جمل اعتراضية 11
جُمَل
"اعتراضية"
المجموعة الحادية عشرة
من أساليب القرآن البيانية:
"التقديم والتأخير" في عبارات بعينها!، أو إيراد "جُمَل معترضة" تتخلل السياقات المترابطة وتقطعها!.
القارئ يجد استشكالاً كبيراً في الفهم، ولن يعلم المقصود والمُراد إذا لم يتقن هذا الأسلوب القرآني الفذ!
وباختصار .. فإن القرآن من أوله إلى آخره، يورد في أثناء البيان، جُملاً متقدمة أو متأخرة عن أماكنها التي تعطي المعنى الصحيح للسياق، ويورد أيضاً عبارات خارجة عن السياقات تتخللها بشكل "معترض"!.
هذا أسلوب بياني في غاية الروعة والإتقان، يعطي الآيات طابعاً "إيقاعياً" جذاباً -إن صح التعبير-!.
وله أيضاً أهداف أخرى تتقاطع مع أسلوبه البياني الذي تنتهجه المجموعة المتكلمة في القرآن كله، والذين لا يتكلمون إلا بصيغة الجمع!
قم بقراءة الدراسة التي بعنوان:
المجموعة المتكلمة في القرآن.
وأساليب أخرى مثل ربط الماضي بالحاضر، للدلالة على وحدة الأمة والملّة ودعوة كل النبيين، كربط قصص إبراهيم بالأميين، أو بالذين آمنوا.
أيضاً ربط عذاب أهل القرى بعذاب قرية النبي الخاتم، بوضع سياقات "معترضة" تتحدث عن ذلك، داخل سياقات تتكلم عن غيرهم، أو ربط عذاب الهلاك في الدنيا بعذاب الآخرة.
أو ربط ماضي بني إسرائيل مع موسى، بحاضرهم زمان محمد. وهو الزمان الذي يختص القرآن كله بتوجيه البيان لأهله من "العالمين" دون من جاء بعدهم، أو بعد موت ذلك النبي الأمي؛ إذ إنه كتاب شديد الخصوصية، لا يتوجه بالبيان إلا إليهم، وهو لمن بعدهم "بقيّة" من الله، وليس كتاباً مُصاغاً ليتوجه إليهم!.
كنت قد أوردتُ مجموعة من الأمثلة في دراسات سابقة، وها أنا الآن أعطيك مجموعة أخرى من الأمثلة في هذا الباب.
الموضوع في غاية الأهمية، ولا يمكن التقدم في دراسة كتاب الله من غير التنبه لهكذا أمور متعلقة بأسلوب القرآن في البيان.
عداك عن أن المعاني والحقائق لا يمكن أن تتجلى إلا بعد إتقان هذا "الفن"!
قم بدراسة هذه الأمثلة، وإعادة قراءتها مراراً وتكراراً، لتتمكن من إتقانها ومعرفة مثيلاتها.
المثال الرابع والسبعون:
﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦ وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧ وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِ سَخِرُواْ مِنۡهُ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١ وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢ قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣ وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤﴾. [هود]
العبارة المظللة الأولى:
(وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ)، هي بيان يصف علو الموج الذي جرت فيه السفينة، لكنها وضعت بشكل "اعتراضي" داخل السياق الذي يخبر عن دعوة نوح ابنه للإيمان والركوب معه، في آخر فرصة له، قبل بدء السفينة بالحركة!.
لذلك يتوهم منها المتوهم لأول وهلة أن نوحاً يكلم ابنه أثناء جريان السفينة في موج كالجبال!.
فأنّى له أن يكلمه والحال كذلك؟!
فضلاً عن كون ركوبه معه ضرباً من المحال، فيما لو وصلت مسامعَه -جدلاً- دعوةُ أبيه له!.
لكن الذي جرى هو أنه قال لهم:
(ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١).
ثم توجه لدعوة ابنه:
(وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢ قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣)
ثم يأتي دور العبارة "المعترضة" التي تعطي بياناً خارجياً مفادُه:
(وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ).
وهذا توصيف لذلك الموج الذي -في نهاية المطاف- أغرق ابنه الكافر.
العبارة المظللة الثانية:
(وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ)، هي أيضاً بيان "اعتراضي" خارجي، يصف مكان ابنه أثناء نداء أبيه له.
وقد أخبرتك أنه أصعد المؤمنين على متنها، ثم نادى ابنه قبل البدء بالحركة، أي قبل ارتفاع منسوب الماء بالقدر الذي يُمَكِّنها من الإبحار.
ناداه بقوله: (يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢).
فرد عليه: (سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِ).
فكان جوابه: (لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ).
ثم يأتي الآن دور البيان "المعترض" الثاني، الذي يصف مكان تواجد ابنه أثناء تبادله الكلام مع أبيه: (وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ).
فنفهم من ذلك أنه كان في معزل من الماء الآخذ بالتصاعد تدريجياً، لكن منسوبه لم يكن حينها يسمح للسفينة بالحركة، ولم يكن ليمنع ابنه من التوجه إليها للركوب مع أبيه في حال اختار الاستجابة لندائه.
العبارة المظللة الثالثة:
(وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ)، هي إخبار عن مصير ابنه الكافر، بعد أن رفض الاستجابة لدعوة أبية، واختار التوجه لجبل يعصمه -حسب ظنه- من الماء مهما علا منسوبه وارتفع.
فقد ظل نوح ينظر إليه، مشفقاً عليه، طوال مسيره إلى ذلك الجبل، ثم بعد اسقراره فوقه، إلى أن علا الموج ذلك الجبل فأغرقه، وحال بينه وبينه!.
فهذه العبارة المظللة "المعترضة" هي بمثابة بيان ختامي يصف مصير ابنه -والذي هو نفس مصير قومه-، حَوَت بداخلها أحداثاً تم التجاوز عن ذكرها، مثل توجه ابنه إلى ذلك الجبل الذي ظن أنه سيعصمه من الماء، بعد إتمام الحوار الذي أجراه مع أبيه.
خلاصة ما جرى:
1- فوران التنور وبدء الطوفان.
2- بدء ركوب المؤمنين في السفينة.
3- دعوة نوح لابنه أن يتوجه فيركب معهم.
4- كان ابنه في معزل قريب أثناء تكليمه لأبيه:
(وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ).
5- رفض ابنه الاستجابة.
6- استمر منسوب المياه بالارتفاع.
7- توجه ابنه فوراً إلى ذلك الجبل.
8- وصول ابنه إلى قمة الجبل.
9- أصبحت السفينة تجري في موج كالجبال:
(وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ).
10- أغرقه الموج، وحال بينه وبين أبيه الذي لم يُشِح بصره عنه:
(وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ).
فائدة:
الماء هو الذي ارتفع ليبلغ قمم الجبال، بل وليتجاوزها، وليس الموج!.
(سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِ)، أي يعصمني من الماء -الآخذ بالتصاعد بصورة استثنائية-:
﴿فَفَتَحۡنَآ أَبۡوَٰبَ ٱلسَّمَآءِ بِمَآءٖ مُّنۡهَمِرٖ ١١ وَفَجَّرۡنَا ٱلۡأَرۡضَ عُيُونٗا فَٱلۡتَقَى ٱلۡمَآءُ عَلَىٰٓ أَمۡرٖ قَدۡ قُدِرَ ١٢﴾ [القمر].
وفوق الماء هناك الموج الناتج عن الريح الذي يحرك السفينة ويدفعها للجريان.
والسفينة تجري في ذلك الموج.
بمعنى أنه موج عادي كأي موج تجري فيه أي سفينة، لكنه يعلو الجبال لعلو منسوب المياه لها، في تلك القرية والمنطقة من الأرض، التي فيها قوم نوح.
والموج هنا يشير إلى سرعة الريح التي تدفع بالسفينة -إضافة إلى تشكيلها لهذا الموج-، وقسوة الطقس الجوي الذي أدى لهذا الطوفان، لذلك فقد كانت تلك السفينة: ﴿تَجۡرِی بِأَعۡیُنِنَا﴾ [القمر ١٤].
وليس كما يتوهم المتوهمون من أن منسوب الماء دون الجبال، والموج هو الذي يعلوها بارتفاعه!.
فأنّى للسفينة أن تجري بسلام والحال كذلك؟!.
الآن، خذ السياق الكلي للآيات بعد إخراج السياقات "المعترضة" منه، ولاحظ أن المعنى لا يختل مطلقاً:
﴿وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦ وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧ وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِ سَخِرُواْ مِنۡهُ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١ [---] وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُ [---] يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢ قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ [---] ٤٣ وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤﴾.
المثال الخامس والسبعون:
﴿وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ إِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنۡ أَحَدٖ مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨ أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ وَتَقۡطَعُونَ ٱلسَّبِيلَ وَتَأۡتُونَ فِي نَادِيكُمُ ٱلۡمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱئۡتِنَا بِعَذَابِ ٱللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٩ قَالَ رَبِّ ٱنصُرۡنِي عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ٣٠ وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗا قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهۡلَهُ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢ وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤ وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗا فَقَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱرۡجُواْ ٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٣٦ ..﴾. [العنكبوت]
ينتهي قول الرسل للوط عند:
(وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤).
ثم تختتم المجموعة المتكلمة القصة ببيان يوجهونه لقوم محمد، ليكون موعظة لهم:
(وَلَقَد تَّرَكۡنَا مِنۡهَآ ءَايَةَ بَيِّنَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٣٥).
فهو ليس من قول الرسل.
وقد ورد فعلاً تحذيرهم من عاقبة مشابهة لعاقبة قوم لوط:
﴿قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١ فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ [من قومك] بِبَعِيدٖ ٨٣﴾ [هود].
المثال السادس والسبعون:
﴿وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩ إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠ وَكَذَٰلِكَ أَعۡثَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ لِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيۡبَ فِيهَآ إِذۡ يَتَنَٰزَعُونَ بَيۡنَهُمۡ أَمۡرَهُمۡ فَقَالُواْ ٱبۡنُواْ عَلَيۡهِم بُنۡيَٰنٗا رَّبُّهُمۡ أَعۡلَمُ بِهِمۡ قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰٓ أَمۡرِهِمۡ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيۡهِم مَّسۡجِدٗا ٢١ سَيَقُولُونَ ثَلَٰثَةٞ رَّابِعُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ وَيَقُولُونَ خَمۡسَةٞ سَادِسُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ رَجۡمَۢا بِٱلۡغَيۡبِ وَيَقُولُونَ سَبۡعَةٞ وَثَامِنُهُمۡ كَلۡبُهُمۡ قُل رَّبِّيٓ أَعۡلَمُ بِعِدَّتِهِم مَّا يَعۡلَمُهُمۡ إِلَّا قَلِيلٞ فَلَا تُمَارِ فِيهِمۡ إِلَّا مِرَآءٗ ظَٰهِرٗا وَلَا تَسۡتَفۡتِ فِيهِم مِّنۡهُمۡ أَحَدٗا ٢٢ وَلَا تَقُولَنَّ لِشَاْيۡءٍ إِنِّي فَاعِلٞ ذَٰلِكَ غَدًا ٢٣ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَهۡدِيَنِ رَبِّي لِأَقۡرَبَ مِنۡ هَٰذَا رَشَدٗا ٢٤ وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥ قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْ لَهُ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَبۡصِرۡ بِهِ وَأَسۡمِعۡ مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِ أَحَدٗا ٢٦ وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلۡتَحَدٗا ٢٧ وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُ فُرُطٗا ٢٨﴾. [الكهف]
كلمة: (إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ)، هي جملة خارجية "معترضة"، تعطي مزيد بيان. وهو:
إن كل شيء يتحقق، ناتج عن مشيئة الله له، ولو لم يشأ الله له أن يحصل لما حصل.
فلا تجزم بقدرتك على تحقيق ما تنوي على فعله، لأن الله ربما يشاء أمراً آخر.
لذلك، عليك بما تملكه الآن بين يديك، ولا تُعَوّل على المستقبل الذي لا يعلمه إلا الله.
لكنه ليس قولاً يأمره أن يقوله!.
بل هو تعليل وتعقيب على أمْرِه له بأن لا يقول لشيء إني فاعل ذلك غداً.
لأنه قد لا يشاء الله له أن يتحقق، فيذهب عزمه على أدائه في مهبّ الريح!.
هذا إلى جانب تجشّم مشقة التحضير له، وتمنية نفسه ونفوس غيره بشيء ربما لن يشاء الله تحققه.
وهذا هو المراد من هذه العبارة "المعترضة" المظللة، ولو قمتَ بإخراجها من السياق فلن يختلّ المعنى.
فائدة:
القرآن يبين استخدام هذه الكلمة "إن شاء الله"، في المواطن التي يحتاج فيها المرء إلى ذكر إيمانه واستجابته لأمر الله، وكفاءته للقيام بالشيء أو الوعد المتفَق عليه.
فمثلاً:
﴿قَالُوا۟ ٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ یُبَیِّن لَّنَا مَا هِیَ إِنَّ ٱلۡبَقَرَ تَشَـٰبَهَ عَلَیۡنَا وَإِنَّاۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ لَمُهۡتَدُونَ﴾ [البقرة ٧٠]
هنا حاجة إلى إظهار جانب الصلاح والتقوى، الذي يحملهم على الوفاء بالعهد، لذلك ينبغي استخدامها هنا.
﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ ٱلسَّعۡیَ قَالَ یَـٰبُنَیَّ إِنِّیۤ أَرَىٰ فِی ٱلۡمَنَامِ أَنِّیۤ أَذۡبَحُكَ فَٱنظُرۡ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ یَـٰۤأَبَتِ ٱفۡعَلۡ مَا تُؤۡمَرُ سَتَجِدُنِیۤ إِن شَاۤءَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلصَّـٰبِرِینَ﴾ [الصافات ١٠٢]
وهنا إظهار لجانب الصلاح والصبر والإيمان، لذلك يجب استخدامها في مثل هذه المواطن، لبيان أنه لا توفيق إلّا بالله، ولأجل نسبة الفضل في ذلك إليه.
أما استخدامها دائماً عندما تريد الإخبار عن عمل مستقبلي سوف تعمله، أو عند الاتفاق على أداء شيء، فهذا لا يأمر به الله، بل هو من اختراع الدين الوضعي، وهي من الأمور السخيفة التي تُنسَب لله، ويظنونها واجبة، ويظنون أن فيها وقاراً وأدباً مع الله!.
فمثلاً:
﴿قَالُواْ يَٰٓأَبَانَا ٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَآ إِنَّا كُنَّا خَٰطِـِٔينَ ٩٧ قَالَ سَوۡفَ أَسۡتَغۡفِرُ لَكُمۡ رَبِّيٓ إِنَّهُ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٩٨﴾ [يوسف].
هنا أعطاهم وعداً -مستقبلياً- بالاستغفار لهم، ولم يقل "إن شاء الله"، لأنه -أصلاً- لا ينبغي قولها!.
﴿قَالَ عِفۡرِیتࣱ مِّنَ ٱلۡجِنِّ أَنَا۠ ءَاتِیكَ بِهِ قَبۡلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّی عَلَیۡهِ لَقَوِیٌّ أَمِینࣱ﴾ [النمل ٣٩].
وهنا لا يَلزم أن يقول "إن شاء الله"، على الرغم من أنه يتكلم عن شيء مستقبلي لم يتحقق بعد، وعلى الرغم من أنه قد يعترض له عارض يؤدي إلى ثنيه على الوفاء والتنفيذ.
وما ذلك إلا لأنه لا ينبغي إستخدامها أصلاً!.
بل هي نوع من العته تمارسه الأمم الجاهلة!.
وهناك دراسة مستقلة تكلمت فيها عن هذا الاستخدام المُختَرَع لهذه الكلمة، وضربت فيها الكثير من الأمثلة.
وهناك أيضاً دراسات مستقلة في كلمات مخترعة مشابهة مثل كلمة: "لا حول ولا قوة إلا بالله"!، وكلمة: "ما شاء الله"!.
المثال السابع والسبعون:
﴿ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ ١٧ إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨ وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗ كُلّٞ لَّهُ أَوَّابٞ ١٩ وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡ قَالُواْ لَا تَخَفۡ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢ إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣ قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ ٢٤ فَغَفَرۡنَا لَهُ ذَٰلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥ يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦ وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗا ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨ كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩ وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ٣٠ إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١ فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣ وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤ قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥ فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦ وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧ وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨ هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠﴾ [ص].
السياق المظلل هو سياق "معترض"، يقطع السياق الذي يقص خبر داوود وسليمان، وينتقل للحديث عن قوم محمد المُخاطَبين في هذا القرآن، ثم يعود السياق الكلي للحديث عن داوود وابنه سليمان.
يبدأ هذا السياق "الاعتراضي" بِ:
(إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ)، وهو وصف لما عليه حال قوم محمد الضالين، تم صياغته ليكون متمِماً لخبر داوود، ومعقِّباً عليه، لكنه ليس منه، كما يظهر للوهلة الأولى، بل هو بيان خارجي "معترض".
فداوود قد نُهي عن اتباع الهوى لأنه يضله عن سبيل الله، ثم انتقل السياق لوصف قوم محمد، وبيان عاقبتهم في العذاب الشديد، كونهم يضلون عن سبيل الله بسبب اتباعهم لأهوائهم، وخذ ما يؤكد ذلك:
﴿وَمَا لَكُمۡ أَلَّا تَأۡكُلُوا۟ مِمَّا ذُكِرَ ٱسۡمُ ٱللَّهِ عَلَیۡهِ وَقَدۡ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَیۡكُمۡ إِلَّا مَا ٱضۡطُرِرۡتُمۡ إِلَیۡهِ وَإِنَّ كَثِیرࣰا لَّیُضِلُّونَ بِأَهۡوَاۤىِٕهِم بِغَیۡرِ عِلۡمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُعۡتَدِینَ﴾ [الأنعام ١١٩].
﴿بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِینَ ظَلَمُوۤا۟ أَهۡوَاۤءَهُم بِغَیۡرِ عِلۡمࣲ فَمَن یَهۡدِی مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّـٰصِرِینَ﴾ [الروم ٢٩].
المثال الثامن والسبعون:
﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥﴾. [النور]
العبارة المظللة هي وصف للمصباح، وليس للزجاجة التي أصبحت تبدو وكأنها كوكب دري!.
وقد تم تأخيرها عن مكانها، حتى لا تقطع المَثَل المضروب لنور الله. وعند ردّها إلى موقعها الحقيقي يصبح السياق كالآتي:
﴿ٱللَّهُ نُورُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشۡكَوٰةٖ فِيهَا مِصۡبَاحٌ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٖ مُّبَٰرَكَةٖ زَيۡتُونَةٖ لَّا شَرۡقِيَّةٖ وَلَا غَرۡبِيَّةٖ يَكَادُ زَيۡتُهَا يُضِيٓءُ وَلَوۡ لَمۡ تَمۡسَسۡهُ نَارٞ ٱلۡمِصۡبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ ٱلزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوۡكَبٞ دُرِّيّٞ نُّورٌ عَلَىٰ نُورٖ يَهۡدِي ٱللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَ لِلنَّاسِ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٣٥﴾.
المثال التاسع والسبعون:
﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ سَلَٰمٞ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩ فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠ وَٱمۡرَأَتُهُ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١ قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢ قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ إِنَّهُ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥ يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآ إِنَّهُ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦ وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧ وَجَآءَهُ قَوۡمُهُ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨ قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩ قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠ قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١ فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣﴾. [هود].
هنا سياق قصصي يتحدث عن رسل الله إلى إبراهيم، وبشارتهم له، وإخباره عن قوم لوط وإهلاكهم.
المتكلم في هذا السياق وفي كل القرآن، هم المجموعة المتكلمة في القرآن.
لكنهم في هذا السياق من الآيات يقصون ما جرى بين إبراهيم والرسل تارة -وهذا شيء اعتيادي-، ثم ينسبون أفعال وأقوال الرسل إليهم تارة أخرى -وهذا أسلوب غير اعتيادي-!.
هذا الأسلوب -غير المعتاد في السياقات القصصية- يتلخص في العبارات المظللة.
وإليك تفصيلها:
﴿وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ):
هنا استفتاح لهذا السياق القصصي، يبينون فيه إرسالهم الرسل لإبراهيم.
(فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ):
هنا ينسبون البشارة إليهم، على الرغم من أن الرسل هم الذين بشروها بإسحق:
﴿فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗ قَالُواْ لَا تَخَفۡ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩ قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ
إِنَّهُ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠﴾ [الذاريات].
ولاحظ كيف أن الرسل هم الذين بشروه بإسحق، ثم بينوا لها أن هذه البشارة هي قول الله، أي أمره وقضاؤه: (كذلكِ قال ربك).
بخلاف العبارة المظللة التي ينسبون فيها البشارة إليهم، وكأنهم هم الذي تكلموا معها!.
(يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ):
هنا يجعلون جدال إبراهيم متوجهاً لهم، على الرغم من أنه جادل رسلهم، ولم يجادلهم هم بأشخاصهم!.
خذ هذا السياق:
﴿وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُوٓاْ إِنَّا مُهۡلِكُوٓاْ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ إِنَّ أَهۡلَهَا كَانُواْ ظَٰلِمِينَ ٣١ قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطٗا قَالُواْ نَحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَن فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهۡلَهُ إِلَّا ٱمۡرَأَتَهُ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٢﴾ [العنكبوت].
ولاحظ جدال إبراهيم للرسل، وردهم عليه.
(فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣):
وهنا ينسبون الفعل إليهم، على الرغم من أن الرسل هم الذين باشروه:
﴿قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١ قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢ لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣﴾ [الذاريات].
﴿وَلَمَّآ أَن جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالُواْ لَا تَخَفۡ وَلَا تَحۡزَنۡ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهۡلَكَ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَ كَانَتۡ مِنَ ٱلۡغَٰبِرِينَ ٣٣ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰٓ أَهۡلِ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةِ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٣٤﴾ [العنكبوت].
أما القسم الثاني من هذه العبارة المظللة:
(مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣)، فهو خطاب منهم لمحمد، نبي هذا القرآن، يبشره بإهلاك الله لقومه الظالمين بمثل هذه الحجارة التي أرسلها على قوم لوط.
يبشره بذلك تخفيفاً عنه، وتثبيتاً له، وإنذاراً لهم.
المثال الثمانون:
﴿هَلۡ أَتَىٰكَ حَدِيثُ ضَيۡفِ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ ٢٤ إِذۡ دَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَقَالُواْ سَلَٰمٗا قَالَ سَلَٰمٞ قَوۡمٞ مُّنكَرُونَ ٢٥ فَرَاغَ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِ فَجَآءَ بِعِجۡلٖ سَمِينٖ ٢٦ فَقَرَّبَهُ إِلَيۡهِمۡ قَالَ أَلَا تَأۡكُلُونَ ٢٧ فَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗ قَالُواْ لَا تَخَفۡ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَٰمٍ عَلِيمٖ ٢٨ فَأَقۡبَلَتِ ٱمۡرَأَتُهُ فِي صَرَّةٖ فَصَكَّتۡ وَجۡهَهَا وَقَالَتۡ عَجُوزٌ عَقِيمٞ ٢٩ قَالُواْ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٠ قَالَ فَمَا خَطۡبُكُمۡ أَيُّهَا ٱلۡمُرۡسَلُونَ ٣١ قَالُوٓاْ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمٖ مُّجۡرِمِينَ ٣٢ لِنُرۡسِلَ عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن طِينٖ ٣٣ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤ فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥ فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦ وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧﴾ [الذاريات].
السياق المظلل الأول:
(إِنَّهُ هُوَ ٱلۡحَكِيمُ ٱلۡعَلِيمُ).
هو بيان "معترض" ليس من قول الرسل لامرأة إبراهيم، بل من قول المجموعة المتكلمة في القرآن، يوجهونه لقوم محمد.
ملاحظة:
بالنسبة لقول الرسل لها: (كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ)، فمعناه: كذلكِ قضى ربك، وكذلكِ هو أمره.
فقول الله هنا هو قضاؤه وأمره:
﴿قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًا إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢ قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِ إِنَّهُ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣﴾ [هود].
فقول الله هو أمره الذي عجِبت منه، وهو كلمة "كن"، التي يقولها للشيء -المجرد- فيكون.
السياق المظلل الثاني:
(مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤ فَأَخۡرَجۡنَا مَن كَانَ فِيهَا مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٣٥ فَمَا وَجَدۡنَا فِيهَا غَيۡرَ بَيۡتٖ مِّنَ ٱلۡمُسۡلِمِينَ ٣٦ وَتَرَكۡنَا فِيهَآ ءَايَةٗ لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ ٣٧).
هو بيان من المجموعة المتكلمة، موجه لمحمد وقومه، يُعَقّبون فيه على مجريات تلك الأحداث.
ملاحظة:
الذي يؤكد لك على أن العبارة: (مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلۡمُسۡرِفِينَ ٣٤)، هي من قول المجموعة المتكلمة لمحمد، وليست من قول الرسل للوط، هي الآية من المثال السابق:
﴿فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣﴾ [هود].