المتدبرون يخطئون. 2
"المتدبرون"
يُخطئون
أكثر مما يُصيبون
ج (2)
يقولون: لا حساب بعد الموت!
الناس على مر القرون يعبدون (ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ) ويشركونهم مع الله:
﴿ٱتَّخَذُوۤا۟ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَـٰنَهُمۡ أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِیحَ ٱبۡنَ مَرۡیَمَ وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوۤا۟ إِلَـٰهࣰا وَ ٰحِدࣰا لَّاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَـٰنَهُۥ عَمَّا یُشۡرِكُونَ﴾
يعبدونهم باتباعهم في ما يحللون لهم ويحرمون عليهم، من غير رجوع لكلام الله في كتبه، بل بالرجوع إلى كتبهم وآرائهم وأهوائهم، التي هي وحي (الشيطان) الذي يضاهي به وحي (الرحمن)
﴿قُلۡ یَـٰۤأَهۡلَ ٱلۡكِتَـٰبِ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ كَلِمَةࣲ سَوَاۤءِۭ بَیۡنَنَا وَبَیۡنَكُمۡ أَلَّا نَعۡبُدَ إِلَّا ٱللَّهَ وَلَا نُشۡرِكَ بِهِ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَتَّخِذَ بَعۡضُنَا بَعۡضًا أَرۡبَابࣰا مِّن دُونِ ٱللَّهِۚ فَإِن تَوَلَّوۡا۟ فَقُولُوا۟ ٱشۡهَدُوا۟ بِأَنَّا مُسۡلِمُونَ﴾
وبالنسبة ل "أهل القرآن" فإن حالهم كحال (أهل الإنجيل) والتوراة، الذين لا يحكمون بكتبهم!!
﴿وَلۡیَحۡكُمۡ أَهۡلُ ٱلۡإِنجِیلِ بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فِیهِ وَمَن لَّمۡ یَحۡكُم بِمَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡفَـٰسِقُونَ﴾
لكن مع اختلاف في المسميات و "الاصطلاحات"، فبدلا من تسمية (الأحبار والرهبان) أخرجوا للناس مصطلحات كثيرة من مثل "شيوخ"، "علماء"، "أئمة"، مع ملاحظة أن بعض تلك الأسماء هي أسماء قرآنية، لكنها لا تمت بصلة للمفاهيم التي يُسقطون عليها تلك الأسماء!!.
﴿یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِنَّ كَثِیرࣰا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَیَأۡكُلُونَ أَمۡوَ ٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَـٰطِلِ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلَّذِینَ یَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا یُنفِقُونَهَا فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِیمࣲ﴾
﴿وَمَا تَفَرَّقَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡكِتَـٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَاۤءَتۡهُمُ ٱلۡبَیِّنَةُ ، وَمَاۤ أُمِرُوۤا۟ إِلَّا لِیَعۡبُدُوا۟ ٱللَّهَ مُخۡلِصِینَ لَهُ ٱلدِّینَ حُنَفَاۤءَ وَیُقِیمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَیُؤۡتُوا۟ ٱلزَّكَوٰةَ وَذَ ٰلِكَ دِینُ ٱلۡقَیِّمَةِ﴾
وبالتالي فإن الذين "أوتوا القرآن" تفرقوا كما تفرق الذين أوتوا الكتاب، من قبلهم، باتخاذهم "الشيوخ" و "اللحى" أرباباً يُشركونهم مع الله في العبادة!
الأمر الذي أدى بهم إلى إضاعة الصلاة واتباع الشهوات.
(فَخَلَفَ مِنۢ بَعۡدِهِمۡ خَلۡفٌ أَضَاعُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَٱتَّبَعُوا۟ ٱلشَّهَوَ ٰتِۖ فَسَوۡفَ یَلۡقَوۡنَ غَیًّا﴾
وهذا الذي يجري اليوم مع جميع الشعوب الذين يسمون أنفسهم "مسلمين"
الشيطان واسع الحيلة ولا يزال يُضل الناس من جميع المشارب والتوجهات.
فأخذ يدس السم في العسل، ويُوهمهم بضرورة مناقضة ذلك التراث الآبائي الفاسد، ويستدل عليهم بالآيات:
﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمُ ٱتَّبِعُوا۟ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُوا۟ بَلۡ نَتَّبِعُ مَاۤ أَلۡفَیۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡقِلُونَ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَهۡتَدُونَ﴾
﴿وَإِذَا قِیلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡا۟ إِلَىٰ مَاۤ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُوا۟ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَیۡهِ ءَابَاۤءَنَاۤ أَوَلَوۡ كَانَ
ءَابَاۤؤُهُمۡ لَا یَعۡلَمُونَ شَیۡـࣰٔا وَلَا یَهۡتَدُونَ﴾
الأمر الذي مكنه من إعادة إحياء توجهات آبائية في غاية الكفر والإنكار لرسالات الله، والإلحاد في آياته، على الرغم من أنها في نفس الوقت بلغت الذروة في السخف والعته، والكذب المتعمد، لكن الجديد هذه المرة هو إلباسها لباس "تدبر" ودراسة كتاب الله!
اليوم ..
أصبح الكهنوت "الديني" التقليدي له "شيوخه" وأتباعه..
الكهنوت "الإلحادي" له "شيوخه" وأتباعه..
الكهنوت "التنويري" أيضا له شيوخه من الكهان، وأتباعه من المريدين العُميان..
جميعهم اتفقوا على تنحية العقول عند العمل والاتباع، على الرغم من ادعائهم جميعهم الاحتكام إليها!!
وسيكون الكلام في هذا البحث، هو عن الطراز "التنويري" من الكهان، وأتباعهم العميان.
تم اختراع مصطلح "تدبر القرآن"..
صار "المتدبرون" يتشدقون على الناس، ويخرجون عليهم بالأعاجيب..
أصبح افتراء الكذب على الله أسهل من شرب الماء..
تم صبغ ذلك الكذب بصبغة القرآن، والاحتكام لآياته..
تم تحريف معاني كلام الله كله، حتى صار المتحذلق منهم يقلب كل شيء، فيجد من يصفق له من المريدين..
صار افتراء الكذب على كلام الله لا يكلف صاحب شيئا..
فقط يستخدم عبارة:
﴿بِلِسَانٍ عَرَبِیࣲّ مُّبِینࣲ﴾، ليظن بذلك أنه بلغ العُلا في الاستدلال وإفحام الخصوم!!
ملاحظة:
مصطلح "تدبر القرآن" هو اختراع بائس لا يمت للحقيقة بصلة.
وهو مثل الاختراعات الآبائية المضحكة من قبل، مثل مصطلح "العلم اللدني"، والذي يستخدمه أصحابه للتعالي على الناس وأكل أموالهم بالباطل، بإيهامهم أنهم أعلى منهم مقاماً عند الله، لذلك يعطيهم من "علمه اللدني"!!.
مصطلحات برّاقة كاذبة لم يقل بها القرآن.. يستخدمها الكهان لجذب المريدين، ولإضفاء هالة من القدسية على أنفسهم وعلى كلامهم.
أمّا الذي أمر الله به عباده فهو:
(كُونُوا۟ رَبَّـٰنِیِّينَ بِمَا كُنتُمۡ تُعَلِّمُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ وَبِمَا كُنتُمۡ تَدۡرُسُونَ﴾
﴿وَمَاۤ ءَاتَیۡنَـٰهُم مِّن كُتُبࣲ یَدۡرُسُونَهَا وَمَاۤ أَرۡسَلۡنَاۤ إِلَیۡهِمۡ قَبۡلَكَ مِن نَّذِیرࣲ﴾
والفرق بين (يتدبرون القرآن) ويدرسونه له موضوع بحث مستقل.
قام كهان المسلمين منذ القدم باختراع مصطلح بائس أسموه "عذاب القبر"، وجعلوا له الأقاصيص والشعوذات!
وكردة فعل على ذلك..
قام "المتدبرون" بنفي العذاب أو النعيم مطلقاً بعد الموت، في هذه الدنيا!
بمعنى أن الكهان يفترون الكذب ويلصقونه بكتاب الله، فيأتي "المتدبرون" لينقضوا ذلك الكذب.. لكن بجحود حقائق قرآنية تتعلق بذلك الموضوع -ما بعد الموت في هذه الدنيا- لينفوا وقوع النعيم أو العذاب بعد الموت مباشرة!
والذي يحملهم على ذلك -إضافة إلى ضعف الدراسة- هو ضعف الشخصية!
يخافون أن يتم وصمهم بالتخلف واتباع شعوذات الكهان الأولين!
الكهان يقولون: هناك عذاب.. وقد أسمَوه "عذاب القبر".
واخترعوا له العشرات من الكذبات والخرافات، والقصص الهزلية.
"المتدبرون" يقولون: لا عذاب ولا نعيم إلا بعد (يوم القيامة)، والموتى في سُبات مستمر حتى ذلك اليوم!
الجواب الصحيح هو:
بل الحساب يتم مباشرة بعد الموت، بل إن الذي يموت يبدأ برؤية حياته داخل (برزخ) الدنيا، فيبدأ بجني ثمار أعماله، حتى تخرج نفسه إما إلى نعيم، أو إلى جحيم، أو سبات، إلى (يوم يبعثون)
والبراهين على ذلك لا تُحصى، وإليك عدداً منها:
برهان رقم (1)
﴿وَلَوۡ تَرَىٰۤ إِذۡ یَتَوَفَّى ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةُ یَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَـٰرَهُمۡ وَذُوقُوا۟ عَذَابَ ٱلۡحَرِیقِ ، ذَ ٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ أَیۡدِیكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَیۡسَ بِظَلَّـٰمࣲ لِّلۡعَبِیدِ﴾
برهان رقم (2)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨﴾
برهان رقم (3)
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أَوۡ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمۡ يُوحَ إِلَيۡهِ شَيۡءٞ وَمَن قَالَ سَأُنزِلُ مِثۡلَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ فِي غَمَرَٰتِ ٱلۡمَوۡتِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ بَاسِطُوٓاْ أَيۡدِيهِمۡ أَخۡرِجُوٓاْ أَنفُسَكُمُۖ ٱلۡيَوۡمَ تُجۡزَوۡنَ عَذَابَ ٱلۡهُونِ بِمَا كُنتُمۡ تَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ وَكُنتُمۡ عَنۡ ءَايَٰتِهِۦ تَسۡتَكۡبِرُونَ (93).
والآيات صريحة في عذابهم عند وفاتهم
أما بالنسبة لآيات يتعلق بها "المتدبرون" فيستخدمونها لنقض حقائق القرآن الثابتة، مثل الآيات التي تُخبر عن اعتبار الحياة الدنيا إلى جانب البرزخ ما بعد الموت، مجرد
(ساعة من نهار)، أو
(عشية أو ضحاها)...
فهي على التحقيق لا تنقض النعيم أو العذاب المستمران ما بعد الموت إلى (يوم البعث)، وإنما تعطي مزيد تفصيل عن واقع الحياة الدنيا الناقص، إذا ما قورن بواقع الدار الآخرة التي في الحقيقة هي (الحيوان)!!
﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ ٥٤ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ يُقۡسِمُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ مَا لَبِثُواْ غَيۡرَ سَاعَةٖ كَذَٰلِكَ كَانُواْ يُؤۡفَكُونَ ٥٥ وَقَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ وَٱلۡإِيمَٰنَ لَقَدۡ لَبِثۡتُمۡ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡبَعۡثِ فَهَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡبَعۡثِ وَلَٰكِنَّكُمۡ كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٥٦ فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعۡذِرَتُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ ٥٧ وَلَقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖۚ وَلَئِن جِئۡتَهُم بِـَٔايَةٖ لَّيَقُولَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُبۡطِلُونَ ٥٨ كَذَٰلِكَ يَطۡبَعُ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٩ فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠﴾ «الروم 54 - الروم 60»
﴿كَذَٰلِكَ نَقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ مَا قَدۡ سَبَقَ وَقَدۡ ءَاتَيۡنَٰكَ مِن لَّدُنَّا ذِكۡرٗا ٩٩ مَّنۡ أَعۡرَضَ عَنۡهُ فَإِنَّهُۥ يَحۡمِلُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وِزۡرًا ١٠٠ خَٰلِدِينَ فِيهِ وَسَآءَ لَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ حِمۡلٗا ١٠١ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ وَنَحۡشُرُ ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ زُرۡقٗا ١٠٢ يَتَخَٰفَتُونَ بَيۡنَهُمۡ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا عَشۡرٗا ١٠٣ نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذۡ يَقُولُ أَمۡثَلُهُمۡ طَرِيقَةً إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا يَوۡمٗا ١٠٤﴾. «طه 99 - طه 104»
من الآيات يظهر المجرمون وهم يخبرون عن أنفسهم ما لبثوا في الدنيا غير ساعة أو يوم!
وهذا أمر ملاحظ حتى في هذه الحياة الدنيا، فأين النعيم الذي عاشه من عُمّر العمر المديد.. عند ساعة الموت؟!
وأين سنين الشقاء والعذاب عند ساعة الجائزة التي ينالها من يحقق الإنجازات في هذه الحياة الدنيا؟!
فما بالك لو أنزلنا هذا الشعور على (يوم البعث) من الدار الآخرة التي هي الحياة الحقيقية (الحيوان).. ألا يكون شعور المجرم بالغبن والخسارة أشد وأعظم؟!
عندما يقارن بين ما عاشه من نعيم قليل على هذه الحياة الدنيا، إضافة إلى ما لاقاه من عذاب طويل بعد مماته، وبين الحق الذي رآه في يوم البعث، والمصير الأزلي الذي سوف يلاقيه في جهنم…أتستكثر عليه حينها أن يُقسم ما لبث غير ساعة؟!
أضف إلى ذلك أن الشعور بالزمن هو شعور نسبي يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص..
وقس عليه أيضاً الشعور بالأحداث التي يراها النائم ثم يستيقظ..
فقد يظن نفسه نام لأيام.. بسبب كثرة ما لاقاه من أحداث خلال نومه، وقد يظن أنه لم ينم إلا ساعة.. على الرغم من أنه قد يكون فقد الوعي لأيام!!
والآن خذ الآيات التي تبين لك مآل الإنسان بعد موته في هذه الدنيا..
ولا تنس أن تضيف إليها الآيات التي ذكرتها لك حتى هذه اللحظة:
برهان رقم (4)
﴿بَلۡ قُلُوبُهُمۡ فِي غَمۡرَةٖ مِّنۡ هَٰذَا وَلَهُمۡ أَعۡمَٰلٞ مِّن دُونِ ذَٰلِكَ هُمۡ لَهَا عَٰمِلُونَ ٦٣ حَتَّىٰٓ إِذَآ أَخَذۡنَا مُتۡرَفِيهِم بِٱلۡعَذَابِ إِذَا هُمۡ يَجۡـَٔرُونَ ٦٤ لَا تَجۡـَٔرُواْ ٱلۡيَوۡمَ إِنَّكُم مِّنَّا لَا تُنصَرُونَ ٦٥ قَدۡ كَانَتۡ ءَايَٰتِي تُتۡلَىٰ عَلَيۡكُمۡ فَكُنتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ تَنكِصُونَ ٦٦ مُسۡتَكۡبِرِينَ بِهِ سَٰمِرٗا تَهۡجُرُونَ ٦٧﴾. «المؤمنون»
كانت آياتي تتلى عليكم في حياتكم الدنيا فكنتم على أعقابكم تنكصون..
وهذا بالضبط عندما ينزل بهم العذاب، فينتقلون بالموت من حياتهم المترفة إلى العذاب!!
وبالمناسبة.. فالآيات تتحدث عن قوم محمد!!
ثم تُكمل:
﴿وَلَوۡ رَحِمۡنَٰهُمۡ وَكَشَفۡنَا مَا بِهِم مِّن ضُرّٖ لَّلَجُّواْ فِي طُغۡيَٰنِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٧٥ وَلَقَدۡ أَخَذۡنَٰهُم بِٱلۡعَذَابِ فَمَا ٱسۡتَكَانُواْ لِرَبِّهِمۡ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ٧٦ حَتَّىٰٓ إِذَا فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا ذَا عَذَابٖ شَدِيدٍ إِذَا هُمۡ فِيهِ مُبۡلِسُونَ ٧٧﴾ «المؤمنون»
تم أخذهم بالعذاب الأولي لعلهم يرجعون..
ثم فُتح عليهم باب العذاب الشديد الذي لا مفر منه، فأهلكوا فأصبحوا مبلسين!
ثم تكمل الآيات:
﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلۡمَوۡتُ قَالَ رَبِّ ٱرۡجِعُونِ ٩٩ لَعَلِّيٓ أَعۡمَلُ صَٰلِحٗا فِيمَا تَرَكۡتُ كـَلَّآ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا وَمِن وَرَآئِهِم بَرۡزَخٌ إِلَىٰ يَوۡمِ يُبۡعَثُونَ ١٠٠فَإِذَا نُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَلَآ أَنسَابَ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَئِذٖ وَلَا يَتَسَآءَلُونَ ١٠١ فَمَن ثَقُلَتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٢ وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ١٠٣﴾. «المؤمنون»
يظلون في هذا ال (برزخ) إلى يوم يبعثون (يوم ينفخ في الصور).
وحالهم في ذلك البرزخ عذاب أو سكون أو نعيم للمؤمنين ومن قتلوا في سبيل الله.
برهان رقم (5)
﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ لَا يَرۡجُونَ لِقَآءَنَا لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ نَرَىٰ رَبَّنَا لَقَدِ ٱسۡتَكۡبَرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۡ وَعَتَوۡ عُتُوّٗا كَبِيرٗا ٢١ يَوۡمَ يَرَوۡنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ لَا بُشۡرَىٰ يَوۡمَئِذٖ لِّلۡمُجۡرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجۡرٗا مَّحۡجُورٗا ٢٢ وَقَدِمۡنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنۡ عَمَلٖ فَجَعَلۡنَٰهُ هَبَآءٗ مَّنثُورًا ٢٣ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ يَوۡمَئِذٍ خَيۡرٞ مُّسۡتَقَرّٗا وَأَحۡسَنُ مَقِيلٗا ٢٤ وَيَوۡمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلۡغَمَٰمِ وَنُزِّلَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٍ ٱلۡحَقُّ لِلرَّحۡمَٰنِ وَكَانَ يَوۡمًا عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ عَسِيرٗا ٢٦ وَيَوۡمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيۡهِ يَقُولُ يَٰلَيۡتَنِي ٱتَّخَذۡتُ مَعَ ٱلرَّسُولِ سَبِيلٗا ٢٧ يَٰوَيۡلَتَىٰ لَيۡتَنِي لَمۡ أَتَّخِذۡ فُلَانًا خَلِيلٗا ٢٨ لَّقَدۡ أَضَلَّنِي عَنِ ٱلذِّكۡرِ بَعۡدَ إِذۡ جَآءَنِي وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِلۡإِنسَٰنِ خَذُولٗا ٢٩ وَقَالَ ٱلرَّسُولُ يَٰرَبِّ إِنَّ قَوۡمِي ٱتَّخَذُواْ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ مَهۡجُورٗا ٣٠﴾ «الفرقان 21 - الفرقان 30»
يوم يرون الملائكة المنزلين لعذابهم، لا بشرى يومئذ للمجرمين.
يومئذ أصحاب الجنة من الصالحين مستقرهم -بعد الموت- خير من أولئك المجرمين.
ثم يوم (تشقق السماء بالغمام) -يوم البعث-.. يومئذ يعض الظالم على يديه لأنه أيقن ألا محيص ولا مردّ ولا خروج!
(وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين)
الخطأ الذي يقع فيه الناس هو اعتبار هذه الآيات وأمثالها تتحدث فقط عن يوم القيامة!
بل هي آيات مفصِّلة للعذاب عند الموت بإهلاكهم:
(وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا)، ثم بعد موتهم وراء البرزخ، ثم تُبين حالهم وعذابهم يوم القيامة.
برهان رقم (6)
﴿قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡيَٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٢٦)
وهذا هو عذابهم الذي يحيق بهم بعد مكرهم وتكذيب الرسل -أي إهلاكهم وقطع دابرهم-. ثم تكمل الآيات:
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِم قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧)
وهنا الحديث عن يوم القيامة.
ثم تكمل الآيات:
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭ بَلَىٰٓ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨ فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩)
تعود الآيات لتخبر عن حالهم عند توفي الملائكة لهم.. حيث يبينون لهم مصيرهم الأزلي بالخلود في جهنم.
ثم تكمل الآيات:
وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡ قَالُواْ خَيۡرٗا لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١ ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢)
«النحل 26 - النحل 32»
وهنا بيان لا لبس فيه لحال المتقين عندما تتوفاهم الملائكة طيبين، حيث يقابلونهم بالسلام ويُدخلونهم الجنة في الحال، وتماماً بعد موتهم.
برهان رقم (7)
عذاب آل فرعون:
المثال الأول:
(فَسَتَذۡكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمۡ وَأُفَوِّضُ أَمۡرِيٓ إِلَى ٱللَّهِ إِنَّ ٱللَّهَ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ (44).
وهنا نهاية كلام:
(رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه).
ثم تكمل الآيات:
(فَوَقَىٰهُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِ مَا مَكَرُواْ وَحَاقَ بِـَٔالِ فِرۡعَوۡنَ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ (45) ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗا وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ (46).
تخبر الآيات عن نجاة الرجل المؤمن، وأخذ آل فرعون بالعذاب (الغرق)، ثم تبين حالهم بعد موتهم بالغرق وهو عرضهم على النار (غدوا وعشيا) في البرزخ الذي هم فيه (إلى يوم يبعثون). ثم يوم تقوم الساعة يُدخَلون أشد العذاب. ثم تكمل الآيات:
وَإِذۡ يَتَحَآجُّونَ فِي ٱلنَّارِ فَيَقُولُ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا نَصِيبٗا مِّنَ ٱلنَّارِ (47) قَالَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُلّٞ فِيهَآ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ حَكَمَ بَيۡنَ ٱلۡعِبَادِ (48).
يتحاجون في النار يوم القيامة بعد أن حكم الله بين العباد وانتهى كل شيء.. فلن يغني بعضهم عن بعض شيئا.
ثم تكمل الآيات:
وَقَالَ ٱلَّذِينَ فِي ٱلنَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ٱدۡعُواْ رَبَّكُمۡ يُخَفِّفۡ عَنَّا يَوۡمٗا مِّنَ ٱلۡعَذَابِ (49) قَالُوٓاْ أَوَلَمۡ تَكُ تَأۡتِيكُمۡ رُسُلُكُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِۖ قَالُواْ بَلَىٰ قَالُواْ فَٱدۡعُواْ وَمَا دُعَٰٓؤُاْ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٍ (50) «غافر 44 - غافر 50».
وهذا سياق يتحدث عن يوم القيامة.
المثال الثاني لعذاب آل فرعون:
(وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي فَأَوۡقِدۡ لِي يَٰهَٰمَٰنُ عَلَى ٱلطِّينِ فَٱجۡعَل لِّي صَرۡحٗا لَّعَلِّيٓ أَطَّلِعُ إِلَىٰٓ إِلَٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّي لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ (38) وَٱسۡتَكۡبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ إِلَيۡنَا لَا يُرۡجَعُونَ (39) فَأَخَذۡنَٰهُ وَجُنُودَهُۥ فَنَبَذۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡيَمِّ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ (40) وَجَعَلۡنَٰهُمۡ أَئِمَّةٗ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَا يُنصَرُونَ (41) وَأَتۡبَعۡنَٰهُمۡ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗۖ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ هُم مِّنَ ٱلۡمَقۡبُوحِينَ (42) «القصص»
أصبحوا بعد إغراقهم (في اليم) أئمة يدعون إلى النار، وأُتبعوا لعنة في هذه الدنيا بعد موتهم وانتقالهم ل (برزخ) الدنيا.. ليستمروا على هذا الحال من العذاب والعرض على النار إلى يوم القيامة.. ليكونوا فيه من المقبوحين.
برهان رقم (8)
﴿وَٱلَّذِينَ لَا يَدۡعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ وَلَا يَقۡتُلُونَ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ وَلَا يَزۡنُونَ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ يَلۡقَ أَثَامٗا ٦٨ يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ عَمَلٗا صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يُبَدِّلُ ٱللَّهُ سَيِّـَٔاتِهِمۡ حَسَنَٰتٖ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٧٠ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَإِنَّهُۥ يَتُوبُ إِلَى ٱللَّهِ مَتَابٗا ٧١﴾ «الفرقان 68 - الفرقان 71»
فالذي يقترف (كبائر الإثم والفواحش) يُعذب بعد موته في هذه الدنيا، ثم يُضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا.
برهان رقم (9)
﴿وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧ بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨).
يوقفون على النار بعد موتهم، فيطلبون العودة للحياة الدنيا، ويعطون الوعود أنهم لن يكذبوا في حال تم إعطاؤهم فرصة ثانية.. لكن تبين الآيات أنهم كاذبون، ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه.
وهذا يعني أن الحياة الدنيا مستمرة، وهؤلاء المكذبون يطلبون العودة إليها للنجاة من النار التي وُقِفوا عليها بعد موتهم مباشرة.
ثم تكمل الآيات:
(وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠).
وهنا الوقوف الثاني على ربهم يوم القيامة، بعد وُقوفهم الأول على النار.
ثم تكمل الآيات:
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١﴾ «الأنعام 27 - الأنعام 31»
فالساعة تأتي بغتة على من في الحياة الدنيا ومن مات وراء البرزخ على حد سواء.
برهان رقم (10)
﴿قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣ وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤)
وهذا عذاب في الحياة الدنيا قبل الموت. ثم تكمل الآيات:
(وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥ أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦ أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧ أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨)
وهذا كله عذاب في الدنيا أيضاً لكن بعد الموت، حيث تأكلهم الحسرة والندم، ويطلبون العودة للحياة الدنيا ليكونوا من المحسنين.
ثم تكمل الآيات:
(بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩).
هنا يأتيهم الجواب من عند الله، ألا كرّة ولا رجعة، لأن الآيات قد جاءتهم فكذبوا واستكبروا وكفروا.
ثم تكمل الآيات:
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠ وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١﴾ «الزمر 53 - الزمر 61»
هنا في النهاية يأتي وصف حالهم يوم القيامة، بعد أن وُصِف عذابهم في برزخهم، وعذابهم في حياتهم الدنيا أيضاً.
برهان رقم (11)
﴿فَلَوۡلَآ إِذَا بَلَغَتِ ٱلۡحُلۡقُومَ ٨٣ وَأَنتُمۡ حِينَئِذٖ تَنظُرُونَ ٨٤ وَنَحۡنُ أَقۡرَبُ إِلَيۡهِ مِنكُمۡ وَلَٰكِن لَّا تُبۡصِرُونَ ٨٥).
الآيات تتحدث عن النفس إذا بلغت الحلقوم تهيئة للوفاة، وتخاطب من ينظرون إليه لا يملكون له شيئا من النفع.
ثم تكمل الآيات:
فَلَوۡلَآ إِن كُنتُمۡ غَيۡرَ مَدِينِينَ ٨٦ تَرۡجِعُونَهَآ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٨٧ فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوۡحٞ وَرَيۡحَانٞ وَجَنَّتُ نَعِيمٖ ٨٩ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩٠ فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩١ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢ فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ ٩٣ وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ ٩٥ فَسَبِّحۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلۡعَظِيمِ ٩٦﴾
«الواقعة 83 - الواقعة 96»
تقسّم الآيات حال ذلك الذي بدأ يموت بين أيدي أحبابه وأقاربه..
فإما أنه حينها من المقربين السابقين، أو من أصحاب اليمين الذين هم درجة ثانية بعد المقربين، وإما يكون من المكذبين الضالين أصحاب الجحيم..
فهذه الأحوال الثلاثة جميعها تبدأ بالظهور لأصحابها بمجرد مجيء
(سكرة الموت).
برهان رقم (12)
﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَندَادٗا يُحِبُّونَهُمۡ كَحُبِّ ٱللَّهِ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَشَدُّ حُبّٗا لِّلَّهِ وَلَوۡ يَرَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِذۡ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ أَنَّ ٱلۡقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعٗا وَأَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعَذَابِ ١٦٥ إِذۡ تَبَرَّأَ ٱلَّذِينَ ٱتُّبِعُواْ مِنَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَتَقَطَّعَتۡ بِهِمُ ٱلۡأَسۡبَابُ ١٦٦ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُواْ لَوۡ أَنَّ لَنَا كَرَّةٗ فَنَتَبَرَّأَ مِنۡهُمۡ كَمَا تَبَرَّءُواْ مِنَّا كَذَٰلِكَ يُرِيهِمُ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡ حَسَرَٰتٍ عَلَيۡهِمۡ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ ١٦٧﴾
«البقرة 165 - البقرة 167»
يتحسرون على ما عملوا في حياتهم الدنيا، ويطلبون الكرة للعمل الصالح، ولكن هيهات.
لاحظ أنهم يطلبون الكرة في الحياة الدنيا التي لا زالت قائمة أثناء عذابهم بعد موتهم، وطلبهم تلك الكرة.
برهان رقم (13)
﴿وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨ قُل لَّآ أَمۡلِكُ لِنَفۡسِي ضَرّٗا وَلَا نَفۡعًا إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَآءَ أَجَلُهُمۡ فَلَا يَسۡتَـٔۡخِرُونَ سَاعَةٗ وَلَا يَسۡتَقۡدِمُونَ ٤٩ قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُهُۥ بَيَٰتًا أَوۡ نَهَارٗا مَّاذَا يَسۡتَعۡجِلُ مِنۡهُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٥٠)
تتحدث الآيات عن وعد العذاب الذي كان ينذره خاتم النبيين محمد قومَه، وتبين أنه واقع لا محالة.
ثم تكمل الآيات:
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءَامَنتُم بِهِ ءَآلۡـَٰٔنَ وَقَدۡ كُنتُم بِهِ تَسۡتَعۡجِلُونَ ٥١ ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ هَلۡ تُجۡزَوۡنَ إِلَّا بِمَا كُنتُمۡ تَكۡسِبُونَ ٥٢ وَيَسۡتَنۢبِـُٔونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلۡ إِي وَرَبِّيٓ إِنَّهُۥ لَحَقّٞ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٥٣).
حين يقع العذاب الذي فيه هلاكهم يؤمنوا.. بعد أن كانوا يستعجلونه استخفافاً واستهزاءً!
فيُقال لهم حينها ذوقوا عذاب الخلد!
لأن إهلاكهم ليس نهاية المطاف، وإنما هو بداية العذاب الأبدي!
ثم تكمل الآيات:
وَلَوۡ أَنَّ لِكُلِّ نَفۡسٖ ظَلَمَتۡ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ لَٱفۡتَدَتۡ بِهِ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٥٤ أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ أَلَآ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٥٥ هُوَ يُحۡيِ وَيُمِيتُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٥٦﴾
«يونس 48 - يونس 56»
إليه ترجعون بمجرد الوفاة.
برهان رقم (14)
﴿وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤ وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥) «الشورى»
يُعرضون خاشعين على النار، ثم يوم القيامة يقول الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم.
ملاحظة: هناك تأخير في عبارة (يوم القيامة) عن مكانها الأصلي، بمعنى: (وقال الذين آمنوا يوم القيامة إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ألا إن الظالمين في عذاب مقيم).
ولتعلم المزيد عن موضوع التقديم والتأخير في الآيات، قم بقراءة دراسة بعنوان: جمل اعتراضية وآيات تحتاج إعادة ترتيب.
برهان رقم (15)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُمۡ يَعۡمَهُونَ ٤ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡعَذَابِ وَهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٥﴾
«النمل 4 - النمل 5»
الذين لا يؤمنون بالآخرة لهم سوء العذاب في الدنيا بعد موتهم، وهم أيضاً في الآخرة بعد ذلك هم الأخسرون.
وإلا.. فهل ترى جميع المجرمين يمسهم (سوء العذاب) في الحياة الدنيا؟!
فأين يكون (سوء العذاب) الذي قبل عذاب الآخرة إلا في البرزخ؟!
برهان رقم (16)
﴿وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦ مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧﴾ «النحل 116 - النحل 117»
لهم متاع قليل في الحياة الدنيا، ثم لهم عذاب أليم مباشرة بعد موتهم!.
برهان رقم (17)
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـٔٗا وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمۡ وَقُودُ ٱلنَّارِ ١٠ كَدَأۡبِ ءَالِ فِرۡعَوۡنَ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأَخَذَهُمُ ٱللَّهُ بِذُنُوبِهِمۡ وَٱللَّهُ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١١ قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغۡلَبُونَ وَتُحۡشَرُونَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٢﴾ «آل عمران»
ستُغلبون وتحشرون إلى جهنم بعد غُلْبكم وقتلكم.. تماما مثل آل فرعون الذين يعرضون على النار غدوا وعشيا إلى أن تقوم الساعة.
يؤيد هذا الفهم الآيات من نفس السورة:
﴿وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧ وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨﴾ «آل عمران»
هنا الخطاب للمؤمنين وجزاؤهم إذا ماتوا أو قتلوا في سبيل الله، فإنهم حينها سيحشرون إلى الله، ولا يخفى على أحد أن الذين (قتلوا في سبيل الله) هم بالفعل أحياء (عند ربهم يرزقون) من لحظة قتلهم في سبيل الله!
برهان رقم (18)
قَالَ ٱهۡبِطَا مِنۡهَا جَمِیعَۢا بَعۡضُكُمۡ لِبَعۡضٍ عَدُوࣱّ فَإِمَّا یَأۡتِیَنَّكُم مِّنِّی هُدࣰى فَمَنِ ٱتَّبَعَ هُدَایَ فَلَا یَضِلُّ وَلَا یَشۡقَىٰ ١٢٣ وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِي فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا وَنَحۡشُرُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَعۡمَىٰ ١٢٤ قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرۡتَنِيٓ أَعۡمَىٰ وَقَدۡ كُنتُ بَصِيرٗا ١٢٥ قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتۡكَ ءَايَٰتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمَ تُنسَىٰ ١٢٦ وَكَذَٰلِكَ نَجۡزِي مَنۡ أَسۡرَفَ وَلَمۡ يُؤۡمِنۢ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبۡقَىٰٓ ١٢٧﴾ «طه 123 - طه 127»
له (معيشة ضنكا) في الدنيا بعد الموت!
ثم يُحشر يوم القيامة أعمى..
ثم يتبين له أن عذاب الآخرة
(أشد وأبقى)
من العذاب الذي كان فيه في البرزخ قبل يوم القيامة!.
برهان رقم (19)
﴿فَإِذَا ٱنشَقَّتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ وَرۡدَةٗ كَٱلدِّهَانِ ٣٧ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٣٨ فَيَوۡمَئِذٖ لَّا يُسۡـَٔلُ عَن ذَنۢبِهِ إِنسٞ وَلَا جَآنّٞ ٣٩ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٠ يُعۡرَفُ ٱلۡمُجۡرِمُونَ بِسِيمَٰهُمۡ فَيُؤۡخَذُ بِٱلنَّوَٰصِي وَٱلۡأَقۡدَامِ ٤١فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٢)
هنا انتهى الحديث عن عذاب الآخرة، ليعطينا لمحة عن عذاب ما بعد الموت، ألا وهي:
(هَٰذِهِ جَهَنَّمُ ٱلَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٤٣ يَطُوفُونَ بَيۡنَهَا وَبَيۡنَ حَمِيمٍ ءَانٖ ٤٤ فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ ٤٥﴾.
وهنا أيضا انتهى الحديث عن العذابين في الدنيا وفي الآخرة، ليبتدئ من الآن وصف الجنتين.. جنة الدنيا وجنة الآخرة!:
وَلِمَنۡ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (46)
جنة في الدنيا بعد الموت، وجنة في الآخرة!
وهاتان الجنتان للسابقين المقربين.
وهذا وصفهما:
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (47) ذَوَاتَآ أَفۡنَانٖ (48) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (49) فِيهِمَا عَيۡنَانِ تَجۡرِيَانِ (50) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (51) فِيهِمَا مِن كُلِّ فَٰكِهَةٖ زَوۡجَانِ (52) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (53) مُتَّكِـِٔينَ عَلَىٰ فُرُشِۭ بَطَآئِنُهَا مِنۡ إِسۡتَبۡرَقٖۚ وَجَنَى ٱلۡجَنَّتَيۡنِ دَانٖ (54) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (55) فِيهِنَّ قَٰصِرَٰتُ ٱلطَّرۡفِ لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ (56) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (57) كَأَنَّهُنَّ ٱلۡيَاقُوتُ وَٱلۡمَرۡجَانُ (58) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (59) هَلۡ جَزَآءُ ٱلۡإِحۡسَٰنِ إِلَّا ٱلۡإِحۡسَٰنُ (60) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (61) وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ (62)
جنتان دونهما لأصحاب اليمين، الأولى في الدنيا بعد موتهم، والثانية في الحياة الآخرة. وهذا وصفهما:
فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (63) مُدۡهَآمَّتَانِ (64) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (65) فِيهِمَا عَيۡنَانِ نَضَّاخَتَانِ (66) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (67) فِيهِمَا فَٰكِهَةٞ وَنَخۡلٞ وَرُمَّانٞ (68) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (69) فِيهِنَّ خَيۡرَٰتٌ حِسَانٞ (70) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (71) حُورٞ مَّقۡصُورَٰتٞ فِي ٱلۡخِيَامِ (72) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (73) لَمۡ يَطۡمِثۡهُنَّ إِنسٞ قَبۡلَهُمۡ وَلَا جَآنّٞ (74) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (75) مُتَّكِـِٔينَ عَلىٰ رَفۡرَفٍ خُضۡرٖ وَعَبۡقَرِيٍّ حِسَانٖ (76) فَبِأَيِّ ءَالَآءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (77) تَبَٰرَكَ ٱسۡمُ رَبِّكَ ذِي ٱلۡجَلَٰلِ وَٱلۡإِكۡرَامِ (78).
«الرحمن 37 - الرحمن 78».
برهان رقم (20)
وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ (20) ٱتَّبِعُواْ مَن لَّا يَسۡـَٔلُكُمۡ أَجۡرٗا وَهُم مُّهۡتَدُونَ (21) وَمَا لِيَ لَآ أَعۡبُدُ ٱلَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ (22) ءَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ ءَالِهَةً إِن يُرِدۡنِ ٱلرَّحۡمَٰنُ بِضُرّٖ لَّا تُغۡنِ عَنِّي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَا يُنقِذُونِ (23) إِنِّيٓ إِذٗا لَّفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ (24) إِنِّيٓ ءَامَنتُ بِرَبِّكُمۡ فَٱسۡمَعُونِ (25) قِيلَ ٱدۡخُلِ ٱلۡجَنَّةَ قَالَ يَٰلَيۡتَ قَوۡمِي يَعۡلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي عَلَنِي مِنَ ٱلۡمُكۡرَمِينَ (27) وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَىٰ قَوۡمِهِ مِنۢ بَعۡدِهِ مِن جُندٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَمَا كُنَّا مُنزِلِينَ (28) إِن كَانَتۡ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ فَإِذَا هُمۡ خَٰمِدُونَ (29). «يس»
مات ذلك الرجل..
فدخل الجنة!
ثم بعدها أخذ قومَه الصيحةُ فأصبحوا خامدين!.
برهان رقم (21)
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًا أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ (18) ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ (19) أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ (20).
يُضاعف لهم العذاب الذي كانوا يتجرعونه في الدنيا بعد موتهم.
ثم تكمل الآيات:
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ (22).
لاحظ استمرار التأكيد على مصيرهم الأسود في الآخرة، والذي هو أشد قتامة من العذاب الذي كانوا فيه قبل يوم القيامة.
برهان رقم (22)
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ (58).
نجيناهم من عذاب الهلاك(ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر) ثم تكمل الآيات:
وَتِلۡكَ عَادٞ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ (59) وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ (60). «هود 58 - هود 60»
أُتبعوا في هذه الدنيا لعنة في البرزخ بعد العذاب الغليظ الذي أهلكهم، ثم يُتبَعون لعنةً أخرى يوم القيامة.
اللعنة الأولى هي عذابهم البرزخي في هذه الدنيا، وهي تتبع هلاكهم ونجاة المؤمنين.
اللعنة الثانية يوم القيامة، وتتبع عذابهم الأولي في البرزخ.
برهان رقم (23)
(إِنَّ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ ٱلۡفَٰحِشَةُ فِي ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ (19).
العذاب الأليم في الدنيا يكون بعد موتهم، وإلا.. فأين العذاب الدنيوي لأولئك المنافقين المترفين الذين ماتوا من غير مكروه أصابهم؟! أين ذلك العذاب في الدنيا الذي تتوعدهم به الآية إن لم يكن بعد موتهم، وقبل عذاب الآخرة؟!
ثم تكمل الآيات:
(إِنَّ ٱلَّذِينَ يَرۡمُونَ ٱلۡمُحۡصَنَٰتِ ٱلۡغَٰفِلَٰتِ ٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ لُعِنُواْ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ (23).
أيضاً هنا لعنتُهم في الدنيا تكون بعد موتهم، ثم لعنتُهم الثانية التي تكون في الآخرة.
ثم تكمل الآيات:
يَوۡمَ تَشۡهَدُ عَلَيۡهِمۡ أَلۡسِنَتُهُمۡ وَأَيۡدِيهِمۡ وَأَرۡجُلُهُم بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ (24) يَوۡمَئِذٖ يُوَفِّيهِمُ ٱللَّهُ دِينَهُمُ ٱلۡحَقَّ وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ (25). «النور»
وهذا كله في الآخرة.
برهان رقم (24)
(أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ (62) ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ (64). «يونس»
لهم البشرى في الحياة الدنيا بعد موتهم، ثم لهم البشرى في الآخرة..
وإلا فأين البشرى في الحياة الدنيا إن لم تكن بعد موتهم؟!
ملاحظة:
أولياء الله هم المؤمنون المتقون أصحاب الجنة، ويقابلهم أولياء الشيطان. ومعناه أن الصالحين هم بالضرورة أولياء الله، أي أن ولاية الله ليست درجة يختص بها بعض الناس دون غيرهم كما يروج لذلك الكهان الذين يأكلون أموال الناس بالباطل، ويمتطون ظهورهم!!
برهان رقم (25)
﴿قُلۡ یَـٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُوا۟ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّی عَـٰمِلࣱ فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ ، مَن یَأۡتِیهِ عَذَابࣱ یُخۡزِیهِ وَیَحِلُّ عَلَیۡهِ عَذَابࣱ مُّقِیمٌ﴾ [الزمر ٤٠]
فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه قبل موته، وهو الصاعقة التي أنذرها محمد قومه (فإن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود)، وقد أتاهم عذاب الخزي وأُهلكوا كما هلكت القرى من قبلهم.. القرى التي يُذَكّرهم بها القرآن في عشرات المواضع. انظر دراسة بعنوان "هلاك قوم محمد".
ثم بعد هذا العذاب المخزي، يحل عليهم عذاب مقيم في برزخهم إلى يوم يبعثون.
برهان رقم (26)
وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ (10).
ومعنى ضللنا في الأرض هو: (أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا). فيأتيهم الجواب:
(قُلۡ يَتَوَفَّىٰكُم مَّلَكُ ٱلۡمَوۡتِ ٱلَّذِي وُكِّلَ بِكُمۡ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ تُرۡجَعُونَ (11).
نعم.. بمجرد أن يتوفاهم ملك الموت يرجعون إلى ربهم! ثم تكمل الآيات:
(وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلۡمُجۡرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ رَبَّنَآ أَبۡصَرۡنَا وَسَمِعۡنَا فَٱرۡجِعۡنَا نَعۡمَلۡ صَٰلِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12).
بمجرد أن يُرجَعوا إلى ربهم بعد الموت، يطلبون الرجعة إلى الحياة الدنيا ليعملوا الصالحات، وهذا يدلل على أن الحياة الدنيا مستمرة وهم يطلبون الرجوع إليها بعد موتهم.
ملاحظة:(الحياة الدنيا): هي فقط حياتنا قبل الموت.
أما (الدنيا): فهي تشمل الحياة الدنيا قبل الموت، إضافة إلى الحياة وراء البرزخ بعد الموت!. ثم تكمل الآيات:
وَلَوۡ شِئۡنَا لَأٓتَيۡنَا كُلَّ نَفۡسٍ هُدَىٰهَا وَلَٰكِنۡ حَقَّ ٱلۡقَوۡلُ مِنِّي لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ (13) فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (14) إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ (15). «السجدة»
(خروا سجدا) هو فعل الاستجابة للآيات التي ذُكروا بها، وهو بالضبط نقيض الفعل الذي يصدر عن المجرمين عند سماع الآيات، وليس هو ما اصطلح عليه الناس اليوم -من سحر الكهان- وضع الرأس والجبهة على الأرض، في طقوس هي في الأساس مأخوذة من أمم ضالة أخرى… أنظر دراسة بعنوان: كيف يكون السجود.
برهان رقم (27)
بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ (12) وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ (13) وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ (14) وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ (15) أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ (16) أَوَ ءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ (17) قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ (18) فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ (19) وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ (20) هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِ تُكَذِّبُونَ (21).
هم يبعثون بعد أن صاروا تراباً وعظاما، وذلك لا يكلف إلا زجرة واحدة، ليقوموا بعد موتهم في هذه الدنيا، ليظنوا أنه يوم الدين، فيُقال لهم هذا ليس يوم الدين.. وإنما هو يوم الفصل!.
ثم تكمل الآيات:
(ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ (22) مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ (23).
نفهم من الآيات أن بعثهم بعد موتهم للعذاب قد يتأخر حتى يتم حشرهم وأزواجهم وأشياعهم وشركاءهم الذين كانوا يعبدون، وبالتالي قد يختلف (يوم الفصل) باختلاف الأقوام والقرى والأزمان!
وهذا بخلاف الذين ينتقلون مباشرة بعد هلاكهم إلى النار، كآل فرعون مثلاً!
ثم تكمل الآيات:
وَقِفُوهُمۡ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ (24) مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ (25) بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ (26) وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ (27) قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ (28) قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ (29) وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ (30) فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ (31) فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ (32) فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ (33) إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ (34) إِنَّهُمۡ كَانُوٓاْ إِذَا قِيلَ لَهُمۡ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ يَسۡتَكۡبِرُونَ (35) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوٓاْ ءَالِهَتِنَا لِشَاعِرٖ مَّجۡنُونِۭ (36) بَلۡ جَآءَ بِٱلۡحَقِّ وَصَدَّقَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ (37) إِنَّكُمۡ لَذَآئِقُواْ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَلِيمِ (38) وَمَا تُجۡزَوۡنَ إِلَّا مَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ (39). «الصافات»
كانوا قبل موتهم يصفونه بشاعر مجنون، ثم هم الآن في العذاب مشتركون!
ملاحظة مهمة:
جميع آيات (يوم الفصل) تتحدث أيضا عما بعد الموت وقبل الدار الآخرة، والآيات في ذلك كثيرة… لكن هناك سياق يشتبه فيه الأمر، وهو سياق سورة "النبأ":
﴿إِنَّ يَوۡمَ ٱلۡفَصۡلِ كَانَ مِيقَٰتٗا ١٧ يَوۡمَ يُنفَخُ فِي ٱلصُّورِ فَتَأۡتُونَ أَفۡوَاجٗا ١٨ وَفُتِحَتِ ٱلسَّمَآءُ فَكَانَتۡ أَبۡوَٰبٗا ١٩ وَسُيِّرَتِ ٱلۡجِبَالُ فَكَانَتۡ سَرَابًا ٢٠ إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتۡ مِرۡصَادٗا ٢١ لِّلطَّٰغِينَ مَـَٔابٗا ٢٢ لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا ٢٣ لَّا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرۡدٗا وَلَا شَرَابًا ٢٤ إِلَّا حَمِيمٗا وَغَسَّاقٗا ٢٥ جَزَآءٗ وِفَاقًا ٢٦﴾ «النبإ 17 - النبإ 26»
وهو أيضا يتحدث عما بعد الموت، لكنه يقرنه مباشرة بالنفخ في الصور، وكأنه ويوم القيامة يوم واحد، وذلك لتَعلم أن أحوال الناس تختلف بعد الموت، فمنهم من يُفيق على نفخة الصور لليوم الآخر، ومنهم من يستمر به العذاب أحقابا حتى ذلك اليوم الآخر، وكلاهما في اليوم الآخر يهون عليه ما لاقاه في البرزخ!!
برهان رقم (28)
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يُجَٰدِلُونَ فِيٓ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ أَنَّىٰ يُصۡرَفُونَ (69) ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِٱلۡكِتَٰبِ وَبِمَآ أَرۡسَلۡنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ (70) إِذِ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَٰقِهِمۡ وَٱلسَّلَٰسِلُ يُسۡحَبُونَ (71) فِي ٱلۡحَمِيمِ ثُمَّ فِي ٱلنَّارِ يُسۡجَرُونَ (72) ثُمَّ قِيلَ لَهُمۡ أَيۡنَ مَا كُنتُمۡ تُشۡرِكُونَ (73) مِن دُونِ ٱللَّهِ قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا بَل لَّمۡ نَكُن نَّدۡعُواْ مِن قَبۡلُ شَيۡـٔٗا كَذَٰلِكَ يُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلۡكَٰفِرِينَ (74) ذَٰلِكُم بِمَا كُنتُمۡ تَفۡرَحُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ وَبِمَا كُنتُمۡ تَمۡرَحُونَ (75) ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَا فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ (76) فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا يُرۡجَعُونَ (77). «غافر»
ومن هذه الآية الأخيرة، نستنتج أن ما سبق وصفه من العذاب هو عذابهم بعد إهلاكهم في هذه الدنيا، وليس عذاب يوم القيامة!
فاصبر.. فإما نرينك ما نعدهم من الهلاك الذي يتبعه العذاب الدائم -وقد حصل-، وإما نتوفينك (فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب).
ملاحظات مهمة:
ملاحظة رقم (1)
جميع آيات (متى هذا الوعد) تتحدث عن الوعد بالهلاك بالصيحة والصاعقة التي أَخَذت مَن قبلهم، وتقرنها بالعذاب المباشر لهم بعد هلاكهم، وخروجهم بالموت من الحياة الدنيا إلى ميقاتهم بالبرزخ.
ملاحظة رقم (2)
قد يتم الانتقال في بعض الآيات إلى بيان عذاب الآخرة، مع تجاوز الحديث عن البرزخ، كمثل:
﴿أَفَمَن وَعَدۡنَـٰهُ وَعۡدًا حَسَنࣰا فَهُوَ لَـٰقِیهِ كَمَن مَّتَّعۡنَـٰهُ مَتَـٰعَ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَا ثُمَّ هُوَ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ مِنَ ٱلۡمُحۡضَرِینَ﴾ [القصص ٦١]
﴿وَمَن یَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتدِ وَمَن یُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِیَاۤءَ مِن دُونِهِ وَنَحۡشُرُهُمۡ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡیࣰا وَبُكۡمࣰا وَصُمࣰّا مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَـٰهُمۡ سَعِیرࣰا﴾ [الإسراء ٩٧]
وذلك من باب بيان الحال النهائي الذي سيؤولون إليه.. وليس نقضاً لعشرات الآيات التي تثبت حالاً وسطا بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة!
مع العلم أن لفظة (الدنيا) تشمل الحياة الدنيا وما بعد الموت، كمثل الآية:
﴿ثَانِیَ عِطۡفِهِ لِیُضِلَّ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ لَهُۥ فِی ٱلدُّنۡیَا خِزۡیࣱ وَنُذِیقُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِیقِ﴾ [الحج ٩]
فخزي (الدنيا) يبتدئ من عذاب الهلاك بالصيحة والصاعقة والرجفة، ويستمر بما يقاسونه من جحيم وزقوم وحميم.. بعد الموت.
ملاحظة رقم (3)
أنا لم أقم بجمع كل الآيات في موضوع العذاب المباشر بعد الموت. فهناك العشرات من الآيات الأخرى في الباب، منها ما يدل دلالة مباشرة، ومنها ما يحتاج لشرح وتعضيد بآيات أخرى لتكتمل دلالته..
يبقى الحديث عن ثواب من يقتل في سبيل الله..
وبيان الموتة الأولى التي لا يذوق غيرها المؤمنون.. بخلاف المجرمين الذين يتعرضون لحياتين وموتتين اثنتين..
وهذا له دراسة مستقلة..