتاب الله الذي معهم -كتاب موسى-، ويتلونه حق تلاوته، والذي هو مثل القرآن الذي يتلوه محمد.
﴿أَوَلَمۡ یَكُن لَّهُمۡ ءَایَةً أَن یَعۡلَمَهُۥ عُلَمَـٰۤؤُا۟ بَنِیۤ إِسۡرَ ٰۤءِیلَ﴾ [الشعراء ١٩٧].
رابعاً:
يتم العودة لذكر قول جديد للذين كفروا، بعد الانتهاء من ذكر أقوالهم، والبدء ببيان الرد عليها!.
هذا القول الجديد هو الآية "المعترضة" المظللة باللون الأصفر.
خامساً:
يتم استكمال سياق الرد على الذين كفروا، بذكر القرآن -كتاب محمد-، المصدق لما بين يديه من كتاب موسى:
وَمِن قَبۡلِهِ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةٗ وَهَٰذَا كِتَٰبٞ مُّصَدِّقٞ لِّسَانًا عَرَبِيّٗا لِّيُنذِرَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُحۡسِنِينَ ١٢).
فالعبارة المظللة تقطع السياق الذي يتحدث عن القرآن، بدلاً من أن تأتي متممة لقولهم الأول الذي هو في بداية السياق.
وبإمكانك بالطبع قراءة السياق بحذف العبارة المظللة، من دون أن يتغير المعنى.